اطبع هذه الصفحة


خطبة بعنوان: ﴿إنما هذه الحياة الدنيا متاع﴾

محمد بن سليمان المهنا
@almohannam

 
بسم الله الرحمن الرحيم


إنِ الْحَمْدَ لِله، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
‪
‬(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وأَنْتمْ مُسْلِمُونَ)‪
‬(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)‪
‬(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًايُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)

أما بعد أيها المسلمون:
فإن العبدَ المؤمنَ محتاجٌ في سَيْرِهِ إلى الله والدار الآخرة، إلى نقاط تفتيش، يفتّش فيها قلبه، ويتأكد فيها من طريقه، ويتفقّد فيها زاده وراحلته، ويحاسب فيها نفسه ويراجع أعماله.

ومن أعظم أسباب الهداية تدبّر كلام الله عز وجل، لا سيما في القضايا الكبرى والكليات العظيمة التي قد يغفل العبد عن وينساها، لظنه كفاية ما تلقَّاه من معرفتها والإيمان بها وبأدلتها.

ومن أوجب الواجبات وأهم المهمات تدبّر حديث القرآن والسنة عن الدنيا والآخرة، وهو حديث عظيم ملؤه التزهيدُ في الدنيا والتعريض بذمها وفنائها، والترغيبُ في العمل للدار الآخرة ومدح أهلها وذكر بقائها وكمالها.

قال عز وجل مبيناً حال الناس وانهماكهم في أمر الدنيا: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ*قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).

وصدق الله العظيم، فإن هذه الحال هي حال أكثر الناس: انهماكٌ في طلب الدنيا، وحبٌ عظيم لزهرتها، وتفانٍ في تطلّبها والمنافسة فيها، مع أنها عَرَضٌ زائلٌ دائمُ الكَبَد، كثيرُ النَكَد، قصيرُ الأمَد، ملئٌ بالمزعجات والمنغِّصات والمفاجآت، وأنها قسيمةٌ للآخرة، وهي الدار الباقيةُ الكاملةُ الدائمة، الحافلةُ بأنواع النعيم لمن كتب الله له الخير والكرامة.

ولو لم يأت من نكد الدنيا أن الحي فيها مهدَّدٌ كل لحظة بالموت، لكفى به منغِّصا مزهِّداً مقلِّلاً من قدرها وقيمتها.

أما الجنة فهي دار الخلود (يا قوم إنما هذه الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار) (يـبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).
لا مرض فيها ولا هرم ولا موت، كما قال صلى الله عليه وسلم (ذا دَخَلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، نادَى منادٍ: إنَّ لكُمْ أنْ تَنْعَموا فلا تَبْأسوا ابدًا، وإنَّ لكُم أنْ تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبدًا، وإنَّ لكُمْ أنْ تَشِبُّوا فلا تَهْرَموا أبدًا) ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون).

فَمَا عِيبَتِ الدُّنيا بأبلغَ مِن ذكرِ فنائِها وتقلُّبِ أحوالِها، فتَتَبَدَّلُ: صحَّتها بالسَّقمِ، ووجودُها بالعَدَمِ، وشبيبتُها بالهرمِ، ونعيمُها بالبؤسِ، وحياتُها بالموتِ، وعمارتُها بالخرابِ، واجتماعُها بفرقةِ الأحبابِ، وكلُّ ما فوقَ التُّرابِ ترابٌ.
قالَ الحَسَنُ البصري: إنَّ الموتَ قد فَضَحَ الدُّنيا فلمْ يَدَعْ لذي لبٍّ بها فرحًا.
وقالَ مُطَرِّفٌ بن عبدالله: إنَّ هذا الموتَ قد أَفْسَدَ على أهلِ النَّعيمِ نعيمَهُم، فالتَمِسوا نعيمًا لا موتَ فيهِ.
وقالَ يَزيدُ الرَّقاشِيُّ: أمِنَ أهلُ الجنَّةِ الموتَ فطابَ لهُمُ العيشُ، وأمِنوا مِنَ الأسقامِ فهنيئًا لهُم في جوارِ اللهِ طولُ المقامِ.
وقالَ بعضُ السلف: ذَهَبَ ذكرُ الموتِ بلذَّةِ كلِّ عيشٍ وسرورِ كلِّ نعيمٍ. ثمَّ بَكَى وقالَ: واهًا لدارٍ لا موتَ فيها!

عبادَ اللهِ! هَلُمُّوا إلى دارٍ لا يُموتُ سكَّانُها، ولا يَخْرَبُ بُنيانُها، ولا يَهْرَمُ شبَّانُها، ولا يَتَغَيَّرُ حسنُها وإحسانُها.
هواؤُها النَّسيمُ وماؤُها التَّسنيمُ، يَتَقَلَّبٌ أهلُها في رحمةِ أرحمِ الرَّاحمينَ، ويَتَمَتَّعُونَ بالنَّظرِ إلى وجْهِهِ الكريمِ (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

روى مسلم في الصحيح عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {سأل موسى عليه السلام ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال سبحانه وتعالى: رجلٌ يأتي بعد ما أُدخل أهل الجنةِ الجنةَ، فيخيَّل إليه أنها ملأى، فيقول الله عز وجل له: ادخل الجنة. فيقول: يا رب! كيف أدخلها وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا نعيمهم؟ فيقول الله عز وجل له: ألا ترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ قال: بلى يا رب، وكيف لا أرضى بذلك؟ فيقول الله: فإن لك ذلك ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، حتى بلغ الخامسة، فيقول العبد: يا رب رضيت رضيت، فيقول الله: فإن لك ذلك، ولك عشرة أمثاله، ولك ما اشتهت عينك، ولذَّت نفسك، وأنت فيها خالد. ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليه من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد أيها المسلمون:
فمن علامات توفيق الله للعبد أن يحبّب له الأعمال الصالحة، ويوفّقه للاستقامة عليها إلى أن يموت، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسّله، فسُئل عن معنى عسّله، فقَالَ: يَفْتَحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ).

ومن أسباب التوفيق: معرفة الطرق الموصلة إلى الجنة، وجِمَاعُ ذلك الحرصُ على العلم النافع، فهو سبب الخير، والهادي إلى سبيل الرشاد، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة). رواه مسلم.

ومن أسباب دخول الجنة: كثرة الخُطا إلى المساجد، قال صلى الله عليه وسلم (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نُزُلا كلما غدا أو راح) متفق عليه.

ومن أسباب دخول الجنة: كثرة السجود، قال ربيعة بن كعب رضي الله عنه: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتُيته يوماً بوضوئه وحاجته، فقال لي: (سَلْ يا ربيعة)، فقلت: أسأل مرافقتك في الجنة، فقال (أو غير ذلك؟)، قلت: هو ذاك، قال: فأعِنّي على نفسك بكثرة السجود.

ومن ذلك التهجد بالليل، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وصِلة الأرحام، قال صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام).

تلك يا عباد الله هداياتُ كتاب الله، وهذه مواعظُ رسول الله، والسعيد من جعل ذلك تلقاء وجهه يهتدي به فلا يميل ولا يحيد.

(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).

اللهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبراهيم وعلى آل إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبراهيم وعلى آل إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حميد مجيد.



 

محمد المهنا
  • مقالات
  • كتب
  • تغريدات
  • خطب
  • الصفحة الرئيسية