قال الإمام ابن مندة في كتابه الإيمان(1 / 331 ) بعد ذكر مذاهب الطوائف في
الإيمان : ( و قال أهل الجماعة : الإيمان هي الطاعات كلها بالقلب و اللسان و
سائر الجوارح غير أن له أصلاً و فرعاً .
فأصله
المعرفة بالله و التصديق له و به بما جاء من عنده بالقلب و اللسان مع الخضوع
له و الحب له و الخوف منه و التعظيم له ، مع ترك التكبر و الاستنكاف و
المعاندة فإذا أتى بـهذا الأصل فقد
دخل في الإيمان ولزمه اسمه وأحكامه ،
ولا يكون مستكملاً له حتى يأتي بفرعه
، وفرعه المفترض عليه أو[ كذا ، ولعل الصواب : أداء ] الفرائض واجتناب
المحارم).
والجواب عليه من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول :
أن هذا النقل لو أفاد الاقتصار على هذا " الأصل " المكون من : قول السان
وتصديق القلب ، وعمل القلب ، في حصول النجاة ، لكان قولا خاطئا ، مسبوقا
بالإجماع الذي نقله الشافعي رحمه الله .
الوجه الثاني :
أنه لا منافاة بين كلامه رحمه الله ، وبين ما سبق تقريره .
فقوله : ( فإذا أتى بـهذا الأصل فقد دخل في الإيمان ولزمه اسمه وأحكامه ).
صحيح ، بل نحن نقول : من آتي بمجرد القول : فقد دخل في الإيمان ، ولزمه اسمه
وأحكامه ، فكل خطاب موجه باسم المؤمنين فهو داخل فيه .
أما قوله ( ولا يكون مستكملاً له حتى يأتي بفرعه ، وفرعه المفترض عليه)
فهذا حق أيضا ، فلن يستكمل الإيمان إلا بأداء الفرائض واجتناب المحارم .
لكن هل في كلام ابن مندة أنه لو اكتفى
( بالأصل ) المذكور أنه يظل مؤمنا مسلما ؟! وأنه ينجو بذلك يوم القيامة ؟
هذا ما لا ذكر له في كلامه رحمه الله
.
فإن قيل : يفهم ذلك من تعبيره بالأصل وبالفرع ، ومن قوله مستكملا له .
قلنا : إطلاق ( الفرع ) على عمل الجوارح لا إشكال فيه ، وقد أطلقه شيخ
الإسلام مع قوله إنه لازم لإيمان القلب ، وأن زواله يعني أن ليس في القلب
إيمان . انظر : 7/ 186 ، 187 ، 198 ، 202 ، 263 ، وغير ذلك من المواضع
السابقة.
وقد يقول العالم : الإيمان أصله التصديق والإقرار ، وفرعه العمل . ثم تجده
يقول بعدها : والإسلام أصله العمل وكماله ما في القلب !!!! كما فعل شيخ
الإسلام ويأتي لفظه .
وأما التعبير بالكمال ، فهو حق كما سبق ، فلا يستكمل الإيمان إلا بالإتيان
بجميع ما أمر وترك ما نهي عنه .
وتأمل قول شيخ الإسلام عن الإيمان ( وأصله القلب وكماله العمل الظاهر ) 7/637
فقد استشهد بها من يرى نجاة تارك العمل ، محتجا بلفظ بالكمال !
لكن قال شيخ الإسلام عقبها مباشرة : ( بخلاف الإسلام فإن أصله الظاهر وكماله
القلب ) .
فهل يصح أن يفهم أحد من لفظ الكمال هنا أنه لو خلا القلب من الإيمان فهو مسلم
؟!
وقد يقول العالم : ولا يكمل الإيمان إلا بالقول والتصديق والعمل .
أو : من استكمل ذلك كان مؤمنا .... مع قوله : إنه لو ترك العمل لم ينفعه
القول والتصديق . كما سبق في كلام الآجري رحمه الله .
وسيأتي مزيد إيضاح لمعنى الكمال ، عند الكلام على كلام المروزي رحمه الله.
والحاصل أن ابن مندة رحمه الله لم
يتعرض لحكم تارك عمل الجوارح في الدنيا ، ولا لنجاته في الآخرة .
الوجه الثالث :
أن ابن مندة رحمه الله يقول بكفر تارك الصلاة ، فكيف يفهم من وصفه لأعمال
الجوارح بأنها فرع : أنه لا يكفر تاركها بالكلية ؟
وكيف ينسب إليه القول بنجاة تارك أعمال الجوارح ؟!
[ إن من يقول بكفر تارك الصلاة ، فهو قائل – ولابد – بكفر تارك جميع أعمال
الجوارح ، فلا يجهدن أحد نفسه في الاستدلال بكلامه في مسألتنا هذه ].
قال رحمه الله : في الإيمان 2/382
( ذكر ما يدل على أن مانع الزكاة
وتارك الصلاة يستحق اسم الكفر ).
وقال في الإيمان 2/362
( وترك الصلاة كفر
، وكذلك جحود الصوم والزكاة والحج ).
فهذا " كفر أكبر " كما ترى .
والله أعلم.