اطبع هذه الصفحة


أعلام وأقزام .. محمد حسنين هيكل (8)

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم

السـابــق

عندما نتطرق لأزمة الثقافة العربية المعاصرة لا نقصد التجريح أو التشهير، بل المقصود عرض لمسيرة النخبة المثقفة التي تضخمت في الإعلام العربي (مصر نموذجا)، وأخذت حيزا وزخما كبيرا، فرصد واقع هذه النخبة يشير إلى أن وراء الأكمة شيئا ماكرا يدبر لهذه الأمة، سواء كان هذا التدبير داخليا أو خارجيا، إلا أن المحصلة أن أكثرية هذه النخبة المثقفة لم تكن على المستوى المطلوب الذي يرضاه الدين والعقل والعرف، وأنها أقحمت المجتمع العربي في أمور منافية لعقيدتنا الصافية وأعرافنا الراقية وتقاليدنا السامية، بل وصدرت لنا من غثاء الغرب الفكري والسلوكي الكثير والكثير، في الوقت الذي كنا في أشد الحاجة لنتعرف على مقومات النهضة العالمية، والاستفادة من خبرات الشعوب المتقدمة في مسيرتها التنموية، في إطار ثوابتنا الدينية الإسلامية الغالية.

ولتعرفنّهم بنائحيهم!

