اطبع هذه الصفحة


خطبةٌ بعنوان: فضل العشر الأواخر

محمد بن سليمان المهنا
@almohannam

 
بسم الله الرحمن الرحيم


إنِ الْحَمْدَ لِله، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ‪‬(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وأَنْتمْ مُسْلِمُونَ)‪.
‬(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)‪.
‬(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًايُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).

أمّا بعد : أيّها المسلمون،،
يقول الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . أياما معدودات).

وها هي أيام شهركم المبارك قد آذنت بصُرم وولّت حذَّاء، كعقدٍ انفرط دُرُّه، وانتثر جُمَانه، فبينما كنا نقول له أهلا أهلا، إذا بنا نقول مهلا مهلا، فالله المستعان وعليه وحده التكلان.

أيها المؤمنون:
العشرُ الأواخر من رمضان هي تاجُه وسراجه ، كان نبيّنَا إذا دَخلَت أحيَا ليلَه وأيقَظَ أهلَه وشدَّ مِئزَرَه، وتقول عائشةُ رضي الله عنها كما في صحيح مسلم: كانَ رَسول الله يجتَهِد في العَشرِ الأواخِرِ من رمضان ما لا يجتَهِد في غَيرها.
في العشر تتنزل الرحمات، وتعظم الهِبات، وتُنْفَح الأعطيات، وتشتاق نفوس المؤمنين إلى الدرجات العاليات.

في العَشرِ ليلةٌ ليست كالليالي، كثيرةُ البرَكات، عزِيزَة اللحظات، القليلُ منَ العمَلِ فيها كَثير، والكثيرُ منه مضَاعَف، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
خَلقٌ عَظيم من الملائكة ينزِل من السماءِ لشُهودِ تلك اللّيلة تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ لَيلةُ سلامٍ وبَرَكاتٍ على هذِهِ الأمّة، قال ابنُ كثير رحمه الله: "يكثُر نزولُ الملائِكَة في هذه الليلةِ لكَثرةِ برَكَتها"
فمن أدركها فهو الفائز، ومن فرط فيها فهو الخاسر المغبون

أيها المسلمون: ما بقي من الشهر هو الأقل وهو الأعظم، فشمّروا من جديد، وأجمعوا أمركم، وأتوا صفا: صفوا قلوبكم، وصفوا أقدامكم في محاريب العبودية، فإن الصالحين لم يضعوا لأمة حرب النفس والهوى والشيطان، وأعظم السباق ما يكون في آخر الميدان، فيا أقدام الصبر احملي، لم يبق إلا القليل، وإنما الأعمال بالخواتيم.

أيها المؤمنون:
الصّلاةُ قرّة عُيونِ الصّالحين ورَاحةُ أفئدةِ الخاشِعين، وأفضَلُ الصّلاةِ بعد الفريضةِ صلاةُ الليل، وذلك الدهر كله، أما في رمضان فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من قامَ رَمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذَنبِه) وأما في العشر فقد قال (من قام ليلة القدر إيمانا احتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه) متّفق عليهما.

ونسَماتُ آخرِ الليلِ مظِنّة إِجابةِ الدّعوات، وفي كلِّ لَيلةٍ ساعةُ إجابَةِ، الأبوابُ فيها تفتَح، والكريم فيها يعطي ويمنَح، فسَل فيها ما شئتَ فالمعطِي عظيم، وأيقِن بالإجابةِ فالرّبّ كريم، وبُثَّ إليهِ شَكواك، وارفَع إليه لأواكَ، وأيقن بالإجابة والإثابة، قال عليه الصلاةُ والسلام: (إنّ في اللّيلِ لساعةً لا يُوافقها رجلٌ مُسلم يسأل اللهَ خيرًا مِن أمرِ الدّنيا والآخرة إلاّ أعطاه إيّاه، وذلك كلَّ ليلة) رواه مسلم.

والعَبدُ مفتقِرٌ إلى محوِ أدرانِ خطاياه، والانكسارُ بين يدَيِ الله والافتقارُ إليه في هذه العشرِ المباركَات، أعظم ما يكون ذلك عند اعتكاف العبد لربه في بيت من بيوته، وقد كان نبيُّنا يعتَكِف العشرَ الأواخِرَ من رَمَضانَ حتى توفّاه الله.
فإن استطعت أن تعتكف العشر كلها فهو الخير وبه إدراك السنة فادخل معتكفك قبل مغرب يوم غد السبت وامكث في إلى أن يهل هلال شوال، وإن لم تستطع فلا أقل من أن تعتكف ليلة، وذلك بأن تدخل المسجد قبل أذان المغرب وتمكث فيه إلى أذان الفجر، حتى يطلع الفجر، فإن زدت فمكثت إلى أذان المغرب كُتِب لك بفضل الله قيام يوم وليلة.

فارْغَب إلى ربِّك بالاعتكافِ، وداوِم على ذكرِ الله فيه، واحذر من قطاع الطريق إلى الله أعني أهل القيل والقال، فإنهم يسرقون منك ما لا يُقَدَّر بثمن، ففر منهم فرارك من الضواري، واهرب من مناجاتهم إلى مناجاة الباري، وأبشر عند ذلك بالمواهب الإلهية والمنح الربانية، فإن العبد إذا قرُب العبدُ من ربِّه لطَف اللهُ بِه، وساق إليه الإحسانَ من حيث لا يشعُر، وعصَمَه من الشّرّ من حيث لا يحتَسِب، ورفعَه إلى أعلى المراتِبِ بأسبابٍ لا تكون منه على بالٍ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية


الحمدُ لله علَى إحسانِه، والشّكرُ له علَى توفيقه وامتِنانِه، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وَحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشَأنه، وأشهَد أنّ نبيَّنا محمّدًا عبدُه ورَسوله، صلّى الله عليه وعلى آلِه وأصحَابه.
أمّا بعد: أيّها المسلمون،،

أوشَكَ الشهر على الرحيلِ بما أودَعَ فيه العبادُ من أفعالٍ، واللّبيبُ من خَتَم شهرَه بتوبةٍ صادِقَة بالبُعد عن المعاصِي والآثام، والمفلِسُ من أغرَقَ نفسَه في السيّئاتِ ولقِيَ ربَّه وهو عَلَى العِصيَان.

فأكثِر يا عبدالله من الاستغفارِ في هذه العشر المباركات، يكن استغفارك ماحيًا لزلاّتِك تاجًا على حسناتِك، وتذكَّر أنّ اللهَ يبسُط يَدَه بالليل ليتوبَ مسِيء النّهار، ويبسُط يدَه بالنّهار ليتوبَ مُسيء اللّيل حتّى تطلعَ الشمس من مغرِبها، وإيّاك والتّسويفَ بالتّوبة؛ فإنّ الموتَ يأتي بغتَة، فاستعد له بالاستغفار وبالعمل الصالح، ومن مأثور الوصايا ما نُقل عن أمير المؤمنين في الحديث، الإمامِ أبي عبدالله محمدِ بنِ إسماعيل البخاري رحمه الله أنه قال هذين البيتين:

اغْتَنِمْ فِي الْفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ --- فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَه
كَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتُ مِنَ غَيْرِ سُقْمٍ --- ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَه


اللهم ارزقنا الاستعداد ليوم المعاد، واجعلنا من عبادك المتقين الموفَّقين، واجعلنا من السابقين ومن المقبولين.

اللَّـهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبراهيم وعلى آل إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبراهيم وعلى آل إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حميد مجيد.


 

محمد المهنا
  • مقالات
  • كتب
  • تغريدات
  • خطب
  • الصفحة الرئيسية