اطبع هذه الصفحة


إذا أحب الله عبدا

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم


عن قتادة بن النعمان -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-:
( إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء ) (1)

الحمد لله الذي عرف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها، وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها حتى نظروا في شواهدها وآياتها، ووزنوا بحسناتها سيئاتها فعلموا أنه يزيد منكرها على معروفها، ولا يفي مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها (2)
قال جل شأنه: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }[الحديد:20] أي تغر المؤمن وتخدعه فيظن طول البقاء وهي فانية، وقال قتادة: هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع، والغرور [بفتح الغين] الشيطان، يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة، قال ابن عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول، والشيطان غرور لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء (3)
والله جل شأنه إذا فتح الدنيا وزينتها على العصاة فإنما هو استدراج، قال تعالى: { فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } [التوبة:55] { وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } [التوبة:85]
قال المناوي: ( إذا أحب الله عبداً حماه ) أي حفظه من متاع ( الدنيا ) أي حال بينه وبين نعيمها وشهواتها ووقاه أن يتلوث بزهرتها لئلا يمرض قلبه بها وبمحبتها وممارستها ويألفها ويكره الآخرة ( كما يحمي ) أي يمنع ( أحدكم سقيمه الماء ) أي شربه إذا كان يضره، وللماء حالة مشهورة في الحماية عند الأطباء، فهو جلّ اسمه يذود من أحبه عن الدنيا حتى لا يتدنس بها وبقذارتها ولا يشرق بغصصها، كيف وهي للكبار مؤذية وللعارفين شاغلة وللمريدين حائلة ولعامة المؤمنين قاطعة، والله تعالى لأوليائه ناصر، ولهم منها حافظ وإن أرادوها (4)
وقال ابن الجوزي: تفكرت في قول شيبان الراعي لسفيان: يا سفيان عد منع الله إياك عطاء منه لك، فإنه لم يمنعك بخلا، إنما منعك لطفا. فرأيته كلام من قد عرف الحقائق، فإن الإنسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر، وعجزه أصلح له، لأنه لو قدر عليهن تشتت قلبه، إما بحفظهن أو بالكسب عليهن، فإن قوى عشقه لهن ضاع عمره وانقلب هم الآخرة إلى اهتمام بهن، فإن لم يردنه فذاك الهلاك الأكبر، وإن طلبن نفقة لم يطقها كان سبب ذهاب مروءته وهلاك عرضه، وإن أردن الوطء وهو عاجز فربما أهلكته أو فجرن، وإن مات معشوقه هلك هو أسفا، فالذي يطلب الفائق يطلب سكينا لذبحه وما يعلم، وكذلك إنفاذ قدر القوت فإنه نعمة، وفي الصحيحين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ) (5) ومتى كثر تشتت الهمم، فالعاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم، فقنع بدفع الوقت على كل حال (6)
ولذلك حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته من التكالب على الدنيا، والسنة النبوية متكاثرة بالأحاديث الصحيحة التي تدور حول هذا المعنى الجليل، فعن عمرو بن عوف الأنصاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما انصرف تعرضوا له فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين رآهم ثم قال: ( أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء؟ ) قالوا: أجل يا رسول الله. قال: ( فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم ) (7)
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصا ولا يزدادون من الله إلا بعدا ) (8)، وعن أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: ( إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ) فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ [أي أتصير النعمة عقوبة] فَسَكَتَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقِيلَ لَهُ مَا شَأْنُكَ، تُكَلِّمُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَلا يُكَلِّمُكَ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ [أي العرق] فَقَالَ: ( أَيْنَ السَّائِلُ ) وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ فَقَالَ: ( إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ [أي الجدول ] يَقْتُلُ [وفي رواية يقتل حبطا والحبط انتفاخ البطن من كثرة الأكل] أَوْ يُلِمُّ [أي يقرب من الهلاك]، إِلا آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ [أي أخرجت] وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ [أي أنها إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت تحيلت في دفعه بأن تجتر فيزداد نعومة ثم تستقبل الشمس فتحمى بها فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ والتخمة فسلمت وهذا بخلاف من لم تتمكن من ذلك]، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ، وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (9)
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( حلوة الدنيا مرة الآخرة ومرة الدنيا حلوة الآخرة ) (10) يعني لا تجتمع الرغبة فيها والرغبة في اللّه والآخرة بها، ولا يسكن هاتان الرغبتان في محل واحد إلا طردت إحداهما الأخرى واستبدت بالمسكن، فإن النفس واحدة والقلب واحد، فإذا اشتغلت بشيء انقطع عن ضده، ولهذا قال روح اللّه عيسى لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد (11) وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ) (12)

الهوامش
(1) رواه الترمذي ــ كتاب الطب / حديث رقم 2036ج4ص 381 وقال حسن غريب، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي رقم 1659
(2) إحياء علوم الدين – الإمام الغزالي ج3 – أول كتاب ذم الدنيا ص 201 (3) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ج 2 تفسير سورة آل عمران (4) فيض القدير – المناوي 2/415 (5) رواه البخاري في الرقاق 11/646 فتح، ومسلم أيضا (6) صيد الخاطر – ابن الجوزي ص 334 (7) رواه البخار ي ــ كتاب المغازي رقم 3712 (8) رواه الحاكم عن ابن مسعود (حسن) 1146 صحيح الجامع (9) رواه البخاري ــ كتاب الزكاة رقم 1372 (10) رواه أحمد عن أبي مالك الأشعري (صحيح) 3155 في صحيح الجامع (11) فيض القدير المناوي 1/542 (12) رواه الترمذي عن سهل بن سعد (صحيح) 5292 صحيح الجامع.‌

د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com


 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية