اطبع هذه الصفحة


حسن الظن بالله مع حسن العمل

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم 


إن لم نحسن الظن بالله تعالى، فبمن نحسن الظن؟!
قالوا في الحكم: إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه، حسّن ظنك به لوجود معاملته معك، فهل عودك إلا حسناً، وهل أسدى إليك إلا منناً.
وإني لأرجو الله حتى كأنني .. أرى بجميل الظن ما الله صانع
حسن الظن به تعالى من ركائز الإيمان، وتاج عبادة القلب، ومفتاح متانة العقيدة، وسر من أسرار السعادة في الدنيا والآخرة .. قال -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر) [صحيح الجامع:1905]
أي أنا عند يقينه بي، فالاعتماد عليّ والوثوق بوعدي، والرهبة من وعيدي، والرغبة فيما عندي، أعطيه إذا سألني، وأستجيب له إذا دعاني، كل ذلك على حسب ظنه وقوة يقينه .. والمراد الحث على تغليب الرجاء على الخوف، والظن الحسن على بابه.
والمعاملة تدور مع الظن، فإذا أحسن ظنه بربه وفى له بما أمل وظن، والتطير سوء ظن باللّه، وهروب عن قضائه، فالعقوبة إليه سريعة والمقت له كائن، ألا ترى إلى العصابة التي فرت من الطاعون كيف أماتهم؟
يقول ابن القيم: ولا ريب أن حسن الظن به إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه، أنه يجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته، وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه، وهذا موجود في الشاهد فإن العبد الآبق المسيء الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به، ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبداً، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن الناس ظناً بربه أطوعهم له. كما قال الحسن البصري: "إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل".
قال أبو سهل ابن حنيف: دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة -رضي الله عنها- فقالت: لو رأيتما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرض له، وكانت عنده ستة دنانير، أو سبعة دنانير. فأمرني رسول الله أن أفرقها، فشغلني وجعه حتى عافاه الله، ثم سألني عنها: (ما فعلت أكنت فرقت الستة دنانير)، فقلت لا والله، لقد كان شغلني وجعك، قالت: فدعا بها فوضعها في كفه، فقال: (ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده)، وفي لفظ: (ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده).

يقول ابن القيم: فبالله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد عندهم، فإن كان ينفعهم قولهم: حسنا ظنوننا بك إنك لم تعذب ظالماً ولا فاسقاً، فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كل ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنه بالله، فإن النار لا تمسه، فسبحان الله، ما يبلغ الغرور بالعبد، وقد قال إبراهيم لقومه: {أَئِفكاً ءَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ} [الصافات:87،86] أي ما ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره.

قال الحطيئة:

مَنْ يَفْعَلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ ... لا يَذْهَبُ العُرْفُ بينَ اللَّهِ والناسِ

قال أهل العلم: وحسن ظن العبد بربه جل وعلا من جملة حسن عبادته، فيوقن أنه يعطف على ضعفه وفقره، ويكشف ضره ويغفر ذنبه بجميل صفحه، فيعلق آماله به لا بغيره، وكلما أحسن العبد الأدب في عبادة ربه حسن ظنه بأنه يقبلها، وكل ما شاهد توفيقه لفعلها حسن ظنه في عفوه عن زللّها، ومن لا يحسن أدبه في خدمة ربه يتوهم أنه يحسن الظن وهو مغرور {وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان:33] فيراه يأتي بصورة عبادة بغير أدب، ويؤمل القبول، ويسيء الظن بسيده في ضمان رزقه فيحرص عليه ويأخذه من غير حله، ويسيء الظن به في الشدائد فيفزع إلى غيره، ويسيء الظن به في الخلق فلا ينفق في طاعته، ويحقق ظن عدوه وشيطانه فيستجيب له في بخله.

قال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يموتن أحد منكم إلا و هو يحسن الظن بالله تعالى) [رواه مسلم]
قال المناوي: "أي لا يموتن أحدكم في حال من الأحوال إلا في هذه الحالة، وهي حسن الظن باللّه تعالى بأن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه لأنه إذا حضر أجله وأتت رحلته لم يبق لخوفه معنى بل يؤدي إلى القنوط وهو تضييق لمجاري الرحمة والإفضال، ومن ثم كان من الكبائر القلبية، فحسن الظن وعظم الرجاء أحسن ما تزوده المؤمن لقدومه على ربه .. ونظيره {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102] وهذا قاله قبل موته بثلاث .. وأفاد الحث على العمل الصالح المفضي إلى حسن الظن، والتنبيه على تأميل العفو وتحقيق الرجاء في روح اللّه تعالى".
وهذا الحديث أصل عظيم في حسن الرجاء في اللّه وجميل الظن به، وليس لنا وسيلة إليه إلا ذلك، قالوا: والأفضل للمريض أن يكون رجاؤه أغلب، قال القرطبي: وقد كانوا يستحبون تلقين المحتضر محاسن عمله ليحسن ظنه بربه.
قال أبو علي بن الشبل:

وإذا هممت فناج نفسك بالمنى ... وعداً، فخيرات الجنان عدات
واجعل رجاءك دون يأسك جنة ... حتى تزول بهمّك الأوقات
واستر عن الجلساء بثك، إنما ... جلساؤك الحسّاد والشّمات
ودع التوقع للحوادث إنه ... للحي من قبل الممات ممات
فالهم ليس له ثبات مثل ما ... في أهله ما للسرور ثبات
لولا مغالطة النفوس عقولها ... لم تصف للمتيقظين حياة

قال سليمان بن علي أمير البصرة لعمرو بن عبيد: ما تقول في أموالنا التي تعرفها في سبيل الخير؟ فأبطأ في الجواب، يريد به وقار العلم، ثم قال: من نعمة اللّه على الأمير أنه أصبح لا يجهل أن من أخذ الشيء من حقه ووضعه في وجهه فلا تبعة عليه غداً. قال الأمير: نحن أحسن ظناً باللّه منكم. فقال: أقسم على الأمير باللّه، هل تعلم أحداً أحسن ظناً باللّه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟ قال: لا. قال: فهل علمت أنه أخذ شيئاً قط من غير حله ووضعه في غير حقه؟ قال: اللّهم لا. قال: حسن الظن باللّه أن تفعل ما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
يقول ابن القيم: وأعظم الذنوب عند اللّه تعالى إساءة الظن به، فإن من أساء الظن به ظن به خلاف كماله الأقدس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد عليه بما توعد به غيره فقال: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ} [الفتح:6] وقال: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت:23].
واليأس منه المحمود ومنه المذموم، فأما المحمود فاليأس مما في أيدي الناس، وأما المذموم فاليأس من رحمة الله.
فاليأس مما في أيدي الناس شيمة الحر، وغاية عز العبد، قال -صلى الله عليه وسلم-: (وايأس مما في أيدي الناس تعش غنيا) [البخاري في الكبير]

وقال الحطيئة:

لما بدا لي منكم عيب أنفسكم ... ولم يكن لجراحي فيكمُ آس
أزمعت يأساً مُبِيناً من نَوَالِكُمُ ... ولن ترى طارداً للحر كالياس

أما اليأس من رحمة الله، فقال تعالى: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الجبن والبخل والحرص غرائز سوء يجمعها كلها سوء الظن بالله عز وجل".

والإنسان كلما ازداد جهلا بربه ازداد سوء طن به جل وعلا، وكلما ازداد علما ويقينا بالله ازداد حسن ظنه بالله عز وجل، قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران:154]

ولذلك قال في شأن المؤمنين: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِين} [الأحزاب:22-24]
 

جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com


 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية