اطبع هذه الصفحة


الجهل .. داء الأمم

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم 


ما شقت أمة بمثل شقائها بجهلها، فالجهل آفة تنخر في كل كيان الأمة، وهو رأس الآفات ومصدر البليات، وشرره وشره يطال الأمة في إيمانها وهويتها وإنتاجها، وضرره على العمل الصالح كبير وعظيم، فقد يأتي عليه بالبطلان والفساد، وقد يتسبب بنقصه وعدم إتمامه على الوجه المطلوب، وقد يتسبب بتركه بالكلية، وقد يجعل صاحبه يرتكب البدع والخرافات معتقداً أنها أعمال صالحات يتقرب بها إلى ربه جل وعلا.
قال المناوي: "ينبغي للعاقل أن ينفي عن نفسه رذائل الجهل بفضائل العلم، وغفلة الإهمال بإسقاط المعاناة، ويرغب في العلم رغبة متحقق لفضائله واثق بمنافعه، ولا يلهيه عن طلبه كثرة مال وجدة، ولا نفوذ أمر وعلو قدر، فإن من نفذ أمره فهو إلى العلم أحوج، ومن علت منزلته فهو بالعلم أحق".
قال الصحابي الجليل أبو ذر -رضي الله عنه-: "العالم والمتعلم شريكان في الخير، وسائر الناس لا خير فيهم، كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ولا تكن الرابع فتهلك"، ويقصد بالرابع الجاهل
وقال الحسن البصري: "لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل، ولا عبادة كالتفكر، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف".
وقال الأوزاعي -رحمه الله-: سأل رجل ابن مسعود -رضي الله عنه- أي العمل أفضل؟ قال: العلم، فكرر عليه ثلاثاً كل ذلك يقول العلم، ثم قال: ويحك إن مع العلم بالله ينفعك قليل العمل وكثيره، ومع الجهل بالله لا ينفعك قليل العمل ولا كثيره.
يقول الإمام ابن القيم –رحمه الله-: "فلو ظهرت صورة العلم للأبصار لزاد حسنها على صورة الشمس والقمر، ولو ظهرت صورة الجهل لكان منظرها أقبح منظر، بل كل خير في العالم فهو من آثار العلم الذي جاءت به الرسل ومسبب عنه، وكذلك كل خير يكون إلى قيام الساعة وبعدها في القيامة، وكل شر وفساد حصل في العالم ويحصل إلى قيام الساعة وبعدها في القيامة، فسببه مخالفة ما جاءت به الرسل في العلم والعمل". [مفتاح دار السعادة:1/116]

الجهل ظلام وخراب

لا أبشع من ظلمة الجهل، لأنها تستحيل صاحبها أعمى وإن كان مبصرا، ومتخبطا وإن كان رزينا، متهورا وإن كان عاقلا .. قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام:122]
والجهل من أمارات خراب الدنيا وقيام الساعة .. قال -صلى الله عليه وسلم-: (إن من ورائكم أياما ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الْهَرْجُ: القتل) [الترمذي]
وفي رواية: (إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرْج. والهرج: القتل). ‌[متفق عليه]
(ينزل فيها الجهل) يعني به الموانع المانعة عن الاشتغال بالعلم (ويرفع فيها العلم) بموت العلماء، فكلما مات عالم يرفع العلم بالنسبة إلى فقد حامله، وينشأ عن ذلك الجهل بما كان ذلك العالم ينفرد به عن بقية العلماء (ويكثر فيها الهرْج) القتل، وأصله لغة الفتنة والاختلاف والاختلاط كما في الصحاح، وكثيراً ما يسمون الشيء باسم ما يؤول إليه.
قال الجوهري: أصل الهرج الكثرة في الشيء، يعني حتى لا ينتهي.
وذكر صاحب المحكم معاني أخر للهرج منها سعة القتل وكثرة القتل والاختلاط والفتنة في آخر الزمان وكثرة النكاح وكثرة الكذب وكثرة النوم وعدم الإتقان للشيء.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إن مِنْ أشراط السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا ([رواه الشيخان عن أنس]
وفي رواية: (إن من أشراط الساعة، أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويشرب الخمر، ويذهب الرجال، وتبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد). [متفق عليه]
ولفظ رواية البخاري (القيم الواحد) ولامه للعهد، إشعاراً بما هو المعهود من كون الرجال قوّامين على النساء، والقيم ما يقوم بأمرهنّ، فكنى به عن اتيانهنَّ له لطلب النكاح حلالا أو حراماً، وخص هذه الأمور الخمسة بالذكر لإشعارها باختلاف الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد، وهي:
الدين لأن رفع العلم يخل به، والعقل لأن شرب الخمر يخل به، والنسب لأن الزنا يخل به، والنفس والمال لأن كثرة الفتن تخل بهما.
والمراد بالعلم هنا علم الكتاب والسنة وما يتفرع عنهما، وهو الموروث عن الأنبياء -عليهم السلام- وبخاصة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكلما بعد الزمان عن عصر النبوة قَلَّ العلم وكثر الجهل بصورة عامة.
قال -صلى الله عليه وسلم-: (يأتي على الناس زمان لا يُدْري فيه ما صلاة؟ ما صيام؟ ما صدقة؟) [الطبراني]
وأخرج ابن ماجه والحاكم عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدْرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسري على كتاب الله عز وجل في ليلة لا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير العجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة «لا إله إلا الله» فنحن نقولها، فقال له صلةُ: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صياماً ولا صدقة ولا نسكاً؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، ثلاثة). [صحيح ابن ماجه:3273]
ويمكن أن يراد برفع العلم «مطلق العلم» للحديث الذي أخرجه النسائي بسند صحيح عن عمرو بن تغلب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن من أشراط الساعة: أن يفشو المال ويكثر، وتفشو التجارة، ويظهر الجهل، ويبيع الرجل البيع، فيقول: لا. حتى أستأمر تاجر بني فلان، ويلتمس في الحي العظيم الكاتب لا يوجد).

تقسيم رائع

قال الإمام العلامة الراغب الأصفهاني، في كتابه الرائع «الذريعة إلى مكارم الشريعة»:
في أنواع الجهل .. الإنسان في الجهل على أربعة منازل:
(الأول): من لا يعتقد اعتقاداً لا صالحاً ولا طالحاً، فأمره في إرشاده سهل إذا كان له طبع سليم، فإنه كلوح أبيض لم يشغله نقش، وكأرض بيضاء لم يلق فيها بذر، ويقال له باعتبار العلم النظري غُفل، وباعتبار العلم العملي غُمر، ويقال له: سليم الصدر.
(الثاني): معتقد لرأي فاسد، لكنه لم ينشأ عليه، ولم يترب به، واستنزاله عنه سهل، وإن كان أصعب من الأول؛ فإنه كلوحٍ يحتاج فيه إلى محو وكتابة، وكأرضٍ يحتاج فيها إلى تنظيف، ويقال له: غاوٍ وضال.
(الثالث): معتقد لرأي فاسد قد ران على قلبه، وتراءت له صحته، فركن إليه لجهله وضعف نحيزته، فهو ممن وصفه الله تعالى بقوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال:22]، فهذا ذو داء أعيا الأطباء، فما كل داء له دواء، فلا سبيل إلى تهذيبه وتنبيهه، كما قيل لحكيم يعظ شيخاً جاهلاً: ما تصنع؟ فقال: أغسل مسحاً لعله يبيض!!
(الرابع): معتقد اعتقاداً فاسداً عرف فساده، أو تمكن من معرفته، لكنه اكتسب دنية لرأسه، وكرسياً لرئاسته، فهو يحامي عليها، فيجادل بالباطل ليدحض به الحق، ويذم أهل العلم ليجر إلى نفسه الخلق، ويقال له: فاسق ومنافق، وهو من الموصوفين بالاستكبار والتكبر في نحو قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}[المنافقون:5]، وقوله: {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [النحل:22]، فنبه تعالى أنهم ينكرون ما يقولونه ويفعلونه لمعرفتهم ببطلانه، ولكن يستكبرون عن التزام الحق، وذلك حال إبليس فيما دعي إليه من السجود لآدم عليه السلام.


د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com



 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية