اطبع هذه الصفحة


معالم الهيمنة الامريكية على محاور السياسة الأوربية

محمد بن حسن المبارك


لا يخفى على كثير من المتابعين للحالة السياسية العالمية تزايد النفوذ الأمريكي العالمي وظهور قطب أوحد يهيمن على مفاتح اللعب العالميَّة ، لا سيما بعد تفكك ما كان يسمَّى بدولة الاتحاد السوفيتي العظمى .
هذا هو الحال في حقبة "العالم الجديد" الذي أعلنت أمريكا قيامه و انفردت بالتحكم به .

و قد زادت احداث سبتمبر و ما تلاها من احتلال لافغانستان ثم العراق من تلك الحالة السياسية .
ليبدأ بعد ذلك تدريجيا ملامح التحول السياسي نحو القطب الأوحد من كثير من الدول الكبرى .

و سنستعرض في هذا المقال بعض ملامح ذلك التغير السياسي و معالم الاستخذاء السيادي لبعض تلك الدول التي كانت في السابق تعدُّ ضمن موازين القوى العالمية .

و التي اكتفت مؤخرا ـ في حقبة العالم الجديد ـ بكونها مجرد دولة حليفة ضمن سلسلة حلفاء استراتيجيين أو منفذ من منافذ العبور السياسي للولايات المتحدة الامريكية .

في بريطانيا :
توني بلير
يُعدُّ توني بلير رئيس الحكومة البريطانية الأسبق أشهر الرؤساء الاوربيين الذين اشتهر عنهم اعتمادهم لسياسات امريكية صريحة خلال تعامله مع استرايجيات ومجريات السياسة البريطانية الخارجية لاسيما في منطقة الشرق الوسط .
بل و اتهم داخلياً بتبعيته المطلقة للسياسة الامريكية ، بينما عمد مغنٍ بريطاني شهير إلى السخرية من رئيس الوزراء البريطاني توني بلير و تبعيته للرئيس الأميركي جورج بوش في أغنية شهيرة بعنوان " شوت ذي دوغ" (أطلق النار على الكلب) ، أخرِجت على شكل رسوم متحركة وكانت شعارا لمعارضي سياسات بلير الخارجية .

و قد تولى بلير رئاسة الحكومة لثلاث فترات رئاسية متتالية بدأت بعام 1997 وإنتهت بعام 2007 ورئيس حزب العمال البريطاني منذ عام 1994 ولغاية 2007، حيثُ واصل بلير السياسة البريطانية المطابقة للسياسة الأميركية ، و التي كانت كالظل لها في كثير من المواقف السياسية المصيرية، كما كان في ما يتعلق بقضية الحصار على العراق، ثم التفتيش على أسلحته، والإبقاء على منطقتي الحظر الجوي شمالي العراق وجنوبه.
ومن الطريف أن المشاركة البريطانية في الغارات الأخيرة على العراق لقيت معارضة في الحكومة وفي صفوف حزب العمال الذي يرأسه بلير نفسه بينما أيدها حزب المحافظين المعارض بقوة و حماس شديدين .

و ظل بلير يتابع سلسلة سياساته الانضوائية الى أن إستقال من رئاسة الوزراء في 27 يونيو 2007 وذلك بعد أن استقال من زعامة الحزب العمالي، وخلفه في رئاسة الحزب ورئاسة الوزراء وزير المالية في حكومته و خليفته فيما بعد الرئيس البريطاني الحالي جوردون براون.
وفي نفس يوم إستقالته عين توني بلير مبعوثاً دولياً للجنة الرباعية الدولية الخاصة بالسلام بالشرق الأوسط. ولذلك قدم استقالته من البرلمان البريطاني أيضا .

و يعتبر مجيء بلير الى ساحة الشرق الأوسط كمبعوث دولي لللجنة الرباعية الدولية الخاصة بالسلام بالشرق الأوسط، بعد رحيله عن رئاسة الحكومة البريطانية قرارا أميركيا مدروسا لدعم السياسات الامريكية في منطقة الشرق الوسط ، حيث عملت الإدارة الامريكية الجمهورية بنصيحة وزيرة خارجيتها، كوندوليزا رايس، في «فرض» هذا التعيين «المفاجئ» لبلير .

جوردون براون:
و بالنسبة لخليفة بلير في رئاسة الوزراء البريطانية الرئيس البريطاني الحالي الأسكتلندي الاصل جوردون براون.و الذي كان ـ كسابقه ـ يشغل منصب وزير المالية البريطاني في حكومة بلير ليستلم منصب رئيس وزراء بريطانيا بتاريخ 27 يونيو 2007 خلفاً لطوني بلير
فهو ابن قس بروتستانتي بأحد كنائس اسكتلندا، و قد كان من أشد مؤيدي حرب العراق في 2003، وان كان قد يستخدم أسلوبا لبقا لإبداء معارضته لأداء قوات التحالف عامة في الحرب.

في فرنسا :
بالرغم من أن فرنسا كانت من المؤسسين لمنظمة حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبمشاركة الدول الأوربية الغربية الأخرى سنة 1949 إثرَ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ لمواجهة خطر الاتحاد السوفيتي آنذاك، فإن مؤسس الجمهورية الفرنسية الرابعة شارل ديجول قرر عام 1966 الخروج من الهياكل العسكرية لمنظمة حلف شمال الأطلسي، والاكتفاء بالانتماء السياسي للناتو، وهو ما فسره الجنرال ديجول آنذاك "بالمحافظة على استقلالية القرار الفرنسي أمام الهيمنة الأمريكية".

و عندما تولى الرئيس السابق "جاك شيراك" الحكم لمدة ولايتين رئاسيتين سكن فيها شيراك قصر الإليزية كان خلالهما يناهض فيها السياسات الامريكية العالمية ، ويجسِّد الحلم الفرنسي بالعودة الى مقدمة صفوف موازين القوى العالمية المؤثرة أعاد الى الاذهان ـ حبنذاك ـ ذلك المثال الديغولي و ذلكم الحلم الفرنسي القديم .

و في خطبة توديع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك التي ألقاها "شيراك" نفسه يوم 11-3-2007 والتي دامت عشر دقائق؛ معلنا فيها اعتزامه عدم الترشح للانتخابات الفرنسية المقبلة، اعلن فيها نهاية حقبة كاملة من تاريخ فرنسا عُرفت باسم "الشيراكية" ، لِيلوحَ عند ذلك اسم نيكولا ساركوزي في أفق رئاسة الجمهورية الفرنسية ، فمن هو ساركوزي هذا ؟؟

نيكولا ساركوزي:

يجب أن نعود إلى المجر في شرق أوروبا عندما قررت عائلة ساركوزي المكونة من:
والد نيكولا و هو المغامر السياسي "بول ساركوزي".
و والدته : أندري الملاح ابنة تاجر يهودي مجري.

حيثُ قرَّرا مغادرة البلاد سنة 1944 إلى وجهة مجهولة، بعد أن خشوا من تأميم أموالهم من قبل الشيوعيين الروس الذين أصبحت لهم اليد الطولى في"بودابست" عاصمة المجر.
ليحطوا رحالهم في اليونان، ومنها إلى فرنسا حيث سكنت عائلة "ساركوزي" في العاصمة باريس، وهناك أنجبوا وريثهم الأول "نيكولا" يوم (28-1-1955) وفيها بدأ حياته.

و في الحقيقة ان نيكولا ساركوزي هو آخر شخص ممكن تصوره رئيساً للجمهورية الفرنسية ، و ذلك لعدة أسباب:

1ـ فهو مهاجر مجري ، و لا يخفى العداء الشعبي المتصاعد في فرنسا تجاه "المهاجرين" ، و لذلك فإن انحدار نيكولا من بنت تاجر من أوروبا الشرقية نقطة لا يُتحدث عنها كثيرا في الإعلام الفرنسي.

2ـ وهو من اصل يهودي "من ناحية الأم" ، و لا ننسى دور فرنسا التاريخي في قيادة العالم الكاثوليكي المعادي لليهود ، ، إذن لم تأت مساندة يهود فرنسا لساركوزي من فراغ.

3ـ كما أن والد "نيكولا" له دور كبير ومشهور في العمالة لصالح الولايات المتحدة لوأد الثورة الشيوعية في المجر ،و لذلك فقد فرَّ بثروته ـ بعد اخفاقه ـ الى باريس .

4ـ كما أنَّ "نيكولا" نفسه يُصنف ضمن عُتاة اعضاء الماسونية العالمية .

5ـ هذا عدا نرجسيته الزائده و تباهيه الواضح و اللذين لا يتناسبان مع اصله الاجنبي عن البلاد .

6ـ وكذلك مغامراته العاطفية المكشوفة و التي لا تتناسب مع تمثيله السياسي للدولة الفرنسية.

و لكن الأيدي الخفية صنعت من ذلك المهاجر الرجل القوي في اليمين الحاكم الفرنسي، ليكون من الداعين إلى القطيعة مع السياسات السابقة بهدف إحداث "تغيير عميق" في البلاد ، ثم ليصبحَ وزير داخلية فرنسي ورئيس حزب التجمع من أجل الحركة الشعبية.

ثم استطاع بعد ذلك أن يربح في الإنتخابات الفرنسية بنسبة 53.2 % من أصوات الناخبين الفرنسيين وذلك بتاريخ 6 مايو 2007 ليصبح رئيسا للجمهورية الفرنسية خلفا للرئيس السابق جاك شيراك. و استلم مهامه رسميا بتاريخ 16 مايو 2007.

ليعلن عبر كثيرٍ من تصرفاته السياسية دورانه في فَلَك السياسة الامريكية و انقياده لها قلبا و قالباً ، كما ان الرجل لا يخفي إعجابه بالنظام الليبرالي الأمريكي كلما حانت الفرصة ، هذا مع مواقفه المساندة لإسرائيل واعتباره صديقا لها.

ـ و فيما اعتبره مراقبون إثباتا جديدا لتوجهاته القريبة من الولايات المتحدة أبدى الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" الرغبة في عودة مشروطة لفرنسا إلى حظيرة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وبهذه العودة المرتقبة إلى المؤسسة السياسية والعسكرية التي تقودها الولايات المتحدة، سيقوم ساركوزي بخطوة غير مسبوقة منذ عهد الرئيس الفرنسي "شارل ديجول" .

ولهذا السبب بالذات لم ينس نيكولا ساركوزي في تقديمه "للكتاب الأبيض" الثلاثاء 17-6-2008 ، والخاص بإعادة تنظيم قوات الدفاع الفرنسية أن يذكِّر الجمهور بالثوابت الفرنسية التي خطها الرئيس الراحل "ديجول".
في ايطاليا:
يُعتبر الرئيس الايطالي الحالي سيلفيو برلسكوني من أقوى حلفاء الرئيس الأميركي جورج بوش.
وقد بعث برلسكوني بقوات إيطالية إلى العراق تتألف من 3000 رجل عقب احتلالها كنوع من التأييد لسياسات امريكا في المنطقة.
.، فمن هو برلسكوني هذا ؟

سيلفيو برلسكوني:

رئيس وزراء ايطاليا لثلاث فترات رئاسية ، كان أبرزها الفترة الثانية التي قضاها من عام 2001 حتى 2006 م.
وكان والد سيلفيو برلسكوني مدير بنك ، أما ابنه فهو رجل أعمال معروف مشهور بل مُغرِقٌ في الشهرة و الثراء .
إذ تصنف مجلة فوربس الإقتصادية سيلفيو برلسكوني كأغنى رجل في إيطاليا.
فهو يرأس إمبراطورية مالية تضم العديد من المؤسسات الإعلامية والإعلانية وشركات التأمين والأغذية والبناء، بالإضافة إلى ملكيته لنادي إيه سي ميلان.

و تحيط ببرلسكوني كثير من الاتهامات حول علاقته بمافيا المخدرات ، ممَّا يفسِّر لدى كثير من المحلِّلين الاقتصاديين سر صعود نجم برلسكوني و تنامي ثروته بتلكم السرعة الفلكية .

و لعل هذا يفسِّر مثول الرئيس الايطالي سلفيو برلسكوني امام القضاء لتبرير علاقته برئيس المافيا منذ سبعينات القرن الماضي ، وتورط بعض مساعديه في عمليات مخدرات و تهريب وغسيل اموال ، مما اضطر برلسكوني أن يمنح نفسه حق الحصانة العليا

امريكا في ايطاليا :

و لا ريب ان هناك حلفاً شبه معلن بين كل من "مافيا" و المخابرات الامريكية السي آي اي .
إذ تعود بداية الحلف الامريكي المافي الى الحرب العالمية الثانية ، فأثناء تلك الحرب استخدمت أمريكا الاتصالات الايطالية بالفرع الامريكي لمنظمة "مافيا" الاجرامية خلال اجتياح إيطاليا وصقلية في الحرب العالمية الثانية وخلال عملية الإنزال الأميركي في جزيرة صقلية عام 1943 .

فقد قام لاكي لوتشيانو وأعضاء آخرين في المافيا ـ الذين اعتقلوا خلال هذا الوقت بأمريكا بموجب صفقة مع الاستخبارات الأمريكية ـ بتزويد الاستخبارات الأمريكية ـ التي استخدمت نفوذ لوتشيانو لتسهيل الطريق أمام القوات الأمريكية المتقدمة ـ بخرائط وجداول المد والجزر ومواقع وأرصفة الموانئ والمعلومات الاستخبارية والطبوغرافية ذات الصلة بذلك
و خلال صفقة المقايضة التي جرت بين الطرفين تتحصَّل عصابات المافيا في المقابل على اختلاف أسرها على الآتي:

1ـ تحصل عصابات المافيا مقدماً على 25 مليون دولار
2ـ تكون للمافيا (حقوق حماية) بعد تحرير إيطاليا، لا تقتصر على مجرد التغاضي عن نشاط هذه العصابات في أميركا وحدها، وإنما تضمن فوق ذلك وزيادة عليه مشاركة فاعلة في النشاط الإيطالي.
3ـ تتشاور الجهات الأميركية المعنية مع زعماء عائلات المافيا في ترتيب "علاقة عمل" مع أجهزة الأمن الأميركية، تكفل كذلك تغطية نشاط عصاباتها في الولايات المتحدة ذاتها، بما في ذلك أن يكف مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI عن الوقيعة بين عائلاتها وتحريض بعضها على بعض.
وطبقاً للدكتور ألفرد. و. ماكوي ، خبير تجارة المخدرات ، فقد سمح للوتشيانو بإدارة شبكته من زنزانته جزاء مساعداته.

ـ وبعد الحرب تمت مكافأة لوتشيانو بترحيله إلى إيطاليا عام و تحديدا إلى صقلية 1946 حيث عاد هناك لاستئناف نشاطاته و بتوسع اكبر .
و لكن يبدو ان لوتشيانو كان قد رجع الى ايطاليا بأجندة عمل امريكية حيث تحدثت كثير من المصادر الرئيسية خلال تلك الفترة عن علاقات جديدة بين وكالة الاستخبارات الأمريكية و المافيا الكورسيكية ذات التاريخ العريق في عالم المخدرات .

برلسكوني رجل الاعمال :

ـ أنشأ برلسكوني أول قناة خاصة في إيطاليا في بلاده ، كما قام بعد ذلك بانشاء إمبراطورية إعلامية تضم أكبر ثلاث شبكات تلفزيونية في ايطاليا..
كما رأس نادي إيه سي ميلان الرياضي لكرة القدم في سنة 1980، ليشتري النادي بعد ذلك في عام 1986 >

برلسكوني و السياسة :

قرر برلسكوني دخول السياسة سنة 1994 و أنشأ حزب Forza Italia الذي فاز معه في الإنتخابات التشريعية وتولى منصب رئيس الوزراء. اضطر لإستقالة من منصبه بعد بضعة أشهر بعد انتقل حليفه Lega Nord إلى المعارضة.

ـ عاد برلسكوني إلى منصب رئيس وزراء إيطاليا عام 2001 بعد فوزه بالإنتخابات .
في 22 أبريل 2005 طلب منه رئيس إيطاليا تشكيل حكومة جديدة. و التي قدمها برلسكوني في 23 أبريل .

ـ و في 13 أبريل 2008 أجريت الانتخابات العامة في إيطاليا وشارك فيها 158 حزباً
وكانت نتيجة الانتخابات فوز حزب برلسكوني بنسبة 47 بالمائة من مقاعد مجلس الشيوخ وبنسبة 46 بالمائة من مقاعد مجلس النواب وهكذا انتصر بيرلسكوني في الانتخابات العامة وحصل علي رئاسة الحكومة الإيطالية للمرة الثالثة.

ألمانيا :

ـ و بالنسبة لألمانيا فليست هناك حاجة لتخصيص جزءٍ من هذا المقال للكلام عن تبعيتها السياسية للولايات المتحدة الامريكية ، لأن هذه الحقيقة قد تقرَّرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عندما استسلمت ألمانيا للحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ـ دون قيدٍ أو شرط ـ لتكون منذ ذلك اليوم تابعةً للسياسات الامريكية إمَّا علناً أومن وراء حجاب .

 

محمد آل مبارك
  • مقالات
  • تحقيقات ومؤلفات
  • فرق ومذاهب
  • تراجم
  • أدبيات
  • الصفحة الرئيسية