اطبع هذه الصفحة


إخوان مصر إلى انحلال أم تقوقع وانحسار ؟

محمد جلال القصاص
mgalkassas@hotmail.com


بدأت الصحوة الإسلامية في مصر ( الإخوان تحديدا ) بعد سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924 م ، وكانت الأهداف الأولى المعلنة هي إقامة الخلافة الإسلامية بتحكيم شرع الله في أرضه ، وطرد اليهود من فلسطين وكل البقاع الإسلامية .
ثم تعرضت الحركة لعدد من الضغوط الداخلية أدت إلى إحداث تغيرات جذرية في ثقافة الجماعة ومنطلقاتها الفكرية ، فراحت تشارك في العملية السياسية بأطرها الحالية، وجملة سيرها ـ جماعة الإخوان في مصر ـ داخل إطار ( الشرعية ) في مصر .

وهناك ازدواجية عجيبة تبدوا لكل متابع لحال إخوان مصر . تتضح هذه الازدواجية حين تنظر لقاعدة الإخوان العريضة وتقارنها بمواقف قيادتها وسياستها العامة .

إذْ أن القاعدة العريضة للجماعة متحمسة لقضايا الأمة في فلسطين والعراق وباقي بقاع العالم الإسلامي ، وهي ثائرة تثار مع كل حدث هنا أو هناك ، ويبدوا هذا جليا فيما يحدث في الجامعات مع النوازل العامة التي تنزل بالأمة الإسلامية . سواء أكانت فكرية ( مثلا ما حدث في جامعة الأزهر 1999م بخصوص الاحتجاج على نشر كتاب وليمة لأعشاب البحار ) ، أو سياسية عسكرية كما حدث ويحدث مع أحداث فلسطين والعراق . ومن يرقب حال الصف الإخواني داخل الجامعات وعامة الناس ، يجد أنه ثائرٌ يَئِنُ لمصاب أمته هنا وهناك .

وقيادة الجماعة تبدوا ذات طبيعة مزدوجة في تصوراتها وأهدافها .تسير داخل ( الشرعية ) الدستورية ، أو تشاكس داخل ( القنوات الشرعية ) دون خروج عليها ، سواء أكان خروجا فكريا أو حركيا ، وتحرص في مواقفها الخارجية على ازدواجية في التعامل ترضي القاعدة ولا تستفز الأنظمة .
فهي مع العراق المحتل ، وفي ذات الوقت وحين كانت الفلوجة تدك يستقبل مرشدُها رئيسَ الوزراء العراقي الشيعي المتشدد المعين من قبل الاحتلال الجعفري ويجلس معه ساعتين كاملتين ، وهي تتكلم عن إسلام مدني ، وهي تنادي على الأقباط وتحاول احتضانهم أو مد الجسور معهم ، وهي لا تمانع الحوار مع الأمريكيين من أجل بديل ( إسلامي ) معتدل . وطلب مرشدها يوما مقابلة الرئيس المصري .
والحركة مرنة جدا ، ومحنكة جدا في الحفاظ على المكتسبات وعدم الاستثارة من أي طرف للخروج من حالة التأرجح في المكان هذه .

واليوم قررت الجماعة أو كادت تأسيس حزب سياسي جديد ، وهو ما يعني انخراط أكبر في العملية السياسية . ويبدوا أن الجماعة مقدمة على مرحلة تاريخية تنفصل فيها القيادة عن القاعدة العريضة وليس الحل والاضمحلال كما يتوقع بعض المفكرين أو بالأحرى كما يدعو . ويرجح هذه الفرضية أمور . منها :

ـ ما يحدث لحماس في فلسطين ، فما يبدوا أن هناك إصرارا شديدا على إفشال التجربة الإسلامية في فلسطين حتى وإن كان باقتتال داخلي ، يحدث هذا مع حماس وهي مسلحة ذات عدد وعتاد وخبرة بالقتال ، وبدا واضحا أن الحكومة المصرية رافضة تماما لوصول الإسلاميين للسلطة ، وتكلم بهذا صراحة رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف في حواره مع النيوزيك الأمريكية [ راجع مقال محمود سلطان ـ المصريون /6/7/2007 ] وهذا من شأنه غلق الطريق أما التجربة السياسية في أعين الجماهير المخلصة التي انضمت لصفوف الإخوان أو تعاطفت معها نُصرةً للدين . وإلغاء العمل السياسي ( الشرعي ) يعني هدّ ركن الجماعة وتقويضه . ويزيد من هذه الفرضية أن .

ـ الحركة السياسية في مصر لم تتأثر بوجود إسلاميين في البرلمان ، أتكلم عن التأثير الفعلي وليس عن الشوشرة التي تحدث في ( الفضاء ) وتحت قبة البرلمان، فالقرارات تمرر ، والدستور يُعدَّل ، ووزير الثقافة تكلم وقال وأسمع وما استطاع أحد أن يمسه بسوء اللهم قيل وقال . والدولة تصادر مكتسبات الإخوان البرلمانية ، فكلما أرادت تمرير شيء اعتقلت نفرا منهم ثم حدث نوع من المساومة الضمنية أو الصريحة .. هذه بتلك . وهذا من شأنه أن يجعل كثيرين يفكرون في العملية السياسية كوسيلة للتغيير ، أو تحكيم الشريعة ، وهو الهدف العام المعلن للجماعة ، ويزيد من هذه الفرضية :

ـ وجود تيار قوي متنامي في مصر ، أغلب أفراده وقياداته ينتمي تاريخيا لجماعة الإخوان المسلمين ، هذا التيار يرفض العملية السياسية كوسيلة للتغيير ، ويرى عدم جدواها ، ومما لا يخفى على متابع أن هذا التيار له حضور قوي على أرض الواقع في مصر . ويمتلك قدرة عالية على التنظير لمبادئه وأهدافه . ويملك رموز لهم حضور في الشارع وبين الجماهير .

تحول الإخوان لحزب سياسي كما حدث في تركيا أمر وارد جدا ، وخاصة مع صعود الجيل الثاني ـ الذي لم يشهد التأسيس ولم ير المرشد الأول الإمام حسن البنا يرحمه الله ـ إلى منصب الإرشاد ويسيطر على مكتب المرشد ، فعندهم مفهوم آخر ـ أقل حدّة ـ للحجاب ، والموقف من أهل نصارى مصر والموقف من القوانين الوضعية وهذا من شأنه أن يصعد النقاش بينهم وبين التيار المتنامي من باقي الإسلاميين . ومن شأنه أيضا أن يفقد الجماعة حسها لدى شريحة عريضة من مثقفي مصر ، فلا زال المصريون يعتقدون أنهم رأس الأمة وأن بلدهم مسئولة عن ما يحدث في بغداد والقدس والصومال بل والأفغان ، أو على الأقل أن يكون لهم دور حقيقي في صناعة الحدث ، يوازي دور مصر على امتداد التاريخ .

ويزيد من فرضية انقسام القاعدة عن الجماهير العريضة أن كثيرا ممن انتخب الإخوان في البرلمان وكثير ممن تبعهم مؤيدا وناصرا من عوام الشعب أهدافه تنحصر في إطار لقمة العيش ، والدولة تقف بالمرصاد لمشاريع الإخوان ـ وغير الإخوان من الإسلاميين ـ الخيرية .

ماذا سيحدث في القريب ؟

الله أعلم . ولكنها محاولة لقراءة المستقبل القريب في ضوء ما تراكم من خبرة بالماضي قصدها الأول تقديم النصح لإخواننا وليس التطاول عليهم ، والله نسأل العفو والعافية لإخواننا وأن يرزقنا وإياهم من أمرنا رشدا .

 

محمد القصاص
  • مقالات شرعية
  • في نصرة النبي
  • مقالات في فقه الواقع
  • مقالات أدبية
  • تقارير وتحليلات
  • رسائل ومحاضرات
  • مع العقلانيين
  • صوتيات
  • مقالات تعريفية بالنصرانية
  • رد الكذاب اللئيم
  • اخترت لكم
  • بريد الكاتب
  • الصفحة الرئيسية