اطبع هذه الصفحة


إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم 


الحمد لله، خلَقَ الخلائِقَ وصوَّرها فأحسنَهَا خَلقًا، له الخَلقُ والأمر، وبِيَده الحكم والتدبير، ابتلَى عبادَه فأسعد وأشقَى، سبحانه وبحمده، أُثني عليه بما هو أهلُه، وأشكره على سوابِغ نِعَمه وعظيم آلائه، لم يزَل للشّكر مستحقًّا
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، إقرارًا بوحدانيّته تعبُّدًا ورِقًّا، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيّدنا محمّدًا عبد الله ورسولُه، أحسن النّاس خُلُقًا وأكرمُهم خَلْقا، صلّى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله الأخيارِ وأصحابه الأبرار، حازوا من المكارم والفضائل تقدُّمًا وَسَبقًا، والتابعين ومن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدّين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد
روى البخاري عن محمد بن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَتْ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ -كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ- قَالَ: (إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ)

** «جبير بن مطعم» بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، قرشي نوفلي يكنى أبا محمد، كان من حكماء قريش وسادتهم، وكان يؤخذ عنه النسب، أسلم فيما قيل: يوم الفتح وقيل: عام خيبر، ومات بالمدينة سنة سبع وخمسين (57) وقيل: سنة تسع وخمسين (59)
// «محمد بن جبير بن مطعم» بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي يكنى أبا سعيد.
وكان محمد بن جبير بن مطعم من أعلم أهل وقته بالنسب وأيام العرب، أخذ ذلك عن أبيه.
دخل يوما على عبد الملك بن مروان فقال له: يا أبا سعيد ألم نكن نحن وأنتم -يعني عبد شمس وبني نوفل- في حلف الفضول؟ قال: أمير المؤمنين أعلم. فقال له عبد الملك لتخبرني يا أبا سعيد فقال: لا والله يا أمير المؤمنين لقد خرجنا نحن وأنتم منهم. قال: صدقت.
وتوفي محمد بن جبير بن مطعم سنة مائة (100) في خلافة عمر بن عبد العزيز، وتوفي أخوه أبو محمد نافع بن جبير بن مطعم بالمدينة سنة ست وتسعين (96) وقيل في خلافة سليمان بن عبد الملك.

** النبي صلى الله عليه وسلم كان ملاذا للجميع، الرجل والمرأة، والداني والنائي، فهو لهم قبلة ومقصدا وداعما على كافة الأصعدة المادية والروحية والمعنوية.
//قال تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:128]
{عزيز عليه}: أي شاق صعب. {ما عنتم}: ما يشق عليكم ويصعب تحمله. أي: يشق عليه عَنَتُكُم {حريص عليكم} أي على هدايتكم وإكمالكم وإسعادكم.
وهذه الآية الكريمة تدل على أن بعث هذا الرسول الذي هو من أنفسنا الذي هو متصف بهذه الصفات المشعرة بغاية الكمال، وغاية شفقته علينا هو أعظم منن الله تعالى، وأجزل نعمه علينا، وقد بين تعالى ذلك في مواضع أخر، كقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الآية

** «أرأيت إن جئت ولم أجدك» هي تريد أن تؤسس في كلامها فكرة «المؤسسة» والعمل الذي لا يقوم على فرد واحد، إن غاب غابت معه النوافع الحسان وقل الخير على الأعيان.
//وهي دليل فهم راسخ عندها بأن من يأت بعده لا بد أن يسير مسيره ويواكب منهجه ويلزم غرسه.
//وهو دليل على أن «الدنيا لا تقف عند حدود أحد» حتى ولو كان ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما يتطلب إبراز للعمل واستمرار للمنهج، وإن فقد النبي من بينهم.
//وهو تأكيد لبشرية النبي -صلى الله عليه وسلم- وإمراراً لما كتب على البشر عليه من فقد ورحيل .

** «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» فيه بيان أهمية الاستخلاف، ووجود من يخلف العالم والقائد والمتخصص في المكان والزمان، فلابد أن نعلي من قيمة المؤسسة، وأن المؤسسة التي تقام على فرد تضيع يوم يموت أو ينتقل، فهي مؤسسة فاشلة لا تفهم ترسيخا لفكرة ولا استمرارا لعمل ودعوة.

** هذا الحديث من النصوص الخفية على خلافة أبي بكر -رضي الله عنه- ، قال في الفتح: وفيه الإشارة إلى أن أبا بكر هو الخليفة بعد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولا يعارض هذا جزم عمر أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يستخلف لأن مراده نفي النص على ذلك صريحًا.

** فيه بيان عدم الاستعلاء بالنفس أو الإبخاس بالحق والفضل، وأن المرجعية والرمز يفرح بمن تحته فلا يضن بهم عن غيرهم ولا يعوق استكمال مسيرهم، ولا يدعي فراغا بعده وإن كان تلميذه أقل منه

جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com



 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية