اطبع هذه الصفحة


مجمع البحرين " جبريل و ميكال "

الشيخ صالح بن عواد المغامسي

 
الحمد لله و إن كان يقل مع حق جلاله حمد الحامدين . و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين و إله الآخرين . و أشهد أن سيدنا و نبينا محمد عبده و رسوله آخر الأنبياء في الدنيا عصرا و أرفعهم و أجلهم يوم القيامة شأناً و ذكرا . صلى الله عليه وعلى آله و أصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره و اتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد .
معنا في هذه الليلة علمان جليلان هما : جبريل و ميكال عليهما الصلاة والسلام ، ومعلوم قطعا أيها الأحبة لكل أحد أن جبريل و ميكال من ملائكة الرحمن المقربين ، وهذا يدفعنا قبل الحديث عن هذين العلمين أن نتحدث قليلا عن عالم الملائكة المكرمين كالتمهيد اليسير .

أولا : خصائص الملائكة :
الله جل وعلا خلق الخلق أجمعين وهو غني عنهم كل الغنى لا تنفعه طاعة طائع ولا تضره معصية من عصى لحكم كثيرة ظهر لنا بعضها وخفي عنا أكثرها والله جل وعلا لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . نزع الله تعالى من الملائكة غوائل الشر قال الله عنهم في سورة التحريم : " لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " ، وقال الله تعالى في سورة الأنبياء : " وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ " فنعتهم ربهم جل وعلا وهو خالقهم بأنهم عباد مكرمون ، وهؤلاء الملائكة لا يأكلون لا يشربون لا يتناكحون ، ولذلك لما جاؤوا إلى إبراهيم عليه السلام كما سيأتي تفصيلا وقدم لهم الأكل لم يستطيعوا أن يأكلوا شيئاً قال الله تعالى عن إبراهيم في سورة هود : " فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً " ذلك لأنهم لم يفطروا أصلاً لأن يطعموا طعاماً أو شراباً .
هؤلاء الملائكة طُبع في أذهان الناس وفطرهم عبر التاريخ كله أنهم حسان الخلق ، وأنهم ذوو قدرة عظيمة وهيئة حسنة وهذا لا جدال فيه كما سيأتي .

ثانيا : وظائفهم :
جعل الله تعالى لهم وظائف ومهام ، قال الله تعالى حكاية عنهم في سورة الصافات : " وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ " أي مهمة منزلة مكانة أداء يؤديه لا يتأخر عنه ولا يستقدم ، كل ذلك يجري بقدر من الله تعالى وعلم ، ولله تبارك وتعالى الأمر من قبل ومن بعد .

ثالثا : عددهم :
هؤلاء الملائكة جم غفير لا يعلم عددهم إلا الله ، قال الله تعالى في سورة المدثر : " وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ "

رابعا : مكانهم :
هؤلاء الملائكة مواطنهم السماء ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم " أطت السماء وحق لها أن تئط ، والله ما من موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى " فهؤلاء هم ملائكة الرحمن صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

خامسا : من جبريل و ميكال في هذا العالم ..؟
يدل ظاهر القرآن والسنة على أنهما أحد رؤساء الملائكة الأربعة ، فالعلماء يقولون : دل القرآن والسنة على أن رؤساء الملائكة أربعة : جبريل و إسرافيل وملك الموت و ميكال .
أما إسرافيل فقد أوكل الله جل وعلا إليه النفخ في الصور ، قال الله في سورة الزمر : " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ " فالذي ينفخ إسرافيل , وأوكل الله تعالى إليه أن يتقدم إسرافيلُ بعد النفخةِ الثانية الخلق أجمعين وهم يُحشرون إلى أرض المحشر يقول الله تعالى في سورة طه " يَوْمَئِذٍ [ أي في يوم المحشر ] يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ " فالداعي هو إسرافيل والخلقُ يتبعونه ولا يحيدون لا ميمنة ولا ميسرة عن مسيره ، و الله يقول في سورة القارعة : " يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ " والفراش من وصفه أنه يموج بعضه في بعض يتخبط ، في حين أن الجراد يمشي على هيئة واحدة ليس كالفراش كما قال الله في سورة القمر " كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ " وذلك أن الناس أول ما يبعثون قبل أن يسمعوا إسرافيل لا يدرون أين يذهبون ، ثم عندما يسمعون نداء إسرافيل يجتمعون كالجراد المنتشر و يسيرون خلفه يتبعونه كما قال الله إلى أرض المحشر وهي أرض بيضاء نقية لم يُعص الله تعالى فيها قط .
أما ملك الموت فلم يرد نص صريح في اسمه ، لكن الله أوكل إليه قبض الأرواح ، ثمة ملك ينفخ في أجسادنا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا ، وملك آخر هو ملك الموت أرفع قدرا يقبضها قال الله تعالى في سورة السجدة : " قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ " .

بقينا في جبريل و ميكال لماذا اخترناهما دون الملائكة ودون هؤلاء الأربعة :
لأن الله جل وعلا قرن بينهما في عطف خاص بعد أمر هام في سورة البقرة قال الله جل وعلا : " قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ{97} مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَ مِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ " فذكر الله تعالى الملائكة في الأول وهذا عام ، ثم ذكر الرسل ثم قال و جبريل و ميكال وهذا خاص و يقصد به التميز الشرف لهما عليهما الصلاة والسلام .
ونرجع إلى سبب نزول هذه الآية : العلماء يقولون أن جمعاً من اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا القاسم : إنا سائلوك عن مسائل لا يعلمها إلا نبي فسألوه فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا بقيت واحدة ، إن أجبتنا إليها اتبعناك , واليهود عليهم لعائن الله قوم بهت ، فأخذ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم العهد والمواثيق إن أجابهم اتبعوه ، فأعطوه ، فقالوا : من وليك من الملائكة ..؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " ولي من الملائكة جبريل " ، ولم يكن عليه الصلاة والسلام يقصد أن يتبرأ من سائر الملائكة ، لكن الله تعالى أوكل مهام الأنبياء ـ الوحي ـ إلى جبريل عليه الصلاة والسلام ، فالنبي صلى الله عليه وسلم حدث بالواقع ، فقال : " ولي من الملائكة جبريل " ، فقال اليهود : هذا الذي ينزل بالحرب والقتال ، لو كان وليك من الملائكة ميكال هذا الذي ينزل بالقطر والرحمة والغيث لاتبعناك ، فأنزل الله تعالى الآيتين السابقتين اللتين ذكرناهما من قبل .

سابعا : ما هي المهام الموكل بها جبريل و ميكال ..؟
نقف هنا عند المهام لكل واحد مهما :
ميكال أوكل الله إليه الغيث الرحمة القطر ما فيه حياة الناس المعيشية فهو الذي ينزل بالقطر ، ولهذا ينبغي أن يعرف أن القطر الذي ينزل في كل عام هو واحد ، ما كان في العام الأول والعام هذا والذي سيليه ، منذ أن خلق الله الكون و المطر الذي ينزل من حيث الكمية واحد , يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما عام بأمطرَ من عام " فأوكل الله تعالى بإذنه إلى ميكال أن يصرف هذا القطر ، فتارة يزداد وتارة يقل في أرض دون أرض .
وقد تجد بلادا ذات رقعة واسعة يموت بعض أهلها من جدب الديار ويموت بعض أهلها من كثرة الأمطار غرقاً و رب الاثنين واحد لا رب غيره ولا إله سواه ، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يتفكر في خلق الله ، يقول الله جل وعلا عن ذاته العلية " وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً{48} لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً " ثم قال الله جل شأنه " وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ ( أي الماء ) لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً " فهذه مهمة ميكال عليه السلام . وقد ورود ذكره في أحاديث كثيرة منها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يلجئ إلى رب جبريل و إٍسرافيل و ميكائيل فيأتي بالثلاثة في سياق واحد فيقول " اللهم رب جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون * ........الخ " .

أما جبريل عليه الصلاة والسلام فقد دل ظاهر القرآن والسنة أنه أعظم الملائكة قدرا ، وقد دل على ذلك أمور منها :
أن الله تعالى أوكل إليه مهمة الوحي ، فإذا كان ميكال مهمته ما فيه حياة الناس المعيشية ، فإن جبريل مهمته ما فيه حياة الناس الحقيقية القلبية وهي حياة الإيمان , قال الله تعالى في سورة الأنعام : " أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ " ، فهو الذي ينزل بالوحي عليه الصلاة والسلام ، والنبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ بالوحي أول مرة ورجع إلى داره خائفا وجلا أخذته زوجته خديجة رضي الله عنها وأراضها إلى بن عمها , فلما قص النبي صلى الله عليه وسلم على ابن عمها ورقة بن نوفل قصته ما رأى قال له وقد كان عنده حظ من علم أهل الكتاب قال : ( هذا الناموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه السلام ) ، فورقة يعلم أن الذي أتى بالوحي إلى موسى من قبل هو جبريل ، وقد صرح الله تعالى بنزول جبريل بالوحي في مواطن كثيرة ، ومنها قول الله جل وعلا في سورة الشعراء : " وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ{192} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ{193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ{194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ " .
وجبريل عليه الصلاة والسلام لم تقتصر مهمته مع النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال الوحي فقط ، بل تعداه إلى أمور كثيرة ، فهو الذي كان يُرقي النبي صلى الله عليه وسلم إذا مرض ، يقول عليه الصلاة والسلام وقد اشتكى مرة جاءه جبريل فقال : " يا محمد اشتكيت ؟ قال : نعم ، قال : بسم الله أرقيك ، من كل شيء يؤذيك ، من شر كل نفس أو عين ، أو حاسد الله يشفيك ، بسم الله أرقيك " , وهذا من عناية جبريل و ولايته للنبي صلى الله عليه وسلم .
وفي معركة بدر خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بضعةِ عشر رجلا مع ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار ، وكانت راية بدر أعظم راية عبر التاريخ الإنساني كله ، فكان تحت تلك الراية سادة المهاجرين والأنصار مع أعظم الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام تحت تلك الراية مع خواص الملائكة و ساداتهم . يقول كعب بن مالك رضي الله عنه مفتخرا :

وفي يوم بدر حينَ تُمحى ووجههم *** جـبـريــل تحـت لوائـنا ومـحـمـد

وهذا من حيث الصدق الواقعي أفخر بيت قالته العرب لأنه لا فخر بعد ذلك الفخر أن يكون تحت راية واحدة سيد الملائكة جبريل وسيد البشر نبينا صلى الله عليه وسلم وسادة الناس بعد الأنبياء المهاجرين والأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .
كما أن جبريل عليه السلام كان يجيب على الإشكالات العلمية التي تأتي إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فعبد الله بن سلام رضي الله عنه لما أراد أن يؤمن سأل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أسئلة قال لا يعلمها إلا نبي , سأله عن زيادة كبد الحوت عن تحفة أهل الجنة وسأله كيف ينجع الرجل إلى أبيه و إلى أمه , فأخبره النبي صلى الله عليه مسلم كما في الصحيح وغيره ثم لما فرغ عليه الصلاة والسلام من الإجابة قال : " والله ما كنت أعلمها أخبرني بها جبريل لساعته " . فكان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل جبريل عما أشكل عليه ، فسأل عليه الصلاة والسلام عن أحب الأماكن إلى الله ،
فقال : " المساجد " ، فسأل عن أبغضها فلم يعلم ، فسأل جبريل عليه الصلاة والسلام ، فأخبره أنها " الأسواق " . والمقصود من هذا أن جبريل كان له دور المعلم ، وأحيانا يحرص جبريل على أن تكون ولايته عامة ، والملائكة أولياء للمؤمنين قطعاً وجبريل منهم ، فيأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول عمر بن الخطاب : " بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب ــ وهذا يدل على أنه رجل يُعنى بنفسه ــ ، قال عمر : ولا يعرفه منا أحد ــ وقد جرت العادة أن الذي يقدم على النبي صلى الله عليه وسلم ويشهد حلقته لا يخلوا أن يكون أحد رجلين : إما أن يكون من أهل المدينة مهاجرا أو أنصاريا ، فيكون يظهر عليه حسنُ الاعتناء بنفسه ، وإما أن يكون أعرابيا قادما من سفر فيظهر عليه أن يكون أشعث أغبر يظهر عليه أثر السفر لكن عمر يقول عن هذا الرجل : لا يعرفه منا أحد أي ليس من المهاجرين والأنصار ولا يرى عليه أثر السفر كما يرى أثر السفر على الأعراب ــ وأخذ يسأل ــ وهذا يسميه بعض العلماء أحيانا سؤالات جبريل أي يسأل الإنسان أسئلة يعلم إجابتها و إنما يريد بسؤاله أن يعلم من حوله ــ فجبريل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرني عن الإسلام أخبرني عن الإيمان أخبرني عن الإحسان ــ ومن الذي علم النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان والإسلام والإحسان إنه جبريل فالله جل وعلا أمره أن يعلم النبي عليه الصلاة والسلام هذا , فجبريل يسأل سؤال من يعلم لكنه أراد أن يعلم من حوله ــ قال أخبرني عن الساعة ؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " ــ أي في هذه علم وعلمك سواء والنبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم أن الذي يسأله هو جبريل ــ فلما فرغ من أسئلته وخرج من عند الصحابة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر أو لغيره : أتدرون من السائل ..؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال : هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم " .
و أحياناً تكون في جلسة علمية فلا يكون من هو حاضر عند الشيخ لديه قدرة على الأسئلة فينبري أحد الفضلاء يسأل أسئلة الشيخ يعلم أن السائل يعلمها لكنه أراد أن يمن على الجميع على الحاضرين بعلم الشيخ و إكرام العلم سؤله بلا شك . هذا ما يتعلق بولاية جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم .
الذي يعنينا في هذا أمر مهم جداً وهو أن السلف عليهم رحمة الله تعالى يقولون : ( أن العبد كلما كان بالله أعلم و أعرف كان من الله أخوف ) وهذا يتحقق كثيراً إذا تأملنا ما ذكر في القرآن والسنة من خبر جبريل عليه الصلاة والسلام ، يقول عليه الصلاة والسلام : " مررت ليلة أسري بي و جبريل كالحلس البالي من خشية الله تبارك تعالى " .
و الحلس البالي هو : الفراش الذي أهلك من كثرة الجلوس عليه من كثرة ما يستخدم وقد ذهب رونقه , فالنبي صلى الله عليه وسلم يشبه خشوع و خشية جبريل عليه السلام وخضوعه بالحلس البالي ، ووجه الشبه هنا : هو ما انتابه من الخوف والهلع مع أن جبريل رواح غدّاء بين السماوات والأرض وله منزلة عظيمة عند ربه جل وعلا ، لكن هذا العلم من جبريل بالله تعالى هو الذي جعله شديد الوجل والخوف .

والله تعالى له صفات جلال وصفات جمال :
فصفات الجمال : تجعل الإنسان يرجوا الله تعالى أعظم . وصفات الجلال : تجعل العبد يخاف من ربه أعظم . فإذا رزق العبد أن يعرف صفات الجمال والجلال لله تعالى رُزق أن يرجوا الله تعالى ويخافه في آنٍ واحد ، فإذا جمع إلى ذلك المحبة اكتمل إيمان العبد وتمت أركان توحيده بالرب تعالى قال الله تعالى : " الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( وهذه صفات جمال وإنعام تقتضي المحبة ) * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ ( وهذه صفات جمال تقتضي الرجاء ) * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( صفات جلال تقتضي الخوف ) " وهذه الثلاث هي جامع التوحيد كله ، وهذه كلها قد حازها جبريل عليه الصلاة والسلام بلا شك .
ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الله إذا أراد أن يتكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفةٌ شديدة ، فإذا سمعوا بذلك أهل السموات صُعقوا وخروا سجدا ، فيكون أولُ من يرفع رأسه جبريل ، فإذا رفع رأسه أوحى الله إليه بما شاء من الأمر ، ثم يمضي جبريل على كل سماء ، كلما مر على سماء سأله ملائكتها ، ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول ، " قال الحق وهو العلي الكبير " قال الله تعالى في سورة سبأ " وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ " .

وينبغي أن نعلم أمرا مهماً وهو : أنه لن نعرف عن الله أكثر من أن نقرأ كتابه ، لأنه لا يوجد أحد يحيط بالله تعالى علما ، قال الله جل و علا عن ذاته العلية في سورة طه : " وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً " , وقال تبارك وتعالى في سورة الشورى : " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " لكن الرب جل وعلا عرف بنفسه في كتابه العظيم , وكل ما في القرآن عظيم , إلا أن ما في القرآن ينقسم إلى قسمين :
أعظمه كلام الله عن الله . فذكر الله جل وعلا ذاته العلية في كتابه أعظم ما في القرآن ومن مواطنه في كتاب الله آية الكرسي فإن فيها من صفات الرب جل وعلا الشيء الكثير قال الله جل وعلا " اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ . . . . الخ الآية " , وقال الله جل وعلا في سورة الأعراف وهي من مظان كلام الله عن الله : " إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " , وقال جل وعلا في خواتيم سورة حشر : " هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ{22} هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ{23} هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " , وكذلك نعت الله جل وعلا ذاته العلية في مقدمة سورة الحديد , إلى غير ذلك مما لا يجهله أحد ذكرنا بعض مواطنه التي فيهن كلام الله عن ذاته العلية .
إذا تبصر المؤمن بقلب واعٍ وأذن صاغية إن كان يسمع أو إن كان يقرأ كلام الرب جل وعلا عن ذاته العلية رزق الخضوع والخوف و الخشية والرجاء في الرب تبارك وتعالى , و إنك لن تستطيع أن تحجم عن المعاصي وتقرب من الطاعات حتى تكون عظيم العلم بالرب تبارك و تعالى و عظمة العلم هذه ينجم عنها إذا رحمك الله عظيم الإيمان . فالناس في زماننا أحوج ما يكونوا إلى أن يعلموا عن ربهم اسمائه و صفاته وكمال جماله ونعوت جلاله جل وعلا .
ذات مرة عندنا في مدينة رسولنا صلى الله عليه وسلم كان عالم يقال له الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله كان يدرس في المسجد النبوي . ذات مرة وهذا الكلام قديم قبل ثلاثين عاماً تقريباً قال في الحلقة : إن الغنم تعرف الحلال من الحرام ـ وهو في سياق الحديث عن الإيمان ـ فتعجب الحاضرون , فقالوا : يا شيخ كيف الغنم تعرف الحلال من الحرام ـ وكان في ذلك الوقت الناس في المدينة لا يكاد يخلوا دار أو بيت من أغنام عندهم لها أمكنة حول البيوت تغدوا وتروح على أهلها و أنا أدركت شيء من هذا في أواخر الثمانينات الهجرية ـ فقال رحمه الله : قال ائت بطعام تأكله الأغنام و ضعه بين يديها ـ أي لغنمك ـ تأتي غنم الجيران لتأكل معهم ثم وهما يأكلان غنمك وغنم جيرانك من هذا الطعام الذي وضعته لهما ائت وقل كلمة تنهر بها الأغنام , قال : إن أغنام الجيران تفر تهرب تعرف أنه ليس لها أما غنمك فتبقى كما هي تأكل .

وهذا واقع حق في الناس أترى الناس الذين يذهبون إلى بارات الشرق وحانات الغرب يجهلون أن الخمر أو الزنا أو تلك الفواحش حرام تالله وبالله لا يجهلون لكنهم يفقدون الدافع الإيماني العلم بالرب تبارك وتعالى الذي ينهاهم عن المعاصي ويحجم بهم عن اقتراف الذنوب , يفتقدون ما يدفعهم إلى فعل الطاعة إلى التقرب يفتقدون الإيمان بالرب واليقين والعلم بذات الله جل وعلا وما له تبارك وتعالى من نعوت الجمال وصفات الكمال كما بينا .
هذا الذي ينبغي أن يعلم أول الأمر ونحن ندرس سيرة ملكين كريمين هما جبريل و ميكال عليهما السلام .
بلغنا الله و إياكم من العلم أنفعه وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه .
هذا ما تهيأ إيراده وتيسر إعداده والله المستعان وعليه البلاغ و صلى الله على نبينا محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين .

 

 صالح المغامسي
  • تأملات قرآنية
  • السيرة النبوية
  • مجمع البحرين
  • آيات وعظات
  • مشاركات إعلامية
  • خطب
  • رمضانيات
  • فوائد ودرر
  • صوتيات
  • الصفحة الرئيسية