اطبع هذه الصفحة


النصيحة البرهانية
في نصيحة أهل الملة النصرانية

محمد بن حسن المبارك

 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمدالصادق الأمين ، آخر الأنبياء وخاتم المرسلين ، وعلى من آمن به و اتبع هداه إلى يوم الدين .

و بعدُ ، فإنَّ من لوازم الإيمان العقلية والفِطرية توحيد الخالق عز وجل و تنزيهه عن مشابهة المخلوقين ، إذ فُطِر الناس جميعاً على اعتقاد وحدانية الله عز و جل ،و على تنـزيهه عزوجل عمَّا لا يليق بمقام الخالق جلَّ و علا .

و هذا ما دعا إليه جميع الأنبياء ـ بلا استثناء ـ إذ أن الفرق بين الإيمان السليم و الوثنية هو التوحيد ، فهذا مِمَّا يكادُ يتفق عليه العُقلاء ، و لذلك يعتذر النصارى عمَّا وقعوا فيه من شرك التثليث بأن الثلاثة الأقانيم واحدٌ في الكيان ، و هذا القول وإن سهُل عليهم لفظاً فإنه مستحيلٌ في المعنى ، و لكنَّهم أُلجِؤوا إليه لدرءِ شيءٍ من وقع شناعة التثليث على بشاشة القلوب .

و جميع النبوات من أولها إلى آخرها تجتمع على أصول متفق عليها في شأن "ربوبية " الخالق عز و جل ، و هي :

الأول : أن الله سبحانه وتعالى قديم واحد لا شريك له في ملكه ولا نِدَّ ولا ضِدَّ ولا وزيرَ ولا مُشير ولا ظهير ولا شافع إلا من بعد إذنه عز وجل .

الثاني : أنه لا والد له ولا ولد ولا كفؤ ولا نسيب بوجه من الوجوه ولا زوجة له عزو جل .

الثالث : أنه غني بذاته فلا يأكل ولا يشرب ولا يحتاج إلى شئ مما يحتاج إليه خلقه بوجه من الوجوه.

الرابع : أنه لا يتغير ولا تعرض له الآفات من الهرم والمرض والسِّنة والنوم والنسيان والندم والخوف والهم والحزن ونحو ذلك.

الخامس : أنه لا يماثل شيئاً من مخلوقاته فيجب تنزيهُه عزوجل عن مشابهة البشر ،والإيمان بأنه عزوجل في عليائه ، متفرد بكبريائه ،لا يحل في ذاته شئ منها بل هو بائن عن خلقه بذاته والخلق بائنون عنه .

السادس : أنه لا يحِلُّ عز و جلَّ في شيء من مخلوقاته، ولا يحِلُّ في ذاته شيء منها، بل هو بائن عن خلقه بذاته، والخلق بائنون عنه.

السابع : أنه أعظم من كل شئ وأكبر من كل شئ وفوق كل شئ وعال على كل شئ وليس فوقه شئ البتة.

الثامن : أنه قادر على كل شئ فلا يعجزه شئ يريده بل هو الفعال لما يريد.

التاسع : أنه علاَّم بكل شئ يعلم السرَّ وأخفى ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس و لا متحرك إلا وهو يعلمه على حقيقته.

العاشر : أنه سميع بصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات ، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، فقد أحاط سمعه بجميع المسموعات ، وبصره بجميع المبصَرات ، وعلمه بجميع المعلومات ، وقدرته بجميع المقدورات ، ونفذت مشيئته في جميع البريَّات ، وعمَّت رحمته جميع المخلوقات، ووسِع كرسيه الأرض والسموات.

الحادي عشر : أنه الشاهد الذي لا يغيب ولا يستخلف أحداً على تدبير ملكه ولا يحتاج إلى من يرفع إليه حوائج عباده أو يعاونه عليها أو يستعطفه عليهم ويسترحمه لهم.

الثاني عشر : أنه الأبدي الباقي الذي لا يضمحل ولا يتلاشى ولا يعدم ولا يموت.

الثالث عشر: أنه المتكلم الآمر الناهي قائل الحق وهادي السبيل ومرسل الرسل ومنزل الكتب والقائم على كل نفس بما كسبت من الخير والشر ، ومجازي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته.

الرابع عشر : أنه الصادق في وعده وخبره ، فلا أصدق منه قيلا . ولا أصدق منه حديثاً ، وهو عز و جل لا يُخلف الميعاد.

الخامس عشر : أنَّه تعالى الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه ، فهو المبرأ من كل عيب وآفة ونقص.

السادس عشر : أنه العدل الذي لا يجور ولا يظلم ولا يخاف عباده منه ظلماً.

فهذا مما اتفقت عليه جميع الرسل و الكتب السماوية الصحيحة ، وهو من المُحكَم الذي لا يجوز أن تأتي شريعة بخلافه ولا يخبر نبي بخلافه أصلاً .

إذا تقرَّر هذا كلُّه فاعلم أنَّ أصول مقالة المثلِّثة من النصارى في رب العالمين تخالف هذا كله أشد المخالفة وتباينه أعظم المباينة ، لمَّا تمسَّكوا بالمتشابه من المعاني والمجمل من الألفاظ ، وأخذوا بأقوال من ضلُّوا من قبل ، وأضلُّوا كثيراً وضلُّوا عن سواء السبيل ،فوقعت في الضِّدِّ من جميع تلك الشروط العقلية الفطرية التي لا يكاد يختلف عليها كلُّ من تأمَّل وأنصف ورجع إلى صوت الحق وداعي الإيمان .

ـ إذ انفردت النصرانية المحرفة بالجرأة على مقام الله عزوجل فأبطلت التوحيد ، ونادت بالتثليث المنافي للفطرة .

و لم يكتفِ سدنة النصرانية المحرَّفة "ورثة بولس و قسطنطين" بتشبيه الخالق بالمخلوق فقط :

1ـ بل جمعوا بين اللاهوت و الناسوت في شخص المسيح عليه السلام إذ ادَّعَوا أنَّ اللاهوت حلَّ في الناسوت بمعنى أنَّ الخالق عزَّو جلَّ حلَّ في المخلوق ـ سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علُواًّ عظيماً ـ.

2ـ بل و ادَّعوا امتزاج اللاهوت بالناسوت ، { وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } سورة الزمر - آية 67.

3ـ بل ـ و أعظم من ذلك ـ أنهم ادَّعوا صلب البشر لهذا الإله .

4ـ بل و التعدِّي عليه و إهانته .

و مع تنزيه القرآن المطلق لمقام ربوبية الله تعالى ،فإنَّه ـ أيضاً ـ ينزِّه شخص المسيح عليه السلام عن ذلك ، و يروي لنا أن الصلب و الإهانة إنما وقعت على يهوذا الاسخريوطي الذي وقع عليه شبَهُ عيسى عليه السلام.

يقول الله تعالى:{ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) } النساء:157-158 .

و تصديق ذلك من انجيل برنابا ما ورد فيه ـ في الفصل السابع عشر بعد المائتين ـ:

( فأخذ الجنود يهوذا وأوثقوه ساخرين منه , لأنه أنكر وهو صادق أنه هو يسوع , فقال الجنود مستهزئين به : يا سيدي لا تخف لأننا قد أتينا لنجعلك ملكا على إسرائيل , وإنما أوثقناك لأننا نعلم انك ترفض المملكة , أجاب يهوذا :لعلكم جننتم , إنكم أتيتم بسلاح ومصابيح لتأخذوا يسوع الناصري كأنه لص أفتوثقونني أنا الذي أرشدتكم لتجعلوني ملكا ! ، حينئذ خان الجنود صبرهم وشرعوا يمتهنون يهوذا بضربات ورفسات وقادوه بحنق إلى أورشليم ، وتبع يوحنا وبطرس الجنود عن بعد ، وأكدا للذي يكتب أنهما شاهدا كل التحري الذي تحراه بشأن يهوذا رئيس الكهنة ومجلس الفريسيين الذين اجتمعوا ليقتلوا يسوع ، فتكلم من ثمّ يهوذا كلمات جنون كثيرة ، حتى أن كل واحد أغرق في الضحك معتقدا أنه بالحقيقة يسوع وأنه يتظاهر بالجنون خوفا من الموت ، لذلك عصب الكتبة عينيه بعصابة ، وقالوا له مستهزئين : "يا يسوع نبي الناصريين "فإنهم هكذا كانوا يدعون المؤمنين بيسوع ) قل لنا من ضربك ، ولطموه وبصقوا في وجهه) انتهى .

و لا يمكن اتهام المسلمين بتلفيق انجيل برنابا فإن هذا الانجيل إنَّما خرج من حوزة الكنيسة ، لا من ديار المسلمين ، يقول المستشرق الشهير سايل :
( إن مكتشف النسخة الإيطالية لإنجيل برنابا هو راهب لاتيني يسمى "فرا مربنو" ) .
ومن جملة ما قال :
( إن هذا الراهب عثر على رسائل لأحد القساوسة وفي عدادها رسالة تندد بالقديس بولس ، وأن هذا القسيس أسند تنديده إلى إنجيل القديس برنابا ، فأصبح الراهب المشار إليه من ذلك الحين شديد الشغف بالعثور على هذا الإنجيل ، واتفق أنه أصبح حينا من الدهر مقربا من البابا (سكتس الخامس ) فحدث يوما أنهما دخلا معا مكتبة البابا فأخذ النوم هذا البابا ، فأحب الراهب مرينو أن يقتل الوقت بالمطالعة إلى أن يفيق البابا ، فكان الكتاب الأول الذي وضع يده عليه هو إنجيل القديس برنابا نفسه ، فكاد أن يطير فرحا من هذا الاكتشاف فخبأ هذا الإنجيل في أحد ردني ثوبه ، ولبث إلى أن استفاق البابا فاستأذنه بالإنصراف حاملا ذاك الكنز معه ، فلما خلا بنفسه طالعه بشوق عظيم فاعتنق على إثر ذلك الإسلام )اهـ .

ثم ظهر في بداية هذا القرن تصديق انجيل برنابا في اكتشاف كنَسي لا يقل عن اكتشاف انجيل برنابا اومخطوطات البحر الميت .
إذ ظهر إكتشاف "لاهوتي" آخر عظيم يؤيد ما ذكره إنجيل برنابا فقد ذكرت صحيفة الواشنطن تايمز THE WASHINGTON TIMES فى عددهـا الصادر فى 7 إبريل 2006 مقالا بعنوان Judas stars as 'anti-hero' in gospel By Julia Duin
و جاء فى هذا المقال أن الجمعية الجغرافية الدولية National Geographic أزاحت النقاب عن أحد المخطوطات الأثرية أو الأناجيل التى عثر عليهـا فى أحد كهوف بنى مزار بمصر ويعود تاريخهـا إلى بداية القرن الثالث الميلادي

و أطلق على هذا الإنجيل اسم إنجيل يهوذا "The Gospel of Judas,"

و قد تم ترميم هذا الإنجيل بعد العثور عليه منذ أكثر من عشر سنوات و تمت ترجمته من اللغة القبطية إلى اللغة الانجليزية فى نهاية عام 2005 وأفرج عن هذه الترجمة فى 6 إبريل هذا العام وأصبح هذا الإنجيل يباع فى الأسواق، وقد سجل الإنجيل قبل نهايته أي قبل انتهـاء بعثة المسيح مباشرة هذا النص كما تذكره الصحيفة المشار إليهـا فى مقالهـا ـ كما يلي ـ :

Near the end of the Judas gospel, Jesus tells Judas he will "exceed" the rest of the disciples "for you will sacrifice the man that clothes me."

وهذا النص معناه أن المسيح يخاطب يهوذا في نهاية الإنجيل المنسوب إليه ويقول له أنه (أى يهوذا) سوف يختلف عن باقى الحواريين "exceed" the rest of the disciples وأنه سوف يكون الرجل ( the man ) الذي يضحى به كشبيه لى ( يلبس هيئتى = clothes me) أو يلبس ثوبي

ونقف ونتأمل كلمة يلبسني الذي عجز المترجم أن يكتبهـا كما جاءت فى آيات القرآن "شبه لهم"

الصحف العالمية والجامعات والعلماء يشهدون بعدم صلب المسيح(انجيل يهوذا) على هذا الرابط :
http://www.newyorker.com/archive/200...0417crbo_books

و هكذا يظهر الله الحق ، وأن المسيح لم يصلب وإنما الشخص الذي صلب هو يهوذا .. وإذا كان المسيحيون قد ادعوا أن إنجيل برنابا تم تأليفه بعد بعثة الرسول فإن هذا المخطوط ـ كما تؤكد التقنيات الآثارية الحديثية ـ من الكربون وأوراق البردي ـ كُتِبَ قبل القرن الثالث الميلادي، بحسب أقوال الصحيفة المشار إليهـا .. بمعنى قبل بعثة الرسول بثلاثة قرون ، و هكذا يكون تصديق القرآن الكريم والرسول الكريم من كتب النصارى أنفسهم و على أيدي كتبتهم .

فيا ايها النصراني المعتقِد لحلول اللاهوت في الناسوت ، ثم صلب الإله ، هل ستقابلُ الله عزو جل ، بمثل هذا الاعتقاد في ذاتِه العليَّة ، و في جناب حضرتِه الإلهية ، وهل سترضى بأن تكون اقلَّ تعظيماً لله عز و جل من الوثنيين المُغرقين في الوثنية الذين كانوا يجعلون لله عزوجل الربوبية المطلقة .

إذ أنَّ كثيراً من الوثنيين يُوافقون على وجوب توحيد الخالق عز وجل في ربوبيته ، و وجوب تنزيهه عن مشابهة المخلوقين ، و إن كانوا وقعوا في الشرك في باب طلب الشفاعات من غير الله عزوجل الى شركاء زعموا أنهم يشفعون لهم عند الله عزو جل ، و لكن لا يشاركونه في ملكه ، كما كان مشركوا العرب في الجاهلية يقولون عند تلبيتهم في الحج :
لبيك لا شريك لك
إلاَّ شريكاً هو لك
تملكُه وما ملك

و كانوا يقولون عن أصنامهم و شركائهم ـ كما حكى ذلك عنهم القرآن ـ:
{ما نعبدهم إلاَّ ليقربونا الى الله } سورة الزمر - آية 3 .
و يقولون عن تلك الأصنام :{هؤلاء شفعاؤنا عند الله} سورة يونس - آية 18
إلاَّ أنَّهم كانوا يجعلون الخلق و الأمر كله لله :
{و لئن سألتهم من خلقهم ليقولُنَّ الله فأنَّى يُؤفكون} ـ سورة الزخرف - آية 87
فهم و إن كانوا وقعوا في الشرك بطلبِهم الشفاعة من تلك الأصنام ، إلاَّ أنَّهم لم يجترؤوا على تشبيه الخالق بالمخلوق .

ـ وكانوا ـ مع شركهم ـ يعظِّمون ذكر الله و بيته الحرام ، حتى أنهم كانوا لا يقاتلون في الأشهر الحرم ، و لا يطوفون البيت الحرام بثياب عصوا الله عزو جل فيها .

و اعتبر فيما لو ادَّعى أحدٌ أنَّ والدك أُهينَ وصلِب و بُصِق في وجهه هل كان ذلك القولُ سيُرضيك أم ستردُّ على صاحبِه وتُعنِّفه ، و ربما رددتَ بما هوأعظم من ذلك .
فإذا كان ذلك كذلك فراجع نفسَك و عقلك و قلبك و فطرتك ، و استفت قلبك و إن أفتاك الناس و أفتوك و أفتوك

 

محمد آل مبارك
  • مقالات
  • تحقيقات ومؤلفات
  • فرق ومذاهب
  • تراجم
  • أدبيات
  • الصفحة الرئيسية