اطبع هذه الصفحة


الاستثمار الأمثل

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم 


التجارة مع الله رابحة ربح لا يعرف مقداره ومذاقه إلا كبار العباد، وصفوة الطائعين .. سبحانه، يشكر اليسير من العمل ويمحو الكثير من الزلل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة 261-262]

"إن الدستور لا يبدأ بالفرض والتكليف .. إنه يستجيش المشاعر والانفعالات الحية في الكيان الإنساني كله .. إنه يعرض صورة من صور الحياة النابضة النامية المعطية الواهبة، صورة الزرع هبة الأرض أو هبة الله، الزرع الذي يعطي أضعاف ما يأخذه، ويهب غلاته مضاعفة بالقياس إلى بذوره، يعرض هذه الصورة الموحية مثلا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله.

{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} إن المعنى الذهني للتعبير ينتهي إلى عملية حسابية تضاعف الحبة الواحدة إلى سبعمائة حبة! أما المشهد الحي الذي يعرضه التعبير فهو أوسع من هذا وأجمل، وأكثر استجاشة للمشاعر، وتأثيرا في الضمائر .. إنه مشهد الحياة النامية، مشهد الطبيعة الحية، مشهد الزراعة الواهبة، ثم مشهد الحياة العجيبة في عالم النبات: العود الذي يحمل سبع سنابل، والسنبلة التي تحوي مائة حبة!

وفي موكب الحياة النامية الواهبة يتجه بالضمير البشري إلى البذل والعطاء. إنه لا يعطي بل يأخذ، وإنه لا ينقص بل يزداد .. وتمضي موجة العطاء والنماء في طريقها. تضاعف المشاعر التي استجاشها مشهد الزرع والحصيلة .. إن الله يضاعف لمن يشاء. يضاعف بلا عدة ولا حساب. يضاعف من رزقه الذي لا يعلم حدوده، ومن رحمته التي لا يعرف أحد مداها {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} واسع ..لا يضيق عطاؤه ولا يكف ولا ينضب. عليم .. يعلم بالنوايا ويثبت عليها، ولا تخفى عليه خافية" [في ظلال القرآن / سيد قطب ص 306]

عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فَلوه أو فصيله) [الترمذي وابن ماجة]
وفي رواية: (إن الله تعالى يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد) [الترمذي]

قال المناوي: (إن اللّه يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه) كناية عن حسن قبولها لأن الشيء المرضي يتلقى باليمين عادة ذكره القاضي، وقال غيره ذكر اليمين لأنها عرفاً لما عز، والشمال لما هان، واللّه تعالى منزه عن الجارحة (فيربيها لأحدكم) يعني يضعف أجرها أي يزيد في كمية عينها فيكون أثقل في الميزان ( كما يربي أحدكم) تمثيل لزيادة التفهيم (مهره) صغير الخيل، وفي رواية فلوه: وهو المهر، وقيل كل عظيم من ذات حافر، وفي رواية فصيله، وذلك لأن دوام نظر اللّه إليها يكسوها نعت الكمال حتى ينتهي بالتضعيف إلى حال تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين المهر إلى الخيل، وخصه بضرب المثل لأنه يزيد زيادة بينة ولأن الصدقة نتاج عمله ولأنه حينئذ يحتاج للتربية وصاحبه لا يزال يتعهده وإذا أحسن القيام به وأصلحه انتهى إلى حد الكمال وكذا عمل الآدمي لاسيما الصدقة التي يحاذيها الشيطان ويتشبث بها الهوى ويقتفيها الرياء فلا تكاد تخلص إلى اللّه إلا موسومة بنقائص لا يجبرها إلا نظر الرحمن، فإذا تصدق العبد من كسب طيب مستعد للقبول فتح لها باب الرحمة فلا يزال نظر اللّه إليها يكسبها نعت الكمال ويوفيها حصة الثواب حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم من العمل وقوع المناسبة بين اللقمة كما أشار إليه بقوله (حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد) الجبل المعروف قال في الكشاف: "هذا مثل ضرب لكون أصغر صغير يصير بالتربية أكبر كبير". وخص التربية بالصدقة وإن كان غيرها من العبادات يزيد أيضاً بقبوله رمزاً إلى أن الصدقة فرضاً كانت أو نفلاً أحوج إلى تربية اللّه وزيادة الثواب ومشقتها على النفوس بسبب الشح وحب المال [فيض القدير]

وعن أبى هريرة –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب. فأفرغ ماءه في حرة. فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله. فتتبع الماء. فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته. فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان. للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبد الله! لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان. لاسمك. فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالى ثلثا، وأرد فيها ثلثه" [مسلم]
وعن أبي أمامة –رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر) [صحيح الجامع: 3797]

الصنائع جمع صنيعة وهي ما اصطنعته من خير، وهذا تنويه عظيم بفضل المعروف وأهله. قال علي كرم اللّه وجهه: "لا يزهدك في المعروف كفر من كفر فقد يشكره الشاكر أضعاف جحود الكافر"، وقال الماوردي: "فينبغي لمن قدر على ابتداء المعروف أن يعجله حذراً من فوته، ويبادر به خيفة عجزه، ويعتقد أنه من فرص زمانه وغنائم إمكانه، ولا يمهله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بقدرة فاتت فأعقبت ندماً، ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلاً، ولو فطن لنوائب دهره وتحفظ من عواقب فكره لكانت مغارمه مدحورة ومغانمه محبورة"، وقيل: من أضاع الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها (وصدقة السر تطفئ غضب الرب) والسر ما لم يطلع عليه إلا الحق تعالى، وذلك لأن إسراره دليل على إخلاصه لمشاهدة ربه وهي درجة الإحسان وفي القرآن: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] فبنور الإخلاص ورحمة الإحسان أطفأ نار الغضب.

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39] .. قال ابن كثير: يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب.
وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: (قال الله عز وجل: أنفق أنفق عليك) [البخاري ومسلم] أي أعطيك خلفه بل أكثر منه أضعافاً مضاعفة.
وقال -صلى الله عليه وسلم- لبلال –رضي الله عنه-: (أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا) [صحيح الجامع: 1512]
وإنما أمره بذلك لأنه تعالى وعد على الإنفاق خلفاً في الدنيا وثواباً في العقبى، فمن أمسك عن الإنفاق خوف الفقر فكأنه لم يصدق اللّه ورسوله. وقال الطيبي: وما أحسن ذكر العرش في هذا المقام.
وقال الغزالي: قال سفيان: ليس للشيطان سلاح كخوف الفقر، فإذا قبل ذلك منه أخذ بالباطل ومنع من الحق وتكلم بالهوى وظنَّ بربه ظنَّ السوء.
وعن أَبِى هُرَيرَةَ –رضي الله عنه- أَنَّ النَبِي-صلى الله عليه وسلم- قَال: (ما مِنْ يَومٍ يُصْبِح الْعِبادُ فِيهِ إِلا مَلَكَانِ يَنزِلانِ فَيَقولُ أَحَدُهمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعط مُمْسِكًا تَلَفًا) [البخاري ومسلم]
خير أمة أخرجت للناس

قال الأعمش: كنت يوما عند عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- فأتي باثنين وعشرين ألف درهم، فلم يقم من مجلسه حتى فرقها، وكان إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، وكان كثيرا ما يتصدق بالسكر، فقيل له في ذلك فقال: إني أحبه وقد قال الله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92]

كان طلحة بن عبيد الله –رضي الله عنه- يغل بالعراق أربعمائة ألف، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو أكثر، وكان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه وقضى دينه، ولقد كان يرسل إلى عائشة –رضي الله عنها- كل سنة بعشرة آلاف، وقضى عن فلان التيمي ثلاثين ألفا.

السيد السبط، ريحانة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسيد شباب أهل الجنة: الحسن بن على رضي الله عنهما: قيل له: من الجواد ؟ قال: الذي لو كانت له الدنيا له فأنفقها لرأى على نفسه بعد ذلك حقوقا. وكان –رضي الله عنه- يعطي الرجل الواحد مائة ألف، وعن على –رضي الله عنه- أنه خطب فقال: إن الحسن قد جمع مالا، وهو يريد أن يقسمه بينكم، فحضر الناس، فقام الحسن فقال: إنما جمعته للفقراء فقام نصف الناس.

عن أم ذرة قالت: بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين يكون مائة ألف، فدعت بطبق، فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست قالت: هاتي يا جارية فطوري. فقالت أم ذرة: يا أم المؤمنين، أما استطعت أن تشتري لنا لحما بدرهم؟ قالت: لا تعنفيني، لو كنت ذكرتيني لفعلت.

قال حرملة: كان الليث بن سعد يصل الإمام مالك بمائة دينار في السنة، فكتب مالك إليه: علي دين، فبعث إليه بخمسمائة دينار، وسمعت ابن وهب يقول: كتب مالك إلى الليث: إني أريد أن أدخل بنتي على زوجها، فأحب أن تبعث لي بشيء مع عصفر، فبعث إليه بثلاثين حملا عصفرا، فباع منه بخمسمائة دينار، وبقى عنده فضلة.
وجاءت امرأة إلى الليث فقالت: يا أبا الحارث، إن ابنا لي عليل، واشتهى عسلا، فقال يا غلام، أعطها مرطا من عسل [المرط عشرون ومائة رطل]
وقال عبد الله بن صالح: صحبت الليث عشرين سنة، لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس.
وكان رحمة الله تعالى عليه له كل يوم أربعة مجالس، منها مجلس لحوائج الناس، لا يسأله أحد فيرده، كبرت حاجته أو صغرت، وكان يطعم الناس في الشتاء الهرائس بعسل النحل وسمن البقر، وفي الصيف سويق اللوز في السكر.

د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com



 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية