اطبع هذه الصفحة


هل تستعد أمريكا للرحيل عن العراق ؟

محمد جلال القصاص

 
مع كثرة تصريحات المسئولين الأمريكيين بقوة المقاومة وضراوتها  وتزايد معدل عملياتها وما يبدوا من حسن التخطيط والتدريب  ووفرة القادة بين أفرادها ، ومع فشل تكوين جيش من العراقيين للتصدي للمقاومة ، ومع بروز الأفعى الرافضية ذات الأطماع الخاصة في المنطقة عموما وفي العراق خصوصا التي لا تستقيم ـــ ولو جزئيا ــــ مع أطماع المحتل الصليبي ، ومع بعض التصريحات من بعض المسئولين في بعض البلاد الحليفة عن إمكانية الرحيل قريبا  ، ومع بعض استطلاعات الرأي التي تقول بأن شعبية الإدارة الحالية تنخفض بسبب الحرب في العراق[1] ، يتكلم كثير من المحللين عن أن ما حدث للأمريكان في فيتنام بدأ يتكرر في العراق ، وأن العد التنازلي للتواجد الأمريكي في العراق  قد بدأ فعما قريب سترحل عن العراق كما رحلت عن فيتنام من قبل  .
وهو نوع من السطحية والعجلة في قراءة الأحداث .  
  
العراق غير فيتنام من عدة وجوه ، بها البترول وتجاور دول البترول ، وفيتنام لم يكن بها بترول ،ولا جاورت دول البترول التي تتغذى منه أمريكا ،  والعراق بجوار ( إسرائيل ) الحبيبة المدللة التي تسوق ( الفيل ) و ( الحمار ) [2]الأمريكي وفيتنام لم يكن بجوارها أي حبيب لأمريكا ، ولم يكن لسائق أمريكا كبير مصلحة في بقاء ( الحمار ) أو ( الفيل ) في غابات  فيتنام كونها حليف للإتحاد السوفيتي يومها ، فقد كان السائس اليهودي ــ الذي يسوس الفيل والحمار ـــ  يشارك في ترويض الدب الروسي يومها ، وقد كان هناك كبير مودة بين الدب الروسي والأفعى اليهودية ظهرت بجلاء بعد تفكك الاتحاد السوفيتي [3].
وفيتنام لم يكن بها  مجاهدون ولم تكن أرضها  جزء من أرض الشام التي تحوي مقدسات للأديان الثلاث  ، وتتكلم نبوءات العهد القديم[4] ــ الذي يؤمن به اليهود والنصارى ـــ والعهد الجديد عند عباد الصليب ، وكذا الأحاديث النبوية الصحيحة عن أن فتن وملاحم آخر الزمان ستكون في أرض الشام وما جاورها .ولا يخفى أن هذه الخلفية الدينية تؤثر بشدة على قرارات الإدارة الأمريكية ، وهو أمر مشهور معروف  .
فهل سترحل أمريكا وتترك العراق للمجاهدين ؟ ، وهل سترحل أمريكا وتترك ( إسرائيل ) ؟، وهل سترحل أمريكا وتترك قوام حياتها  ــ البترول ــ بأيدي ألد أعدائها ( الإسلاميين ) ؟ ، وهل سترحل الإدارة الأمريكية ذات الخلفية الدينية المتشددة وتترك أرض الشام . . .  أرض  الفتن والملاحم ؟
لا يمكن القول أبدا أن الأمريكان يستعدون للرحيل ، بل يبحثون عن حِرابٍ  أخرى يرمون بها في نحورنا ، وما هذه التصريحات إلا نوع من ذر الرماد في العيون وإعطاء فسحة للقوم  حتى يدبروا أمرهم . ويستعدون لجولة أخرى من الصراع أشد من التي مضت .
 
نعم يمكن أن ترحل أمريكا في حالة واحدة فقط  وهي أن تحدث لها مصيبة في بلدها اقتصادية أو سياسية ـــ فتنة داخلية مثلا ـــ تجعلها ترحل عن العراق وغيره من الدول التي تقيم قواعدها على ظهرها تماما كما حدث مع الفرنسيين في بداية القرن التاسع عشر الميلادي حين رحلوا عن الشام ومصر ونسي نابليون أحلام إمبراطوريته في الشرق الأوسط التي كان يريد أن يهدم بها إمبراطورية محمد صلى الله عليه وسلم  بعد أن سمع بما يحدث في بلده ، وكما حدث مع الإنجليز في منتصف القرن العشرين حين انكمشت الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس ، ولكن سيعيد التاريخ نفسه  . . . ينزل من على ظهرنا سائق ويركب سائق آخر . بعد أن استحمرنا أنفسنا بحملنا لكتاب الله في جيوبنا وليس في قلوبنا ، ونطقناه بألسنتا ولم يظهر على سلوكنا وهذا هو حال الحمار مع كتاب الله بنص القرآن قال الله تعالى " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا " [5]
فما الفائدة أن أمريكا اليوم وغدا أوروبا ــ إن اتحدت ــ أو الصين ، ما الفرق ؟
 
أيها السادة !
إن المواجهة ليست فقط مسلحة ، وإن المواجه ليست فقط على أرض العراق ،  وإن ما يهمنا ليس هو رحيل جند الكفر وإنما رحيل الكفر الأمريكي والمحلي . . . إقامة سلطان الرحمن بعد دحر سلطان الشيطان .
وللأسف جنود الشيطان قد استباحوا حصوننا الفكرية فعرّوا نساءنا وغرَّّبوا صبياننا ، وجند الشيطان أكلوا أموالنا وتركونا في ذيل القافلة بلا دنيا ولا دين.
هل سترحل أمريكا عن العراق ؟
لا بد أنها يوما ما سترحل ،فلكل ظالم نهاية ، ولكن ما ذا بعد أن ترحل أمريكا عن العراق ؟
هل سترحل بجنودها ذوي العيون الزرق ويبقى جنودها من بني جلدتنا ، كما رحل الفرنسيون من قبل وتركوا محمد علي الذي لم يلبث مليا حتى ساق الأمة على إثرهم ، وكما رحل الأوربيون في القرن الماضي وتركوا لنا الوطنيين ــ وكنا نحن جنود الثورات في الجزائر ومصر وغيرهما ـــ الذين جلدوا الظهور وأضاعوا الأموال ووقفوا بالمرصاد لكل مطالبنا حتى بدا لكل ذي عينين ( أننا نحن الإسلاميين أشد الناس عداوة عندهم من اليهود والنصارى والملحدين )   ؟
 
لقد من الله علينا في هذه الأيام برفع راية الجهاد في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس ولا بد أن تتجه عقول الأمة المخلصة للترشيد هذه الصحوة المباركة .
لا بد أن نرقى بأسلوبنا وأن لا ننحصر بين خيارات وهمية أو قريبة محدودة ، ونتكلم عن العراق الأرض وأمريكا البلد ورحيل الجنود .
باختصار أكرر : نريد رحيل الكفر كله  من أرض الإسلام كلها .
والسؤال : كيف نزيح  الكفر عن أرض العراق وباقي أراضي المسلمين  ؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن نتناقش فيه .
 
 
محمد جلال القصاص
‏27‏/07‏/2005
 
 
-----------------------------------
[1] مما لا يشق على العقلاء إدراكه أن عملية الاستطلاع يمكن التحكم في نتائجها بدرجة كبيرة  باختيار الشريحة التي يتم الاستطلاع بينها ، وأن استطلاعا كهذا من شأنه أن يزيد رد فعل الإدارة الأمريكية للاتخاذ الخطوات اللازمة لتدارك الأمر لا أنه يدفعها للرحيل عن العراق  .
[2] الفيل هو رمز الحزب الجمهوري الحاكم في أمريكا ، والحمار هو رمز الحزب الديمقراطي  المنافس التقليدي للحزب الجمهوري .
[3] من المعلوم أن اليهود كان بينهم وبين الروس في فترة ( الحرب الباردة ) حبال موصولة رغم أن هذا يتعارض مع مصالح أمريكا ، ونفس الشيء يحدث الآن مع الصين رغم معارضة أمريكا لهذا النوع من العلاقة .
[4] يطلق العهد القديم على الأسفار الخمس المنسوبة لموسى عليه السلام  ــــ وهذه الأسفار هي  ما يسمى عند المسلمين بالتوراة ــــ ، والأسفار التاريخية وعددها اثنا عشر سفرا منسوبة لعدد من الأنبياء ، وأسفار الشعر والحكمة وهي خمسة أسفار ، والأسفار النبوية وهي سبعة عشر سفرا ، وأسفار الأبوكريفا السبعة ، وهم يقبلون بعضها ويردون البعض الآخر مع اختلاف في النصوص بين الكنائس الثلاث  ( الأرثوذكسية والبروتستانتية والكاثوليكية ــ  تبعا لاختلاف أصول الترجمات المعتمدة عند كل  .  راجع إن شئت ( هل العهد القديم كلمة  الله ) للدكتور / منقذ محمود السقار . 
[5] [ الجمعة: من الآية 5 ] .
 
 

محمد القصاص
  • مقالات شرعية
  • في نصرة النبي
  • مقالات في فقه الواقع
  • مقالات أدبية
  • تقارير وتحليلات
  • رسائل ومحاضرات
  • مع العقلانيين
  • صوتيات
  • مقالات تعريفية بالنصرانية
  • رد الكذاب اللئيم
  • اخترت لكم
  • بريد الكاتب
  • الصفحة الرئيسية