اطبع هذه الصفحة


رؤية علمية شرعية في الثبات عند الممات

محمد جلال القصاص
mgalkassas@hotmail.com


يقول الله تعالى  " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت  منهم رعبا  [  الكهف : من الآية 18  ] 
الطبعي أنني  أخاف ثم   أفر   ، لا   أنني  أفر  ثم أخاف  .  أليس كذلك ؟
  هذا ما  يقوله العقل  .
ولكن الآية الكريمة  تقرر شيئا غير ذلك ، هو  أنه حين يشتد الخوف  .  .  .  حين يكون الأمر مهولا  . . . حين يرى الإنسان الموت فإنه يفر دون أن يدري ، ولا يفيق إلا بعد أن يغادر مكان الخطر  . ( لوليت منهم فرارا  . . .  ولملئت منهم رعبا )
 
وتكلم  أهل الإعجاز   العلمي في ذلك فقالوا : إنه في حالة الخوف  والذعر الشديد فإن الإشارات الصادرة من العين لا تتجه نحو  مركز الإدراك ، وإنما تذهب أولا  إلى  البؤرة المتحكمة في العضلات الهيكلية ،  وتعطيها إشارة  للانقباض  والتحرك سريعا  بعيد ا  عن مصدر الخوف ، ثم بعد حين  تتجه إلى مركز التفكر فيفهم الإنسان ما حدث .
 
رؤية الموت تذهب بعقل كل ذي عقل إلا أن يثبته الله ، ولذا جاء في الآية الكريمة أن التثبيت بالشهادتين عند الموت من الله عز وجل { يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ  } [ إبراهيم : 27 ]  والتثبيت عند القتال ـ وهو حالة من حالات رؤية الموت ـ من الله عز وجل { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ } [ الأنفال : 12 ]
 
ومن يتدبر في سير المعارك عبر التاريخ ، وكيف كانت الهزيمة تصيب الكافرين . ومن يتدبر  حال الذين تعرضوا للقتل صبرا  يعرف صدق قولي ، وحتى يتضح مقالي أضرب لك أمثلة لهزائم الجيوش كيف كانت وحال بعض الأفراد حين رأوا القتال كيف كان حالهم . لتعلم أن صدام ما كان يتصنع ، وأن لطف الله أدركه .
 
يوم بدرٍ  .. يوم  الفرقان يوم التقى الجمعان ،  حزب الرحمن وحزب الشيطان ، وقف عدو الله أبو جهل يقسم بالله أن لا يرجع حتى يقرن محمدا ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وأصحابه في الحِبال  ، وينادي في قومه : ( لا ألفينَّ أحدا منكم قتل منهم أحدا : ولكن خذوهم أخذا ، نعرفهم بالذي صنعوا لمفارقتهم دينكم ورغبتهم عما كان يعبد آباؤهم )[1] .
وما هي إلا ساعة أو ساعتان  من القتال  وقد فروا من المسلمين كالنساء .
  
ومَرَّ عام وقريش تتجهز لأخذ ثأرها  ، ومحو  عارها  ، وجاءت يوم أحد بقضها وقضيضها  ، يُجعجع فرسانهم  ، وتضرب بالدف نسائهم  ، وينادي بالثارات جميعهم ، وما هي إلا ساعة أو ساعتان حتى فروا وتركوا النساء .
 وهؤلاء فروا عن النساء وقد كانوا لا يعدلون  بالشرف شيئا  ، وقد كانوا فرسانا شجعانا ً .
 
وجيش الفرس يوم القادسية ، وكان أشد جيش على وجه الأرض يومها  ، كثير العدد ، حسن التسليح ، جنده نخبة أبطال يقاتلون في أرضهم .
 صبيحة أول أيام القتال ركب رستم فرسه وهو يقول : اليوم ندكهم دكا  ، فناداه أحد خدمه ــ  يريد منه الاستثناء ــ : قل إن شاء الله فقال : وإن لم يشأ !!.
ولما تراء الجمعان ضحك أصحاب رستم من صحابة محمد الله صلى الله عليه وسلم  لما يرون من قلة عددهم وضعف سلاحهم ، وما هو إلا يوم ويومان اشتد فيهما القتال إلا وقد فروا لا يلوون على شيء . وأمكن الله من رستم فذبح كالخراف .
 
إنه الرعب يذهب بالعقل ويفقد الإنسان القدرة على السيطرة على مواقفه . وهو ما يفسر ما فعلته فرسان العرب ذوو  النخوة والشجاعة حين فروا وتركوا نساءهم لعدوهم  . رأوا الموت فذهب عنهم هاجس العدد والعتاد والغيرة على الأعراض والحرص على الأموال  ، فأطلقوا سيقانهم  للريح ، وما دروا إلا هناك وقد بعدوا  عن موطن القتل  والقتال .
 
ويحكي لنا التاريخ حال بعض الأفراد حين نزل بهم الموت كيف كان حالهم ، الحلاج ـ مثلا ـ حين رأى الموت فزع وصاح وصرخ وأخذ يتوسل لجلاديه كي يتركوه ، وقد كان داعية يدعي التضحية وأنه يمشي على جمر المخاطر حافيا ، ويريد الثورة على أبناء الجيل .
ويحكي لنا التاريخ المعاصر  حال ( عبد الله أوجلان ) الزعيم الكردي المتمرد حين أُخذ أسيرا وسُلم للأتراك ورأى الموت من بعيد ـ لا من قريب ـ  فزع وتنازل . وقد كان ( مقاتلا ) لا حاكما ساكنا للقصور .
 
إن رؤية الموت لا يمكن التصنع أمامها أبدا ، بل ما هو دون الموت حين يأتي الخوف على جماعة ـ مثلا في حادث سيارة ـ يغمى على بعضهم ، ويرتجف بعضهم ، ولا يتأثر نفر منهم ، وحين يأتي الخوف على مجموعة في شقة تُبصر فريقين ، فريق على الحال التي وصف الله في سورة الأحزاب { فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } [ الأحزاب: 19 ]
             تدور عينهم وقد تصطك أسنانه وينادي في نفسه وربما بصوت عال أين المفر ؟ ، وإن أُمسك به حاول الفكاك بكل ثمين .
وفريق يجد سكينة لم يكن يتوقعها . وحالة من الارتياح والبرود ربما لم تمر به من قبل . إنه لطف الله يتدارك العبد أو يفارقه .
 
يحكى أبا سفيان بن الحارث ـ وكان شبيها للحمزة بن عبد المطلب في القتال ـ وعمرو بن عبد ود وهو أشجع قريش يومها كان أول من فرَّ من بدر ووصل إلى مكة فلقيهما أبو لهب متعجبا : أأفررتم يا أبا سفيان ؟
ويجيب أبو سفيان : لقينا ما لا قبل لأحد به .
وعلى الجانب الآخر يثبت أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وهو نحيف أسيف ، ويثبت بن مسعود وهو هو في ضعف بنيته . ويفر نفر يوم أحد فيأتي القرآن معللا { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ  } [ آل عمران : 155]
 
نعم للثبات عند الممات مقياس آخر .
والرجل ـ صدام أعني ـ ما كان أمام الجماهير حتى نقول أنه أراد أن يسجل موقفا . إنه لطف الله شاء من شاء وأبى من أبى .


-----------------------
[1] المغازي للواقدي في ذكر غزوة بدر .  

 

محمد القصاص
  • مقالات شرعية
  • في نصرة النبي
  • مقالات في فقه الواقع
  • مقالات أدبية
  • تقارير وتحليلات
  • رسائل ومحاضرات
  • مع العقلانيين
  • صوتيات
  • مقالات تعريفية بالنصرانية
  • رد الكذاب اللئيم
  • اخترت لكم
  • بريد الكاتب
  • الصفحة الرئيسية