اطبع هذه الصفحة


رصد الحدقة (1)

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم


أحداث تموج بالعالم، نظريات تسقط وأخرى تولد، وهذا يقيم التاريخ وذاك يفلسف الأحداث، تجد الحكمة أحيانا والتهور أحايين أخرى.. ومن بين هذا الحراك الضخم تبرز تحليلات راقية وأفكار جوهرية آثرت أن أجمعها في عقد فريد، حباته أشبه بمحطات نحتاج أن نقف عندها كثيرا لنستقي منها العبرة ويتولد عندها الهدف .. إنه العالم الغريب الذي أتعب البشر وأتعبوه معهم، فهل من معتبر، وهل من مستفيد. 

* غزوة الحديبية
وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد تعلموا دروس العسكرية وفن إدارة المعارك في بدر وأحد والخندق، فإنهم تلقوا هنا درسا في السياسة والإعلام، والسياسة هي النظر السديد، ومعرفة الواقع، وطبائع الناس، واستشفاف المستقبل، والتي تقوم على القرار المناسب في الوقت المناسب، وعلى تحمل المكاره الآنية في سبيل ما يتوقع من المكاسب الآجلة، والتي تقوم على مواقف مستنبطة من الشرع وضمن ضوابطه، ومبنية على علم وتجربة، وليست السياسة التي يقرنها الناس بالكذب والدجل، والتصريحات الطنانة أو المتناقضة المبنية على الجهل والغوغائية والهذر والفوضى، يقول الإمام الطرطوشي:
«ونحن وإن كنا نرغب عن الدهاء والمكر فإنا نرغب في الحيلة ونوصي بها، والاتساع في الحيلة مما تواصى به العقلاء قديما وحديثا، وأضعف الحيلة أنفع من كثير الشدة»
السياسة الحقيقية هي التي تبتعد عن البطولات الفارغة التي لا تعمل شيئا بحجة أنه مستحيل.
وهكذا نرى الزعماء الذين لا ضمير لهم يعرفون كيف تكون المزايدة السياسية لإغراء العامة، كما تبتعد السياسة عن مرض «السهولة» الذي وقع فيه المسلمون في معالجة قضية كبيرة مثل قضية فلسطين، فبدلا من أن يأخذوا للأمر أهبته، ويعلموا خطورة اليهود، ومن وراء اليهود، راحوا وبسذاجة سياسية يطلقون الشعارات التي توحي أن الأمر سهل فهؤلاء اليهود سنلقيهم في البحر !! وهذه دويلة لا قيمة لها.. وهؤلاء أصحاب النوايا الحسنة، أما المتآمرون فهم كثر.

وقفات تربوية في فقه السيرة
د. محمد العبدة، دار الصفوة، القاهرة ص 157-158


* النقد الذاتي
في غزوة أحد خاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين بخلجات نفوسهم، وصارحهم بما كان فيها من نوازع القوة والضعف، والإقدام والأحجام، فهي صورة إنسانية مؤمنة، قال تعالى: {إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ}[آل عمران:122]، وقال تعالى: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ}[آل عمران:152]، {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ}[آل عمران:153].
فهل يمارس المسلمون بين كل فينة وأخرى هذا النقد لأنفسهم، ولماذا لم يتم النصر، ولماذا ينتقض البناء، ولماذا هذا الضعف، والبعد عن التمكين، وعن القيادة.. لابد من هذه الأسئلة، والبحث عن جواب لها، ولابد من المصارحة وعدم الغمغمة، ومحاولة تسويغ وتعليق الأخطاء على الغير.
إن في المسلمين اليوم أمراضا كثيرة، ولو أنهم صارحوا أنفسهم وما هي هذه الأمراض فلربما تحسنت أحوالهم قليلا، وإن من أعظم هذه الأمراض الأثرة الفردية، والحزبية، وكثرة التفرق، فلم لا يصيبهم ما أصاب غيرهم، ولم لا يحصون ذنوبهم وأخطاءهم، ولا ينتظرون أن يأتيهم التمكين على طبق من فضة.


وقفات تربوية في فقه السيرة
د. محمد العبدة، دار الصفوة، القاهرة ص
130  

* استثمار النصر
قام في العصر الحديث جهاد إسلامي، وجهود لتحرير الأوطان من تسلط الغربيين، وقامت حركات إسلامية وقدمت تضحيات غالية لاستئناف الحياة الإسلامية، ولكن أهل الباطل سرقوا هذه الجهود، واستغلوها لصالحهم، بل أتقنوا هذه الصنعة، فما إن تقترب الثمرة من المسلمين حتى يتقدم لها الانتهازيون العلمانيون، لتبدأ المفاوضات مع العدو، وتبدأ التنازلات وتتم الاتفاقيات المخزية، ويقع المسلمون تحت الأمر الواقع، وستكون المقاومة في مثل هذه الظروف أصعب لأن المسلمين سيقاتلون أناسا من بني جلدتم.

هكذا وقع الأمر وجرت الأحداث في الجزائر والمغرب وفلسطين ومصر، وغيرها من الأقطار، ولم يستطع المسلمون استثمار جهودهم لصالح التمكين في الأرض، وإعلاء كلمة الله، فهل يبقى المسلمون كمن يمسك بقرني البقرة وغيرهم يحلبها؟!


 
  وقفات تربوية في فقه السيرة
د. محمد العبدة، دار الصفوة، القاهرة ص 111


* الحركة الإسلامية
«
إن مثل الحركة الإسلامية كمثل الماء المتدفق، إذا واجه صخرة في طريقه لا يضيع جهده في تحطيمها، بل ينعطف يميناً ويساراً حتى يترك الصخرة وراءه تعض أناملها من الغيظ»
أبو الأعلى
المودودي


* ضوابط الجهاد
يقول ابن تيمية:
«وَدِينُ الْإِسْلَامِ: أَنْ يَكُونَ السَّيْفُ تَابِعًا لِلْكِتَابِ. فَإِذَا ظَهَرَ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَانَ السَّيْفُ تَابِعًا لِذَلِكَ كَانَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ قَائِمًا.. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ فِيهِ تَقْصِيرٌ وَكَانَ السَّيْفُ تَارَةً يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَتَارَةً يُخَالِفُهُ: كَانَ دِينُ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ بِحَسَبِ ذَلِكَ»

ويقول أيضا: «وَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي أُمُورِ الْجِهَادِ رأي أَهْلِ الدِّينِ الصَّحِيحِ الَّذِينَ لَهُمْ خِبْرَةٌ بِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الدُّنْيَا دُونَ الدِّينِ الَّذِينَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ النَّظَرُ فِي ظَاهِرِ الدِّينِ فَلَا يُؤْخَذُ بِرَأْيِهِمْ وَلَا برأي أَهْلُ الدِّينِ الَّذِينَ لَا خِبْرَةَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا
»

فانظر إلى هذا الكلام السديد، وقارن بما وقع في هذا العصر من حركات جهادية لم يستشر فيها أهل الدين والخبرة فكانت نتائجها مؤسفة، فلا الدين نصروا ولا استعدوا الاستعداد الشرعي، ووفروا الدماء والأموال، وأمر الجهاد أمر عظيم لابد له من شروط، ومعرفة الواقع، ومعرفة ظروف الزمان والمكان، وتمايز الصفوف حتى يعرف الحق من الباطل، وينحاز أهل الحق لقياداتهم، وقد منع الله سبحانه وتعالى المسلمين في السنة السادسة من الهجرة من دخول مكة حتى لا يقع قتال فيقتل المسلم الذي يعيش بين ظهراني المشركين دون علم من المهاجمين {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [الفتح:25]

والجهاد من جنس «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ولابد أن تكون المصالح المترتبة على قيامه أكثر من المفاسد، والجهاد كما هو مشتق لغويا من بذل الجهد واستفراغ الوسع لإعلاء كلمة الله وليس للقتل والقتال بلا نتائج لمصلحة الدين... والقوة إذا انطلقت دون ضوابط فمن الصعب تلافي آثارها السيئة وربما رجعت النفس إلى الهمجية والقوة المحضة، والتربية العالية هي التي تسمح بالاستمرار في الجهاد بعد الاندفاع الأول.


 
  وقفات تربوية في فقه السيرة
د. محمد العبدة، دار الصفوة، القاهرة ص 100-101-103

 

جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com

 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية