اطبع هذه الصفحة


مقتطفات من روائع الكتابات السياسية (14)

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم


يملك العديد من مفكرينا السياسيين رؤية جيدة لواقع الحال الذي يمر بأمتنا، هذه الرؤية من الرصانة والعمق ما يجعلها إضاءات نحن في أمس الحاجة لها في ظل هذه الأحداث الهادرة التي تموج بالأوطان الإسلامية خاصة والعالمية عامة، لذلك رأيت أن أقتطف طرفا من هذه الرؤى، وأجمعها في نظم نضيد، لتكون عونا للمسترشد، ونبراسا للمقتدي، لكن لا يفوتني أن أذكر أنها اجتهادات بشرية ربما يعتريها بعض المآخذ، وهذا ما لا ينكره البصير، فأسأل الله أن يعم النفع بها، ويجنبنا الزلل، إنه نعم المولى ونعم النصير.

إن تعثر الثورات له أسباب كثيرة ولا يمكن حصر هذه الأسباب في انخفاض وعي الشعوب. ومن أهم هذه الأسباب تكالب خصومها من الداخل والخارج ضدها، والإرث الأسود الثقيل الذي تركته الحكومات السابقة ومؤسساتها العميقة، وأخطاء القوى السياسية التقليدية التي تصدرت المشهد بعد نجاح الشعوب في إسقاط رؤوس الأنظمة القديمة، وغير ذلك. [عبد الفتاح ماضي عن مقاله: مغالطة الشعب الذي فقد كرامته]

ومن الخطأ تصور أن نظم الاستبداد ستعمل على زرع ثقافة الحريات والحقوق، فهذه النظم لا تستمر إلا مع تغييب الوعي والهيمنة على كل وسائل تشكيل الرأي العام من مؤسسات وأحزاب ونقابات وجامعات وإعلام. وهذه النظم هي المسؤولة عن الفقر والجهل نظرا لفشلها في معظم سياساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وإفسادها للإنسان ومستقبله. [عبد الفتاح ماضي عن مقاله: مغالطة الشعب الذي فقد كرامته]

حين أطلق محمود فهمي النقراشي باشا -رئيس وزراء مصر الشهير- إبان احتدام الصراع في فلسطين بين القوى الاستعمارية والقوات الصهيونية وبين العرب في أربعينيات القرن الماضي، عبارته: "أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين"؛ حينها كان الرجل يعبر عن مرض لعين يصيب عندنا بعض الساسة والمثقفين والمشايخ وجانبا من جماهيرنا في اللحظات التاريخية العصيبة، ومع التحولات السياسية الكبيرة التي تمر بنا ونمر بها؛ يفقدون معه الوعي والحس والشعور، وينخلعون به من انتمائهم التاريخي والجغرافي، وأخشى أن أقول الديني والإنساني كذلك! [نبيل الفولي عن مقاله: الأقصى وواقعية الواقعيين]

في عامي العاشر، حصلت على جائزة أفضل تعبير في مسابقة بالمدرسة. سرّني كثيراً أني حصلت على آنية كبيرة من الفخار: مزهرية زرقاء جميلة ظلت معي طوال سنوات الطفولة، كنت أنفرد إليها من حين لآخر كي تذكرني بنجابتي. كان موضوع المسابقة هو عيد العرش، الثالث من مارس، اليوم الذي جلس فيه الملك الحسن الثاني على "عرش أسلافه المنعمين"، كما كان يقول المذيع القديم في التلفزيون. كنت أحضر مع الفقهاء قراءة الحزب بعد صلاة المغرب، وغالباً ما أسمع تلك الآيات التي تتحدث عن عرش الله، وأسأل نفسي عن عرش الملك: كيف استطاع الملوك أن يصنعوا عروشاً على الأرض تشبه عرش الإله في السماء؟ ومع مرور السنوات اكتشفت أنهم آلهة، لكن من نوع آخر. الدستور المغربي السابق كان يصف الملك بأنه مقدَّس. [عبد الرحيم الخصار عن مقاله: أعطوني أسرع حصان، لقد قلت الحقيقة للملك]

في عامي الخامس عشر، كتبت قصيدة على البحر البسيط تسخر من الوزراء والولاة الذين يركعون للملك كل عام حين يبايعونه، وهو راكب على حصانه وفوق رأسه مظلة كبيرة يرفعها خادم "أسود". لم تكن هذه الصورة تشبه صور أبطالي في الرسوم المتحركة ولا في الأفلام العربية القديمة التي بدأتُ في تلك الفترة أشاهدها بحب ربما لن يتكرر. .. لم يكن أحد من أبطالي يجبر الناس على الوقوف في الشمس بجلابيب بيضاء والركوع لحصان. ولأن الخوف هو السحابة التي تملأ سماواتنا، فقد كتبت القصيدة بلغة سرية، حيث كنت أكتب الجملة من اليسار نحو اليمين، وأضع للحرف ذي النقطة الواحدة اثنتين وللحرف ذي النقطتين واحدة. أطلعت أحد أصدقائي عليها فخاف وأخافني. دسست تلك القصيدة في مكان سرّي في البيت، ومزقتها لاحقاً. سأفهم، وأنا أتقدم من طفولتي نحو الشباب، أنه يصعب في مغربنا أن تقول الحقيقة، أن تتنفس رأيك في هواء عليل دون أن تكتم يدٌ سوداءُ أنفاسَك. ربما لهذا السبب قال الأرجنتيني ماركو دينيبي في قصته القصيرة جداً: "أعطوني أسرع حصان، لقد قلتُ الحقيقة للملك". [عبد الرحيم الخصار عن مقاله: أعطوني أسرع حصان، لقد قلت الحقيقة للملك]

التخويف بالإرهاب والتشدد الإسلامي، وبالخطر الإيراني، وبالحرب الأهلية وتشظي الأوطان قبَلياً أو طائفياً أو إثنياً، في حالة انهيار الأنظمة الحاكمة العربية، كان يُستهلَك مع مرور الزمن، مما يدفع الحكومات إلى إجراء عمليات تحفيز وتنشيط اصطناعي لهذه المخاوف بين الحين والآخر، وذلك بتدبير أحداث جديدة ذات طابع طائفي أو إرهابي باسم منظمات مسلحة، بل وتأسيس هذه المنظمات (على سبيل المثال، تصنيع عمليات ذات طابع طائفي أو إرهابي لتأكيد دوام الحاجة إلى حالة الطوارئ وللتخويف من مستقبل مظلم في حالة رحيل النظام القائم، وهو ما اتهم به وزير داخلية حسني مبارك). [سمير طاهر، عن مقاله: نهاية السياسة العربية]

كانت لدينا مملكتان متنافستان على الخلافة، وهما: المملكة الشرقية بنظامها الاشتراكي متمثلة في الاتحاد السوفيتي والصين والمملكة الغربية متمثلة في أمريكا وفرنسا وبريطانيا، وبعد سقوط المملكة الشرقية انفردت الغربية بالحكم والخلافة؛ فأصبحت واشنطن عاصمة الخلافة، والبيت الأبيض ديوان الخليفة، ومجلس الأمن مسئول عن تنظيم العلاقات العسكرية، وأصبحت العملة المرجعية هي الدولار، وبيت المال العالمي هو صندوق النقد الدولي وسياساته هي المتبعة في توزيع الأموال، ومنظمة العفو الدولية مهمتها حقوق الإنسان، وكذلك اليونيسكو واليونيسف وباقي المنظمات التي تضمن شكل وهيئة الولايات وتشرف على باقي أمورها. [10تساؤلات تدور في ذهن كل حر يحلم بالتغيير..إليك الإجابة عنها، أحمد سمير]

كان توقيع اتفاقيات الهدنة بعد حرب النكبة اعترافاً عربياً ضمنياً بالكيان الصهيوني، ثم طالب مندوبو الدول العربية للمرة الأولى بتنفيذ قرار التقسيم ووقعوا بذلك ميثاقاً مع لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة في سنة 1949. أما سياسة الثورة المصرية فتم التصريح عنها في إجابات بعض قيادات مجلس الثورة على تساؤلات رجال السفارتين البريطانية والأمريكية عن نياتهم تجاه الكيان الصهيوني، فكان الرد دائماً أن الأولوية المطلقة للقضايا الداخلية كالجلاء والاستقلال والتنمية “أما قضية فلسطين فليست على أجندة مجلس قيادة الثورة الآن” وكما يقول الدكتور رءوف عباس المتخصص في تاريخ مصر:لم يكن الدخول في حرب ضد إسرائيل يوماً ما على جدول أعمال عبد الناصر، بل صرح ذات مرة في خطاب علني أنه ليس مستعداً في الدخول في حرب ضد إسرائيل إذا سعت لجرنا إليها. [القضية الفلسطينية في أزهى أزمنة التجزئة، محمد شعبان صوان]
 

د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com

 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية