اطبع هذه الصفحة


هل صح خبر الزاملتين عن عبد الله بن عمرو ؟

عبدالله بن فهد الخليفي

 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أما بعد :

فقد اشتهر بين طلبة العلم أن الصحابي الجليل المكثر عبد الله بن عمرو بن العاص قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب يوم اليرموك ، فكان يحدث عنها

وكنت أحسب أن الخبر قد ثبت بسندٍ صحيح ، حتى نبهني أحد الإخوة جزاه الله خيراً على أنه لم يقف على سندٍ ثابتٍ لهذا الخبر

فبحثت في الأمر ، فلم أجد سنداً لهذا الخبر أصلاً !

وأقدم من ذكر هذه القصة عثمان بن سعيد الدارمي في رده على المريسي فقد ذكر الجهمي هذه القصة طعناً في عبد الله بن عمرو فشكك الدارمي بصحتها ، وأجاب عنها على فرض ثبوتها

قال الدارمي في رده على المريسي (2/634) ترقيم الشاملة :" وكذلك ادعيت على عبد الله بن عمرو بن العاص وكان من أكثر أصحاب النبي رواية عنه معروفا بذلك فزعمت أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يرويها للناس عن النبي فكان يقال له ألا تحدثنا عن الزاملتين
ويحك أيها المعارض إن كان عبد الله بن عمرو أصاب الزاملتين من حديث أهل الكتاب يوم اليرموك فقد كان مع ذلك أمينا عند الأمة علي حديث النبي أن لا يجعل ما وجد في الزاملتين عن رسول الله ولكن كان يحكي عن الزاملتين ما وجد فيهما وعن النبي ما سمع منه لا يحيل ذاك على هذا ولا هذا على ذاك كما تأولت عليه بجهلك والله سائلك عنه فأقصر أيها الرجل من طعنك على أصحاب رسول الله في الروايات"

أقول : ( إن كان عبد الله بن عمرو أصاب الزاملتين ) مما يدل على أنه لم يقف على سندٍ صحيح في هذه الرواية يجعله يجزم بثبوت الخبر ، وقد كان الدارمي حافظاً كبيراً يقارن بالبخاري وأبي زرعة كما ذكر ذلك الخليلي في الإرشاد

وقد وجدت في فضائل الصحابة للإمام أحمد ما يدل على ثبوت أصل الخبر دون التنصيص على الزاملتين

قال الإمام أحمد (74) في فضائل الصحابة عبد الرزاق قال أنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو قال وجدت في بعض الكتب يوم غزونا اليرموك أبو بكر الصديق أصبتم اسمه عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه عثمان ذو النورين أوتي كفلين من الرحمة لأنه يقتل أصبتم اسمه قال ثم يكون وإلي أرض المقدسة وابنه قال عقبة قلت لابن العاص سمهما كما سميت هؤلاء قال معاوية وابنه .

أقول : وهذا الخبر لا يفيد أنه احتفظ بهذه الكتب ، وأنه كان كثير التحديث عنها

فإن قلت : ماذا عن إسناد الخبر ؟

قلت : معمر في روايته عن العراقيين كلام ، وقد انفرد بذكر يوم اليرموك عن أيوب وغيره لم يذكر هذه الزيادة

قال ابن أبي عاصم في السنة 1153 - حدثنا أمية بن بسطام ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا ابن عون ، عن محمد بن سيرين ، عن عقبة بن أوس قال : كنا عند عبد الله بن عمرو فقال : أبو بكر(الصديق) أصبتم اسمه ، عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه ،وعثمان بن عفان ذو النورين قتل مظلوما أوتي كفلين - من الرحمة .

أقول : وصحح الشيخ الألباني هذا السند

وقال أبو نعيم في معرفة الصحابة 170 - حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا عباد بن علي ، ثنا بكار بن محمد السيريني ، ثنا ابن عون ، عن محمد بن سيرين ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : « عمر الفاروق أصبتم اسمه يفرق بين الحق والباطل »

وقال ابن أبي شيبة في المصنف 32053 - حدثنا أبو أسامة قال ثنا هشام عن محمد بن سيرين عن عقبة بن أوس السدوسي عن عبد الله بن عمر قال يكون في هذه الأمة اثنا عشر خليفة أبو بكر أصبتم اسمه وعمر بن الخطاب قرن من حديد أصبتم اسمه وعثمان بن عفان ذو النورين أوتي كفلين من رحمته قتل مظلوما أصبتم اسمه

وقال الطبراني في الكبير139 - حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو أسامة عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال :" أبو بكر الصديق أصبتم اسمه عمر قرن من حديد عثمان ذو النورين أصبتم اسمه قتل مظلوما أوتي كفلين من الأجر"

وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق (39/ 477) أخبرنا أبو طالب علي بن عبد الرحمن أنا أبو الحسن علي بن الحسن أنا أبو محمد بن النحاس أنا أبو سعيد بن الأعرابي نا علي بن داود القنطري نا عبد الله بن صالح نا الليث بن سعد حدثني جرير بن حازم عن أيوب السختياني وعبد الله بن عون بن أرطبان وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عقبة السدوسي قال كنا جلوسا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص في بيت المقدس فقال أبو بكر الصديق أصبت اسمه عمر الفاروق قرن من حديد أصبت اسمه عثمان ذو النورين أوتي كفلين من الرحمة قتل مظلوما ثم سكت فقال له رجل من أهل الشام ألا تذكر أمير المؤمنين معاوية فقال ملك الأرض المقدسة .

