اطبع هذه الصفحة


علمائنا وواجب المرحلة

محمد جلال القصاص
mgalkassas@hotmail.com


بهـــدوء :
 وراء الأحداث أصحاب الأقلام من العلماء والمفكرين ، أو بالأحرى :  أصحاب المشاريع الفكرية التربوية الجادة هم الذين يصنعون الأحداث ، وما الساسة والعسكر وباقي طبقات المجتمع إلا ثمرة لفكر هؤلاء . شاءوا أم أبوا  .
إنني أرى الأقلام كالرماح  ، وأرى العقول مصانع ، وكلَّ ما يحدث من خير أو شر هو نتاج مفاهيمٍ غرسها المربون في قلوب من يتحركون على الأرض  .  
 
فالسيف لا يسوس الناس وإن كان صارما مسلولا ، والتاريخ شاهد على كلامي ، فما استطاع عباد الصليب البقاء في دولة الإسلام حين أتوا بالسيف ، وما استطاع العثمانيون  فتح أوروبا والبقاء فيها حين تعاملوا معهم كغزاة وليس كدعاة ، بل وانتقض المغرب العربي[1] على الصحابة والتابعين  عدة مرات  وما استقر إلا بالمشاريع التعليمية الدعوية التربوية التي أقامها موسى بن نصير بين القوم بعد أن أزال عنهم الملأ الذين استكبروا بالقتال .
 
واقرؤوا كل مراحل الانحراف في تاريخ البشرية ، تجدونها تبدأ بالانحراف الفكري ( العقدي ) الذي يستهدف المفاهيم والتصورات  ثم يليه الانحراف السلوكي الذي يستهدف عبادات الناس وتعاملاتهم [2] .
 
وقد بدأ نقض عرى الدين ـ في العصر الحديث ـ  على يد المنتسبين للدين وأصحاب المشاريع  الفكرية التربوية المشبوهة. 
فمن يتتبع خطوات تغريب الأمة في القرن التاسع عشر الميلادي والقرن العشرين ، يجد أن أولى الخطوات كانت تربية كوادر فكريه على نوع معين من الثقافة التي يرضى عنها القوم ، وذلك في البعثات العلمية إلى أوروبا  ، والمدارس الخاصة التي أنشئت في العديد من البلاد الإسلامية[3]  ، والمعاهد الخاصة التي أنشئت لتخريج القضاة [4]، ثم حين تكون هذا النوع من المثقفين والمنتسبين للعلم جاء دور السلطان فخلع عليهم أرفع  الألقاب ومكنهم من المناصب العليا كالإفتاء ووضع المناهج العلمية ، وهم مَن عالجوا الأمة بعد ذلك حتى سلكت السبل  ، واقتفت أثر المغضوب عليهم والضالين تبحث عن الرقي والتحضر .!!
 
ثم جاءت الصحوة الإسلامية  لإصلاح ما فعله ( الاستعمار الغربي ) ومعاونوه من ( التنويريين ) الذين غربوا الأمة ومشوا بها وراء الغرب الكافر ، ولم تفلح الصحوة في تسلم زمام الأمور  ، وغلبها القوميون وسرقوا ثمرة جهد المخلصين من أبناء الأمة ، واليوم تعاد الكرة ... ( الأنظمة العلمانية كلها أصبحت آيلة للسقوط ، أو في حكم السقوط ، إلا أن البديل الإسلامي وللأسف الشديد غير جاهز ، بل غير موجود !!   . . . فالواقع يقول : إن صحوتنا لم تبلغ بعد سن الرشد ، بل سن البلوغ الذي يؤهلها لاستلام دفة المسؤولية في تلك المرحلة البالغة الخطورة ؟! )[5]
 
وعلمائنا اليوم معنيون بإعادة البناء ، وتصحيح الأوضاع  ، والخطوة الأولى ـ في رأي ـ  هي ترتيب الصف الداخلي وتنقيته من الدخلاء والغرباء الذين يتكلمون للناس بلسان الدين ... ( العقلانيين ) و ( المفكرين ) و ( الإصلاحيين ) ... الخ .  نعم لا بد من إسقاط الرايات الكاذبة ، وكشف المخادعين للأمة ، وكذا لا بد من فك عرى التحزب المتواجد بين أبناء الصحوة ، وتبني مشاريع تربوية جادة من أجل ( إخراج أجيال من طلبة العلم الشرعي غير الموجَّه حزبياً ، أو المأسور رسمياً ، أو المحصور إقليمياً ؛ ليكونوا  بعد ذلك  علماء أكفاء ، علماء ملة ، لا علماء دولة ، يخاطبون الناس بلسان الإسلام العام ، ويخاطبون أهل الإسلام بلسان أهل السنة ويخاطبون أهل السنة بلسان الانقياد والحياد ... الانقياد في الإتباع ، والحياد في مسائل الاجتهاد .  )[6]
 
إن الأمة اليوم   ( تواجه كل تلك التحديات والمؤامرات الممتدة منذ عقود طويلة بلا خطط للتصدي ، ولا برامج للمواجهة ، ولا إستراتيجية بعيدة ولا متوسطة ولا قريبة المدى ؛ تستطيع بها أن تدافع عن حصونها من الداخل فضلاً عن حمايتها من الخارج )[7] .
 فنحن اليوم بحاجة إلى تكتلات دعوية ـ ولا أقول تكتلات حركية حزبية ـ  تعمل على توجيه الحدث الحالي ، وتنشئة من يصنعون  أحداث الغد .
 
فما نريده هو ( لَمّ شمل علماء الأمة ، وليس العدد من الأهمية بمكان ,  ففي كل مواطن الفتن عبر التاريخ ، نجد أن من يثبتون قلة يعدون على أصابع اليد الواحدة . ويصور لي الخيال الأيام كأنها أرض والرجال فيها نبت طيب ونبت خبيث ، وفي أيام الإمام  أحمد مثلا . . . أجد  أن أرض العراق بها شجرة أو اثنتين ، وكذا الشام ومصر  والجزيرة العربية ، والباقي عشب أخضر طيب الرائحة نضر ، بيد أنه ضعيف الساق ، لا تَحْمِلُ عليه متاعا ولا تجد له ظلا  تفيء إليه . 
ثم إن فكرة تجميع أكبر قدر ممكن مع التنازل عن بعض الضروريات تحتاج إلى مراجعة  على ضوء قوله تعالى  " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا  " ) .
إن الظرف الحالي يحتاج أولي العزم والحزم والعقل من علمائنا الكرام . فهل من مجيب ؟
 

كتب / محمد جلال القصاص
مساء الثلاثاء / ‏19‏/11‏/1426
الموافق  ‏20‏/12‏/2005
 

-------------------------------------------------
[1] في عصر الإسلام الأول كان المغرب العربي يطلق على تونس ـ وهي المغرب الأدنى في عرفهم يومها ـ والجزائر ـ وكانوا يسمونها المغرب الأوسط ـ والمغرب وموريتانا وأجزاء من شمال السنغال وما جاورها ـ وكان يسمى المغرب الأقصى ـ . أما ليبيا فكانت تسمى بأفريقيا ، وباقي أفريقيا ـ عدا مصر ـ كان يسمى السودان .
[2] وغالبا ما يسبق الانحرافُ الفكري الانحرافَ  السلوكي بمسافة من الزمن ، ويتأخر الانحرافُ العملي عن الانحرافِ السلوكي بعوامل بيئية عرفية غالبا ، فليس كل من تستبيح التبرج والسفور تستطيع أن تفعله ، ولا كل من يبغض الثوب يستطيع أن يرتدي البنطال.. تمسكه أعراف الناس وتقاليدهم .  
[3] انظر ـ إن شئت ـ ( التعليم الأجنبي مخاطر لا تنتهي ) لـ مهيمن عبد الجبار .مجلة البيان العدد /   174صـ18 ، والعدد 175 صـ  8   .  
[4] كالمعهد العلمي الذي أنشأه اللورد كرومر مع ( الشيخ ) محمد عبده لتخريج قضاة شرع ( متنورين ) . راجع ـ إن شئت ـ  العلمانية للشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي  576 ، 577
[5] من رسالة ( تغيير الخطط لمواجهة خطط التغيير )  للشيخ الدكتور / عبد العزيز كامل مصطفى كامل ـ حفظه الله ـ . منشورة بموقع صيد الفوائد.
[6] المصدر السابق
[7] المصدر السابق .

 

محمد القصاص
  • مقالات شرعية
  • في نصرة النبي
  • مقالات في فقه الواقع
  • مقالات أدبية
  • تقارير وتحليلات
  • رسائل ومحاضرات
  • مع العقلانيين
  • صوتيات
  • مقالات تعريفية بالنصرانية
  • رد الكذاب اللئيم
  • اخترت لكم
  • بريد الكاتب
  • الصفحة الرئيسية