من الألقاب التي وصفوا بها هيكل: «الكاتب الكبير» .. «معجزة عصره» .. «عراب ثورة 23 يوليو» .. «ظل عبد الناصر» .. «كاتب السلطة» .. «صديق الحكام» .. «صانع الرؤساء» .. «كاتم الأسرار الرئاسية» وكأن الرجل شارك في صنع مصر الدولة التي تفوق الأمم، وما جنت الأمة من ثمرة إفك أمثاله إلا التخلف والرجعية والتقهقر والهزيمة.
لقد عاش هيكل وبنا أمجاده في ظل طاغية مهزوم، يصر على أنه صانع انتصارات إستراتيجية ليس لها وجود البتة .. بل لقد عاش هيكل طوال عمره كاتبا للحكام مبتعدا عن انتقادهم أو الوقوف في صف الشعب، حتى جاءت ثورة يناير والتي قرر فيها أن يختفي، ليظهر بقوة بعد ذلك مناصرا للسيسي في انقلابه العسكري.
وصدق الأستاذ محمد جلال كشك عندما قال مخاطبا محمد حسنين هيكل: "إن كنتم قد هزمتم جيلنا بالمدفع والدبابة، فقد هزمناكم بالكلمة، وغدا يأتي جيل يبصق على قبوركم وصحافتكم ودبابات أتت بكم وأضاعت الوطن".
وكان من نائحي الكاتب الناصري الراحل محمد حسنين هيكل الأفاقين من أرباب الثورة المضادة على الرئيس الشرعي (محمد مرسي) والإيرانيين وميليشيا حزب الله والإسرائيليين، كما نعت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وعلى رأسها البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وقالت الكنيسة، في بيان: "إن الكاتب الراحل يعتبر واحدا من الرواد المؤسسين لتقاليد المهنة في الصحافة المصرية الحديثة، وكاتبا متفرد الموهبة، خرج بقلمه المتميز وإمكاناته الصحفية الاستثنائية من المحلية إلى أرفع دوائر الصحافة العالمية". وأضافت الكنيسة: "نصلى إلى الله أن يهب تعزياته لأسرته ولكل محبيه".
ومن الشراذم الذين نعوه وشيعوه: فاروق حسنى وزير الثقافة للمخلوع مبارك، والروائي بهاء طاهر، ونبيل العربي رئيس الجامعة العربية وعمرو موسى والإعلامي محمود سعد ومصطفي حجازي وممدوح عباس ولميس الحديدي وحمدين صباحي وعبد الله السناوي والممثلة نبيلة عبيد، وجابر عصفور الذي قال أنه "بموت محمد حسنين هيكل فقدت مصر هرما من أهراماتها!!، وإذا كنا نتحدث عن قدر نجيب محفوظ في الأدب فلابد من أن نتحدث عن هيكل في عالم الصحافة!!".
ووصفت حكومة الانقلاب المصرية حسنين هيكل بأنه كان "عَلَما صحفيا قديرا، أثرى الصحافة المصرية والعربية بكتاباته وتحليلاته السياسية، التي تناولت فترات ممتدة من تاريخ مصر والأمة العربية".
ونعته نقابة الصحفيين قائلة في بيان أنه: "أعطى للإنسانية وللأمة العربية ولمصر جهده وفكره وصلابة موقفه وريادته الفذة في مهنة الصحافة وفي الكتابة الصحفية".
وتصدر خبر وفاة هيكل العناوين الرئيسية للصحف والمواقع الإسرائيلية، ففي صحيفة «يسرائيل هيوم» الإسرائيلية، المقربة من الحكومة، ركزت الصحيفة على العلاقة الوطيدة بين الرئيس جمال والصحفي هيكل، كما ركزت الصحيفة أيضاً على سيرته الذاتية كصحفي مرموق، موضحة أنه من أهم الصحفيين الذين برزوا في فترة الخمسينيات بعد ثورة 1952.
ووصفت الإذاعة العامة الإسرائيلية هيكل بـ «الصحفي القدير»، وركزت على النعي الذي صدر من رئاسة الجمهورية واهتمام عبد الفتاح السيسي بخبر وفاته.
يقول الأستاذ موفق زيدان: "لقد روّج للخميني منذ اليوم الأول عبر كتابه «مدافع آيات الله» الصادر عام 1982 ورعى الاستبداد بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وأول استبداده كان بمن يعوله يوم حوّل صحيفة الأهرام المصرية إلى برافدا ناصرية، وقضى بشكل كامل على روح الصحافة المصرية التي انتعشت بوجود شوامّ المهنة أيام الملكية الفاروقية".
ويقول محمد إلهامي: "إن الأمر ثقيل كبير، وواسع ممتد، فلم يكن هيكل مجرد فيلسوف منافق، ولا صحفي أفاق، ولا كاهن في معبد الاستبداد، ولا هو مجرد خائن لأمته ومُضِلٍّ لقرائه.. هيكل هو كل هذا معا، هيكل هو أشهر وأكبر مزور للتاريخ في القرن العشرين، هيكل لم يكن كاتبا للتاريخ فحسب بل صانعا له، ولقد مات هيكل ولم ينكشف كل سره، ولا ينكشف سر هيكل إلا بسقوط دولة العسكر كلها، حينئذ تظهر الروايات الخفية التي يمنع انتشارها قوة السلطة أو الخوف منها، فهيكل عمود من أعمدة الدولة العسكرية البغيضة التي ابتليت بها مصر منذ انقلاب 1952، وهو العهد الذي ذاقت فيه مصر أظلم عصورها على الإطلاق، فلا يقاس بحقبة العسكر شيء: لا حقبة الاحتلال الإنجليزي، ولا حقبة محمد علي، ولا حقبة العثمانيين، ولا حقبة المماليك، كل هذه الأحقاب هي جنة وارفة إذا قورنت بحقبة العسكر، ولكن ليس يعلم هذه الحقيقة من يجهل التاريخ، فالتاريخ هو مصباح الضوء الوحيد الذي يكشف حقيقة الحاضر في ميزان الماضي".
ونختم بأبيات قيلت حين وفاة أبي العباس الفضل بن مروان:

لتبكِ على الفضل بن مروان نفسُه ... فليس له باكٍ من الناس يُعرفُ
أقام على الدنيا مَنوعًا لخيرها ... وفارقها وهو الظلوم المعنَّفُ
 

من المصادر
- لواء أ. ح حسام سويلم يكشف توقعات «الأستاذ» الخائبة
- ثروة الأستاذ هيكل .. محمود بسيوني
- موفق زيدان عن "هيكل": ولتعرفنّهم بنائحيهم!
- مات هيكل.. نكبة الأمة العربية .. محمد إلهامي
- رسالة إلى محمد حسنين هيكل .. رياض ولد احمد الهادي


د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com


 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية