اطبع هذه الصفحة


خطبةٌ بعنوان:
البكاء من خشية الله

محمد بن سليمان المهنا
@almohannam

 
بسم الله الرحمن الرحيم


إنِ الْحَمْدَ لِله، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ‪‬(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وأَنْتمْ مُسْلِمُونَ)‪.
‬(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)‪.
‬(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًايُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).

أما بعد أيها المسلمون:
فلا أكمل ولا أعظم، ولا أجمل ولا أكرم، مما امتدحه الله عز وجل في كتابه العزيز من الأعراض ومن الجواهر.

مدح الله من عباده رجالاً هم صفوة الخلق، فأصفاهم بأحسن الصفات ونعتهم بأطيب النعوت.

ومدح من الصفات الشريفة والمعاني الكريمة ما كان سببا للسباق في ميدانها واللحاق بالمتقدِّمين إليها.

هذه سورة مريم ابتدأها الله بالثناء على العبد الصالح، الرسول الكريم زكريا عليه الصلاة والسلام، ثم ثنّى بالثناء على ابنه العبد الصالح والرسول الكريم يحيى، ثم مدح مريم وابنها عيسى عليهم الصلاة والصلاة، ثم ذكر الخليل إبراهيم، ثم الكليم موسى، ثم الذبيح إسماعيل، ثم ذكر الصديق العلي إدريس ثم قال (أولئك الذين أنعم الله عليهم من ذرية أدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً).

نعم .. إنه ديدن أهل الدين وهِجِّيرى أهل الصلاح من النبيين والصديقين والصالحين، إنه تعظيمُ الله وتوقيرُه والبكاءُ عند ذكره شوقاً وحباً وخوفاً وطمعاً (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً * ويقولون سبحن ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً).

عباد الله:
البكاء من خشية الله وصف شريف، وخصلة حميدة، به وصف الله أنبياءه، والذين أوتوا العلم من عباده، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "رجلاً ذكر الله خالياً ففاضت عيناه"
وكلما قوي الإيمان عظمت الخشية وازداد التوقير لله العلي الكبير، وأول الناس في ذلك وأولاهم به محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
هو أتقى الناس لله، وأخشى الناس لله، وأكثر الناس بكاءً من خشية الله.
ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: اقرأ علي القرآن فقال: أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال نعم: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ من سورة النساء حتى بلغ قول الله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك فإذا عيناه تذرفان.

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى سُمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وهو صوت القدر إذا اشتد غليانه.

وقد كانت تلك الحال حال تلاميذه رضي الله عنه وأرضاهم، ففي البخاري عن عائشة أن أبا بكر رضي الله عنه (ابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ينظرون إليه ويعجبون! قالت عائشة: وكان أبو بكر رجلا بكَّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن).

وقال عبدالله بن شداد: كنت أسمع نشيج عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإني لفي آخر‪ ‬الصفوف وهو يقرأ (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله).

وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً) قال أنس: فغطّى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين من البكاء. متفق عليه.

ومعنى لو تعلمون ما أعلم: أي لو تعلمون العلم المتعلق بعظمة الله وانتقامه ممّن يعصيه ، والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة. قاله الحافظُ رحمه الله

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ومتى أقحطت العين من البكاء من خشية الله تعالى فاعلم أن قحطها إنما هو من قسوة القلب، وأبعد القلوب من الله : القلب القاسي " وكان كثير من السلف يحب أن يكون من البكائين، ويفضلونه على بعض من الطاعات، كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "لأن أدمع من خشية الله أحب إليَّ من أن أتصدق بألف دينار".
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من القلب الذي لا يخشع، يقول (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها). رواه مسلم.

وقال رحمه الله في موضع آخر: إن في القلب قسوةً لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى، وذكر حماد بن زيد عن المعلى بن زياد أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أذِبه بالذكر، وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار فما أُذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عز وجل.
اللهم اهد قلوبنا وأصلح أحوالنا واجعلنا هداةً مهتدين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون:
فإن أفضل الدموع دموع الخلوات، قال صلى الله عليه وسلم وهو يَعُدّ السبعة الذين يظلهم الله: ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.

فإذا خلوتَ في هذا الشهر الكريم بكتاب ربك، أو خلوتَ بمناجاته في ظلمة الليل، أو في الضحى والناس رقود، فحرّك قلبك بذكر الله وبالثناء عليه وبدعائه، فإن القلب رافد العين، وقد قال ابن الجوزي في المدهش: إذا سكن في القلب شهر آب، نزل في العين شهر آذار. يعني أن حرارة الإيمان إذا تمكنت من القلب، أمطرت العين بغزير الدمع.

قال الحسن البصري: إن كان الرجل ليجلس المجلس من مجالس الذكر فتأتيه العبرة فيردُّها، فإن خشي أن تسبقه قام من مجلسه.

وقال محمد بن واسع: إن كان الرجل ليقوم الليل عشرين سنة ويبكي من خشية الله ما تعلم امرأته عن ذلك.

وكان أحد أئمة الحديث يحدّث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم فإذا غلبه البكاء مسح أنفه بطرف عمامته وقال: ما أشدَّ الزكام .. ما أشدَّ الزكام.

وهذا لا يعني ذم الباكين من الأئمة والمأمومين، فقد بكى أمامَ الناس خيرُ الناس، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، لكنَّ المقصودَ الحثُ على تحري الإخلاص وإخفاء العمل الصالح وأثره، والله لا يضيع أجر المحسنين

اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وتقبل منا أعمالنا، واغفر لنا ذنوبنا، واجعلنا هداةً مهتدين

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 

محمد المهنا
  • مقالات
  • كتب
  • تغريدات
  • خطب
  • الصفحة الرئيسية