وقال ابن سعد في الطبقات (2/118) أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال أخبرنا قرة بن خالد قال أخبرنا محمد بن سيرين عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال أبو بكر سميتموه الصديق وأصبتم اسمه

وقال الداني في السنن الواردة في الفتن 518 - حدثنا ابن عفان ، حدثنا قاسم ، حدثنا أحمد ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا قرة بن خالد ، حدثنا محمد ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : « أبو بكر سميتموه الصديق أصبتم اسمه ، وعمر الفاروق أصبتم اسمه ، وعثمان ذو النورين والكفل أصبتم اسمه ، وصاحب الأرض المقدسة وابنه السفاح وسلام وأمير العصب ومنصور وجابر والمهدي وسين وسلام »

والخلاصة أن الخبر رواه عن ابن سيرين جمع وهم

1_ أيوب بن أبي تميمة السختياني وقد جاء في روايته زيادة ذكر ( يوم اليرموك ) وهي من رواية معمر عنه ورواية معمر عن البصريين فيها كلام ، وقد روى جرير بن حازم هذا الخبر عن أيوب ولم يذكر تلك الزيادة

وَقَال ابن حجر في " التهذيب" (10 / 245) : وَقَال ابن أَبي خيثمة : سمعت يحيى بن مَعِين يقول : إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزُّهْرِيّ وابن طاووس فإن حديثه عنهما مستقيم ، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا ، وما عمل في حديث الأعمش شيئا. قال يحيى : وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أَبي النجود وهشام بن عروة ، وهذا الضرب ، مضطرب كثير الأَوهام "

وقال الحافظ في ابن حجر في هدي الساري (1/377) :" معمر بن راشد صاحب الزهري كان من أثبت الناس فيه قال بن معين وغيره ثقة إلا أنه حدث من حفظه بالبصرة بأحاديث غلط فيها قاله أبو حاتم وغيره وقال العلائي عن يحيى بن معين حديث معمر عن ثابت البناني ضعيف وقال بن أبي خيثمة عن بن معين إذا حدثك معمر عن الزهري وابن طاوس فحديثه مستقيم وما عمل في حديث الأعمش شيئا وإذا حدث عن العراقيين خالفه أهل الكوفة وأهل البصرة وقال عمرو بن علي كان معمر من أصدق الناس وقال النسائي ثقة مأمون قلت أخرج له البخاري من روايته عن الزهري وابن طاوس وهمام بن منبه ويحيى بن أبي كثير وهشام بن عروة وأيوب وثمامة بن أنس وعبد الكريم الجزري وغيرهم ولم يخرج له من روايته عن قتادة ولا ثابت البناني إلا تعليقا ولا من روايته عن الأعمش شيئاً ولم يخرج له من رواية أهل البصرة عنه إلا ما توبعوا عليه عنه واحتج به الأئمة كلهم "

وأما الإمام مسلم فلم يخرج من روايته عن قتادة إلا ما كان متابعةً فقد خرج له ثلاث أحاديث من هذا الضرب ( انظر الأحاديث (933) ، (1776) ، (7255) )

وأما روايته عن ثابت فهي كذلك فقد خرج له حديثين وهما الحديث رقم ( 393) ، وقد تابعه عليه حماد بن سلمة ، والحديث رقم ( 5448) ، وقد تابعه عليه سليمان بن المغيرة

وأما رواية معمر عن أيوب في صحيح البخاري فكلها في الشواهد والمتابعات ، فقد روى له حديث ابن عباس في تبرئة إبراهيم وإسماعيل من الاستقسام بالأزلام حديث رقم (3352 ) وقد توبع عليه معمر عند البخاري في الصحيح حديث (4288) ، وروى له حديث نذر عمر الاعتكاف في الجاهلية ( 4320) وقد توبع عليه من قبل حماد بن زيد عند البخاري بنفس السند ، وروى له حديث أم إسماعيل عليه السلام (3364) ، وله شواهد ومتابعات قبله وبعده في الصحيح ، ولم يروه معمر عن أيوب فقط بل رواه عن كثير بن كثير أيضاً

وأما مرويات معمر عن أيوب في صحيح مسلم فهي كثيرة ، وقد تتبعتها حديثاً حديثاً ، فوجدتها كلها في الشواهد والمتابعات ، ولا يتسع المقام لذكرها كلها ولكن أذكر أرقامها أو أرقام الأصول التي تندرج تحتها ( انظر الأحاديث بالأرقام التالية 1876،2714 ،3071 ، 3227، 3228 ،3445 ، 3532، 3532 ، 4385 ، 4454 ، 4609 ، 5493 ، 5564 ، 5681 ، 6004 ، 6986 ، 6748 ، 7352 ،7435 )

2_ عبد الله بن عون ولم يذكر تلك الزيادة

3_ هشام بن حسان وهو أثبت الناس في ابن سيرين وهو لم يذكر تلك الزيادة

4_ قرة بن خالد ولم يذكر تلك الزيادة أيضاً

وعليه تكون هذه الزيادة محل نظر ، وإلى الآن هي عندي شاذة أو منكرة

واعجب أخي ، من الطاعنين في السنة من أمثال أبي رية وغيره من الروافض والعقلانيين كيف يعتمدون على خبرٍ لا خطام له ولا زمام ، للطعن في السنة مع تشكيكم بالأخبار الصحيحة المستفيضة ، ولا يقولن أحدٌ أنهم اعتمدوا على ذكر شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم لهذا الخبر ، فهم لا يقيمون لهؤلاء الأئمة الجبال وزناً

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
 


 

عبدالله الخليفي
  • مقالات
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية