اطبع هذه الصفحة


لماذا يكرهونه
الأصول الفكرية لموقف الغرب من نبي الإسلام

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم  


«لماذا يكرهونه» .. كتاب ماتع للدكتور "باسم خفاجي"، اخترت منه فقرات ناصعة تدل على المقصود من هذا السفر القيم، والذي كشف بجلاء عن الخلفية الحاقدة على الإسلام ونبيه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من قِبل الغرب على مر التاريخ وصولا إلى واقعنا المعاصر الذي ترسبت في عقول الجمهرة الغربية الحالية رواسب الحقد والتزييف على المستوى الديني والسياسي والإعلامي والفكري العلماني.

** قال تعالى:
// {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} [الفرقان:31]
// {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:112]


النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الفكر الغربي

**  {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة:146] فلا شك أنهم يعرفون النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهم يهاجمونه.

** إن أدلة الكراهية للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في المواقف الغربية كثيرة. فهذا الكاتب الأمريكي "جورج بوش" –جد الرئيس الأمريكي- يقول في كتابه المعنون «حياة محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين» وهو –كما يقول ناشره- كتاب يقرب من أن يكون وثيقة، ويمثل واحدا من أهم مصادر الكراهية الأمريكية للإسلام التي يغذيها تيار أصولي قديم النشأة، يدعي أن العرب مجرد أعراق منحطة ومتوحشة يستحقون الإبادة كما حدث للهنود الحمر، يقول المؤلف في الكتاب:
"ما لم يتم تدمير إمبراطورية السارزن (المسلمين)، فلن يتمجد الرب بعودة اليهود إلى وطن آبائهم وأجدادهم"

ويرى هذا المؤلف الإسلام مجرد بلاء جاء به «الدعي» محمد، ساعد الرب على انتشاره، عقابا للكنيسة التي مزقتها خلافات الباباوات بهرطقاتهم التي بدأت في القرن الرابع الميلادي.

** إن من الملفت للنظر أن العداء المسيحي للإسلام وللنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خارج أوروبا الغربية لم يتحول إلى كراهية تاريخية يتم الاحتفاء بها وتأكيدها في المناسبات الدينية، وعلى حوائط الكنائس والأديرة كما حدث في أوروبا الغربية.

** بناء على الدراسة التي قامت بها الباحثة "مارلين نصر" عن صورة العرب والإسلام في الكتب المدرسية الفرنسية، الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 1995م، نجد أن المناهج التربوية الفرنسية تقدم العرب والمسلمين باعتبارهم المتمردين والنهابين والمخربين والسفاحين، ولا تأتي على ذكر أية صفة من صفاتهم الإيجابية المعروفة.

** عند استقراء ومتابعة التاريخ يؤكد وجود تراث يقارب ألف عام من العداء بين الغرب -ونعني به هنا الكنيسة الأوروبية الغربية وصناع القرار وكذلك التيارات الفكرية غير الدينية- وبين الإسلام والمسلمين، وضد نبي الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. لم يحدث في تاريخ البشرية، وفي الغرب تحديدا، أن استمر العداء تجاه أي شخص بمثل هذه الحماسة والاستمرار المتجدد، والصور المختلفة الملفتة للنظر.

** وبما أن دعوة المصطفى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- باقية ما بقي الليل والنهار، ومتجددة مع كل إشراقة شمس، فليس من الغريب أن يكون عدو هذا النبي الكريم ممتد أيضا ومستمر.
ومن يتابع تاريخ الإسلام، وعلاقات الأمة الإسلامية الدولية يلحظ أن عداء الكنيسة الأوروبية للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- استمر منذ بداية الدعوة وحتى أيامنا هذه.
الغريب أن هذا العداء متجدد ويزداد كراهية وعنصرية حتى مع اهتمام المسلمين بالحوار والتعايش مع الآخرين.

** على المستوى الديني لم يبلغ الفكر المتزمت في أي دين من الأديان إطلاقا درجة التنظيم والاضطهاد التي عرفتها محاكم التفتيش الأوروبية الكنسية في مواجهة الإسلام.

** كيف يمكن تفسير أن تزين بعض كنائس أوروبا بلوحات ورسومات لنبينا محمد وهو –كما يدعون- يعذب في نار جهنم، وأن تبقى هذه اللوحات في أماكنها في أكثر من كنيسة خاضعة لسلطة الفاتيكان، ولم تمسها يد، ولم يحاول تغيير ذلك أحد من دعاة التسامح والحوار طوال عشرات السنين وحتى الآن.

** كيف يفسر أن يوضع في محراب كنيسة أوروبية في عاصمة الاتحاد الأوروبي تمثال مهين لنبي الأمة وهو مطروح أرضا تدوسه أقدام ملائكة تعلن انتصار المسيحية على الإسلام!!


الصورة الذهنية عن الإسلام ونبيه


** إن الصورة المشوهة عن الإسلام في الغرب لم تكن بسبب جهل أوروبا به، ولكنها في الواقع نتيجة معرفة حقيقية بالإسلام غلفت بالحقد والخوف من تنامي هذا الدين على أوروبا نفسها وعلى العالم أجمع.

** ساهم المفكرون الأوروبيون الدينيون وغيرهم أيضا في تحويل الإسلام إلى دين كريه بغيض لدى العامة لكي تحتفظ أوروبا بابتعادها عن الوقوع تحت سيطرة القيمة الأخلاقية والفكرية الآسرة للدين الإسلامي. كان لابد لذلك من تكوين صورة نمطية ذهنية بشعة عن الإسلام من ناحية، وعن نبي الإسلام من ناحية أخرى لتحقيق ذلك.

** لقد حاول هؤلاء أن يصدوا عموم الناس عن أي معنى طيب للإسلام أو عن نبي الإسلام. أحيانا كانت تلك المحاولات تبدو بعيدة كل البعد عن الأصول العلمية أو الأخلاقية كذلك.

انظر إلى ما ادعاه المستشرق الأمريكي "ماكدونالد" تحت مادة «الله» في دائرة المعارف الإسلامية منكرا حتى احتمالية أن يكون من صفات الله في الإسلام صفة «السلام» قائلا: ومن أسمائه أيضا السلام .. وهذه الصفة لم ترد إلا في الآية 23 من سورة الحشر، ومعناها شديد الغموض!!

ونكاد نقطع بأنها لا تعني «السلم». ويرى المفسرون أن معناها «السلامة» أي البراءة من النقائص والعيوب، وهو تفسير محتمل، وقد تكون هذه الصفة كلمة بقيت في ذاكرة محمد من العبارات التي تتلى في صلوات النصارى.

** ومن أسوأ ما كتب عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من مشاهير الفكر الأوروبي "دانتي" أعظم شعراء إيطاليا قاطبة من وجهة نظر الغرب، ومن مشاهير الأدب العالمي، والذي خلد اسمه بملحمته الشعرية «الكوميديا الإلهية» التي وصف فيها طبقات الجحيم والمطهر والفردوس في رحلة خيالية.

وقد وضع نبي الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومعه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في الخندق التاسع من الحلقة الثامنة من الكوميديا الإلهية كما أسماها. وهذا الجزء من الجحيم –كما يدعي دانتي- قد تم تخصيصه لمثيري الصدامات والانشقاقات الدينية والسياسية ومن يزرعون الفتن فيحصدون الأوزار.

ويرسم دانتي صورة لـ «موميتو» أي محمد تجسد تركيبا سلاليا متصلبا من الشرور، مع من يسميهم «ناشري الفضيحة والفتنة» وعقاب محمد ومصيره الأبدي عقابا مثيرا للاشمئزاز من نمط فريد، فهو يبدأ بقطعه إلى نصفين من ذقنه إلى دبره، مثل برميل تمزق أضلاعه –كما يقول دانتي- ولا يوفر شعر دانتي على القارئ عند هذه النقطة أيا من تفاصيل يوم الحشر التي تؤدي إليها عقوبة فظيعة كهذه، فأمعاء محمد وبرازه توصفان بدقة لا تنتهي.

يشرح محمد مسببات عقابه لدانتي، مشيرا كذلك إلى "علي" الذي يقدمه في صف الآثمين الذين يشقهم الشيطان الحارس إلى نصفين، كما يطلب محمد من دانتي أن يحذر رجلا اسمه «دوليشينو» -وهو رجل دين من الشيس مرتد دعا أصحابه إلى المشاركة الجماعية في النساء والممتلكات، واتهم بأنه كانت له خليلة- مما ينتظره من عذاب.

فدانتي رأي تطابقا بين الشهوانية المقرفة لدى محمد ودوليشينو، وبين ادعائهما مكانة دينية بارزة كذلك.

ترجمت الكوميديا الإلهية إلى كثير من لغات العالم مرات عديدة في كل لغة.


الأصول الفكرية لموقف الغرب من النبي


** تتصادم القناعات الغربية على المستوى الفكري بشدة مع ما جاء به النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. كما أن تراكم الحقد والخوف الغربي من الإسلام ومن نبي الإسلام قد ساهم في نشأة العداء بين الطرفين، وليس من المتوقع أن يقل أو ينتهي هذا العداء في القريب.

** إن المشكلة الرئيسية في علاقة فكرية بالعالم الإسلامي، وعداء الغرب للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، هو مركزية توحيد الله تعالى وعبادته لدى المسلمين، والتي تتجسد في دعوة محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وفي دين الإسلام وفي واقع الأمة الإسلامية بصرف النظر عن درجة تدين والتزام أفراد هذه الأمة.

ينطلق الغرب فكريا –وبكل فئات مجتمعاته ومفكريه- من فكرة مركزية الإنسان في الكون، وأن الفرد هو مركز الاهتمام الرئيس، وأن تطلعات الفرد وحقوقه وحرياته تقدم على أي أمر آخر، وحتى أمور العبادة وعلاقة الفرد بالإله.

فالغرب يرى أن محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد قدم مفهوما يمكن أن يهدم الفكر الغربي من أساسه.

** تمحور الفكر الغربي حول شخصية المسيح عليه السلام، وتحولت شخصية المسيح بعد تحريف الدين المسيحي إلى تجسيد للفكر الغربي حول مركزية الفرد في الكون .. فقد تحول الإله في نظر المتدينين إلى شخص .. إله في صورة فرد .. دفع دمه ثمنا مقدما لجميع خطاياهم القادمة, وعندما سيطر الفكر النفعي على الشخصية الغربية، أصبح التعلق بشخص المسيح يمثل قمة النفعية لمن اختاروا التدين، فهو قد قام بدفع فاتورة خطاياهم حتى قبل أن يقعوا فيها، وأبقى لهم الحياة لكي يمارسوا فيها ما شاءوا من أفعال طالما أن محبة المسيح –كفرد وكإله- تسيطر على مشاعرهم.

أما من تركوا الدين المسيحي بأكمله، وأصبحوا لا دينين أو ملحدين، فقد كان المسيح –بعد تحريف الدين- أيضا مركزيا في مواقفهم الفكرية .. فهو فرد وبالتالي لا يمكن أن يختلف عن غيره من البشر، وبالتالي فليس هناك إله بزعمهم، كما أن المسيح بصورته التي قامت الكنيسة الغربية بتصويرها رحيم منعزل عن حياة الناس .. يقبل بكل معايير الحياة الإنسانية، ولا يدعو إلا إلى الحرية والمساواة .. وهي أهم قيم العلمانية ولا تصادم من تركوا الدين، وبالتالي فلا حاجة إلى مصادمة المسيح.

أما العلاقة مع محمد فهي علاقة تصادمية مع كل من التيار الديني والعلماني في الغرب على المستوى الفكري. فمحمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حرص على أن يكون فردا .. إنسان بكل معاني الإنسانية، ورفض أن يكون إله في صورة إنسان، وبالتالي فهو يناقض فكر المتدينين من الغرب للإله الذي عرفوه، وبالتالي تكونت الكراهية والضيق من كل ما يمثله محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- .. فهو ليس على شاكلة المسيح في نظرهم .. هو يناقض أيضا مشاعر ورغبات غير المتدينين، لأنه يطلب من البشر –كما أمره خالقه- بالكثير من العبادات والأعمال والالتزامات، ويقدم حرية المجتمع على حرية الفرد، ويضحي بالمساواة من أجل العدالة ومن أجل صلاح المجتمع، كل ذلك ساهم في تكوين صورة سلبية وقاسية عن نبي الإسلام.

** كما عقدت المقارنة بين التوسع الإسلامي، ودخول المسلمين في معارك من أجل نشر الدين أو الدفاع عن المسلمين، مع الروح غير القتالية التي تصورها المسيحية الرومانية المحرفة عن حياة المسيح عليه السلام.

** إن المتدينين في الغرب –كما في الشرق أيضا- يعشقون فكرة المعجزة، لأنها خلاص من مواجهة واقع يطحن أحلامهم .. لذلك انتشر في التدين الغربي قصص المعجزات والخوارق وكرامات القديسين، وأصبح ذلك مكونا رئيسيا من مكونات التدين الكاثوليكي الغربي.

أما محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقد جسد إمكانية انتصار الإنسان دون الحاجة إلى المعجزات.. لقد كانت حياة الرسول – في نظرهم- خالية من المعجزات، والحياة الغربية قاسية، والتدين فيها يسمح للفرد أن يحلم بالمعجزة للفرار من الواقع، ونبي الإسلام لا يعد بالمعجزات، وإنما بحياة مليئة بالجهد والمعاناة من أجل آخرة يمكن فيها الاستمتاع بالجنة.

** لقد نجح من حرفوا دين المسيح أن يقنعوا أنصار المسيح في الفكر الغربي، أن لهم أن يجمعوا بين كل متع الدنيا –فقد دفع ثمن ذلك المسيح- وأن يجمعوا معها أيضا النجاة في الآخرة لأنهم أحبوا المسيح. وهكذا يتفرغ المتدين للحياة دون الحاجة الحقيقية للعمل فإن محبة المسيح كافية للجنة.

أما محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإن دينه ودعوته تطلب من الإنسان الكثير، ولا تعد بالمقابل إلا بأمل في رحمة الله تعالى. كيف إذن لمن يعتنق الفكر النفعي أن يحب محمد؟

** تجذر فكرة النبوة الكاذبة .. قامت الكنيسة الغربية تحديدا منذ بداية الإسلام بالطعن في صدق نبوة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يزال هذا الموقف هو السمت المشترك لمعظم المفكرين المتدينين الغربيين، رغم أن بعضهم قد تنازل ووصف النبي ببعض الصفات الإيجابية كقائد سياسي، أو مصلح إنساني، أو إنسان طموح، ولكن ليس كنبي يوحى إليه.

وفي هجوم "مارتن لوثر" –مؤسس المذهب البروستانتي- على الكنيسة الكاثوليكية قرنه بالهجوم على الإسلام فيقول المفكر الغربي "إن. دانيال": "إن لوثر ذاته كان واحدا من أوائل الذين صاغوا نموذجا جديدا كليا للموقف من الإسلام، مستخدما إياه –كنموذج سلبي- في جداله العنيف مع الكاثوليكية حيث يقول: البابا والإسلام يشكلان –من حيث الجوهر- العدوين اللدودين للمسيح وللكنيسة المقدسة، ولكن إذا كان الإسلام يمثل جسد المسيح الدجال فإن البابا هو رأسه".

** وهنا تتدخل رؤية للنفس المسلمة نابعة من شروط تطور فكرة النبوة الكاذبة. هذه الرؤية مفادها أن سلوك نبي الإسلام هو نقيض سلوك القديس القائم على قمع الغرائز، وأن الإسلام شهواني ومادي في روحه وفي مفهومه للجنة، وأن شرائعه ومؤسساته لم تفعل سوى تطوير هذه الجرثومة القاتلة التي تعيبه من أساسه. فإذا كان مفهوم الجنة يبين أننا أمام دين خال من الروحية، محصور في صورة اللذات المستقبلية وتفوح منه رائحة الوثنية، فإن حياة النبي بدورها تبرهن على ضعف قيمتها الأخلاقية.. [أوروبا والإسلام صدام الثقافة والحداثة]                        

** تسبب الموقف الديني والفكري الغربي الذي يدعي كذب نبوة محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في تكون فكرة مسيحية استقرت في أذهان الكثير من المفكرين الدينين في الغرب. هذه الفكرة تتصور أن هذه النبوة الكاذبة في ظنهم قد أوقفت تطور الإنسانية باتجاه المسيحية. يقول أحدهم: "لقد أمكن لمحمد أن يكون إمبراطورية سياسية ودينية على حساب موسى والمسيح".

** إن من المشكلات الحقيقة التي تعاني منها الكنيسة الأوروبية منذ ظهور الإسلام هو عدم قدرة هذه الكنيسة على إيقاف نمو الإسلام. فالإسلام ينمو في كل الظروف، ومع كل الضغوط، وتحت كل الظروف الاجتماعية المختلفة، وفي كل العصور، وهو بالتأكيد ينمو على حساب أنصار تلك الكنيسة التي تهتم اهتماما كبيرا بالتنصير، ويستهدف نفس المجتمعات التي تحاول الكنيسة السيطرة عليها، وتحويلها إلى دينها.

** إهدار قيمة كل مقدس.. تطور مشروع العلمانية من فصل الدين عن الدولة إلى إقصاء الدين عن الحياة، إلى الهجوم على الدين للقضاء على ثبات القيم. واستتبع ذلك رغبة القائمين على هذا المشروع العلماني في القضاء على كل القيم الثابتة في المجتمعات، وتحويل فكرة القيم إلى موضوع نسبي متغير تبعا للزمان والمكان وأمزجة الشعوب.

يقتضي تحقيق هذه الفكرة القضاء على ولع الشعوب وتقديرها للمقدس بصرف النظر عن قيمة ذلك المقدس في حياتها أو مدى اعتزازها به. من أجل ذلك ظهرت حملة منظمة في الغرب طوال الأعوام الماضية للنيل من كل الأنبياء والصالحين وليس نبي الإسلام وحده.

** فشل تحجيم التأثير السياسي والدولي للإسلام .. إن التيارات العلمانية واللادينية التي تحكم الكثير من دول أوروبا، ولها تأثير قوي على السياسة الأمريكية أيضا لا تكترث كثيرا لمسألة انتشار الإسلام عدديا أو جغرافيا أو عقديا في مواجهة المسيحية أو أي ديانة أخرى.

كثير من هؤلاء القادة السياسيين والإعلاميين والفكريين ممن ينتمون إلى التيار اللاديني أو العلماني لا يهتمون لموضوع الدين من ناحية علاقة الإنسان بخالقة أو بمعبده أو كنيسته أو مسجده. ما يشغلهم بالتأكيد هو آثار التدين على مسيرة العالم الاقتصادية والليبرالية والحضارية بمفهومهم هم لهذه الحضارة السائدة.

وفي هذا السياق يبرز الإسلام كمصدر إزعاج رئيس، لأنه قوة محركة ومؤثرة، وتدفع بمعتنقيه إلى رفض الهيمنة ومقاومة مشروعات الاستعمار الفكري والاقتصادي بنفس حدة وصلابة مقاومة الاستعمار المسلح.

وهنا يمكن تفسير اتحاد التيارات الليبرالية العلمانية الغربية مع التيارات الدينية المتطرفة في بعض الكنائس الأوروبية من أجل تقليص تأثير الإسلام على العالم المعاصر. إنه تحالف لم يحدث في التاريخ من قبل بهذه الدرجة من الشمولية والتعقيد والانتشار الجغرافي أيضا.

** الإرهاب وتحجيم عواطف المسلمين .. تتهم الأمة العربية والإسلامية من قبل المحبين والخصوم على حد سواء بأنها أمة عاطفية.

المشكلة أن التفسير المنطقي الغربي قاصر ويتجاهل حقائق واقعية كثيرة أهمها أن الغرب «كائن مريض» ويعاني بشدة من فقدان العاطفة .. العقل النفعي في الغرب أصبح يتحكم في أخلاق البشر

وفي المقابل فإن لهيب العاطفة لا يزال مشتعلا في الشرق، وتظهر معالم قوة هذه العاطفة الجياشة في مثل هذه المناسبات المرتبطة بالدفاع عن أغلى من نحب –بعد الله تعالى- وهو نبي الأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

إننا نشهد اليوم مشروعا تدريبيا مكثفا يتعاون عليه العديد من وسائل الإعلام الأوروبية لتعويد الأمة على تهدئة مشاعر الحب .. إنهم يريدوننا أن نبغض الحب.

ليتهم في الغرب يعرفون ماذا يعني هذا الحب .. وكم هو جميل أن تكون محبا .. وأن تحيا بالعاطفة وليس بالمصلحة أو المنفعة.

الغرب يريد أن يطوعنا أن نقبل أن يهان أغلى من نحب، وأن نمتنع عن إظهار العاطفة .. وبالتالي سنمتنع أيضا تلقائيا – في ظنهم- عن بغض أفعالهم.

** مرآة داكنة لواقع الغرب .. يرى البعض في الغرب في شخصية النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نموذجا متكاملا لنوع من الكمال الإنساني الذي لا يمكن بالغرب بأفكاره ونظرياته وممارساته أن يصل لها. وعند هذا الفريق من الغربيين يصبح القضاء على هذا النموذج هما حقيقيا بذاته

قال تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} [النساء:89]

فكأن حياة النبي محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تمثل ذلك الضمير الذي يوخز الغرب في جنباته، وكأنه مرآة داكنة توضح لهم بالدليل الواقعي مدى التردي الذي وصل إليه حال الشخصية الغربية نتيجة لابتعادها عن النموذج المحمدي.

** المركزية التاريخية للإسلام .. يرى العديد من المفكرين الغربيين أن أوروبا عرفت نفسها ككيان موحد فقط عندما ظهر الإسلام، وأن الكنيسة الغربية قدمت الإسلام كخطر يجب أن تزول معه كل الخلافات بين الفرق والمذاهب الدينية المتناحرة في أوروبا .. بل إن بعض المفكرين الغربيين يذهب إلى أن الإسلام يمثل مركزية تاريخية تتحدد من حولها ومن خلالها علاقات العالم ومستقبله أيضا. كما أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يمثل مركزا هاما ونموذجا يحتذى لكل من يتبع الإسلام ويتأثر به.

فألبرت حوراني مثلا يرى أن "كل الشعوب المعروفة قد استيقظت أو دخلت في التاريخ عبر اتصال ما مع الإسلام، فالهند قد تزعزعت بفتح قتيبة بن مسلم، وفيما بعد مع محمود الغزنوي، أما بالنسبة للعالم الإفريقي المجهول والمعزول فإن دخوله النسبي المتردد في التاريخ قد تم أيضا بواسطة الإسلام. وماذا نقول عن الروس وبلغار الفولجا والشعوب التركمانية؟ كم من الشعوب البربرية قد تعلمت الحضارة بعبورها الإسلام، دون شك على حساب تماسكه كقوة سياسية، جاعلة أيضا من الإسلام –الحضارة- عملها المشترك؟ .. إنه الإسلام الذي امتص كسم قاتل سنة 1258م الصدمة المغولية، وهو الذي صد في مرحلة ثانية الهجمة التيمورلنكية، وهي هدامة مثل الأولى أو أكثر".     

** مشروع مواز للغرب.. إن إحدى مشكلات عداء الغرب التاريخي للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو أنه جاء بنظام سياسي وفكري متكامل ينازع الغرب في المسلمات الأساسية، وكذلك في طرق التنظيم والإدارة وسياسة المجتمعات، وأخيرا في نمط العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع، وبين المجتمعات المختلفة. إنه ببساطة نظام متكامل مواز للنظام الغربي، ولا يلتقي معه، وإنما يقدم بديلا قويا وخطيرا له.

** يرى المفكرون الغربيون أن رسالة محمد، وأفكار محمد، ودعوة محمد، تقدم الرصيد الفكري والنفسي والعقدي لجهد المسلم في الانتصار على نفسه وعدم التسليم لشهوات الحياة ومتع الدنيا التي يتفنن الغرب في محاولة تقديمها للأمة. كما أن المقاومة تمتد لتمنع الكثير من محاولات الهيمنة الفكرية والثقافية على الحياة الإسلامية والعربية من قبل الغرب.
 

جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com

 

 

 
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية