اطبع هذه الصفحة


رمضان كيوسف بين إخوته

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم  
 

 الحمد لله الذي جعل رمضان شهر صيام وقيام وبر وإحسان وتوبة وغفران،، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد مَرَدَة الشياطين والجان. أوله الرحمة وأوسطه المغفرة وآخره العتق من النار.
 
v قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "الشهور الاثنا عشر كمثل أولاد يعقوب -عليه السلام-، وشهر رمضان بين الشهور كيوسف بين إخوته، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب.
1/ جاء إخوة يوسف معتمدين عليه في سد الخلل، وإزاحة العِلل، بعد أن كانوا أصحاب خطايا وزَلَل.. فأحسن لهم الإنزال، وأصلح لهم الأحوال، وبلَّغهم غايَة الآمال، وأطعمهم في الجوع، وأذن لهم في الرجوع،، فسَدَّ الواحد خَلل أحد عشر.. كذلك شهر رمضان: نحن نرجو أن نتلافى فيه ما فرطنا في سائر الشهور، ونصلح فيه فاسد الأمور، ويختمه علينا بالفرحِ والسُّرور، ونعتصم فيه بِحَبل الْملك الغفور.

2/ إن كانَ في يوسُف مِن الْحلم والْعَفو ما غمر جفاءهم حين قال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف:92]، فكذَلك شهر رَمَضان فيه مِن الرَّأفة والبركات والنِّعْمَة والخيرات والعِتْق من النَّار، والغفران من الْمَلِك القهَّار، ما يغلب جَميع الشُّهور، وما اكتسبنا فيه مِن الآثام والأوزار.

3/ كان ليعقوب أحدَ عَشَرَ ولدًا ذُكورًا، وبَين يَدَيْه حاضرين، ينظرُ إليهم ويراهم، ويطَّلع على أحْوالهم وما يبدو مِن أفعالهم، ولم يرْتَدَّ بَصَره بِشَيْء مِن ثيابهم، وارتدَّ بقميص يوسُف بَصيرا، وصار بَصَرُه منيرا، وصارَ قَويًّا بعد الضَّعْف، بَصيرًا بعد الْعَمى، فَكذَلك المذنِبُ العاصي، إذا شَمَّ رَوائحَ رَمَضانَ وجلَسَ فيه مَعَ الذاكرين وقَرَأ الْقُرْآنَ، وصحبهم بِشَرْط الإسْلامِ والإيمان، وترك الْغِيبةَ وقَول الْبُهْتان، يصير إن شاء الله مغفورًا له بعد ما كان عاصياً، وقريبًا بعد ما كانَ قاصياً، ينظر بِقَلْبِه بعد الْعَمى، ويسعد بِقُرْبِه بعد الشَّقا، ويقابل بِالرَّحْمَة بعد السخط، ويرزق بِلا مؤونة ولا تَعب، ويوفق طول حَياته، ويرفق بِقَبض روحه عِند الوَفاة، ويفضل بالمغفرة عِنْد اللِّقاء، ويحظى في الْجنان بدرجات الالتقاء.
v أقْسَمَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بقولِه: (والذي نفْسُ محمَّدٍ بيَدِه)، أي: يُقسِم باللهِ الَّذي رُوحُه بيدِه؛ وكثيرًا ما كان يُقْسِمُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بهذا القَسَمِ (لَخُلُوفُ) أي: تَغيُّرُ رائحةِ فَمِ الصَّائمِ -لخَلاءِ مَعِدَتِه مِن الطَّعامِ- (أطيَبُ عندَ اللهِ تعالَى يومَ القِيامةِ مِن رِيحِ المِسكِ) الَّذي هو أطيبُ وأزْكى الرَّوائحِ،
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ رُتبةَ الصَّومِ عَلِيَّةٌ على غَيرِه؛ لأنَّ مَقامَ العِنديَّةِ في حَضرةِ اللهِ تعالَى مِن أعْلَى المَقاماتِ. وإنَّما كان الخُلوفُ أطيَبَ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ؛ لأنَّ الصَّومَ مِن أعمالِ السِّرِّ التي بيْن اللهِ تعالَى وبيْن عبْدِه، ولا يَطَّلِعُ على صِحَّتِه غيرُه، فجَعَلَ اللهُ رائحةَ صَومِه تَنُمُّ عليه في الحشْرِ بيْن النَّاسِ، وفي ذلك إثباتُ الكَرامةِ والثَّناءِ الحُسْنِ له.
v وفي هذا إشارة إلى أن مقاييس الله تختلف عن مقاييس البشر، وهذا الخلوف نظير ما جاء في الشهيد يجيء يوم القيامة يثغب دمًا، لونه لون الدم وريحه ريح المسك.

ومن الدلالة على أن مقاييس الله غير مقاييس البشر، قوله تعالى:
1/ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1] فقوله تعالى {اقتربت} رغم مرور أكثر من ألف وأربعمائة سنة على نزولها، وذلك لأن اليوم بمقاييس الله تعالى له شأن آخر كما في قوله عز وجل: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47] وكأنه وفقا لهذا لم تمر على هذه الآيات سوى يوم ونصف تقريبا من يوم نزولها فناسب هذا قوله {اقتربت}   
2/ أينشتين تلك العقلية العلمية الفريدة الذي قضى أربعين سنة في المختبرات خرج على الناس مستخلصا أن هذا العالم تديره قوة خفية قاهرة، وهذا عين الذي أدركه العربي البسيط وهو يسير في الصحراء القاحلة حيث يقول: "البعر يدل على البعير، والسير يدل على المسير، أفلا يدل كل هذا الكون على وجود اللطيف الخبير؟!".
فالعلم الحقيقي في تقدير الله تعالى هو العلم الدال على الله تعالى وعلى توحيده وألوهيته، قال عز وجل: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:6-7]
3/ وقال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} [الفجر:15-17] أي ليس الإكرام بالغنى والإهانة بالفقر وإنما هو بالطاعة والمعصية، وأنتم لا تكرمون اليتيم, ولا تحسنون معاملته.
4/ قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة:19] فالمعيار الإيمان والتقوى وليست الأعمال أو الأموال أو العشائر {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13]
ومن دلالات السنة النبوية لهذه القاعدة:
1/ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: (الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) [أحمد والترمذي وغيره]
2/ عن معاوية بن قرة , عن أبيه : أن عبد الله بن مسعود رقى شجرة يجتني منها سواكًا فوضع رجليه عليها فضحك أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم من دقة ساقه فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم : لهما أثقل في الميزان من أُحد.
 
v عن أبي العالية قال: الصائم في عبادة ما لم يغتب أحدا، وإن كان نائما على فراشه.
وكانت حفصة بنت سيرين تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي.
وصح عن كعب أنه قال: الصائم في عبادة ما لم يغتب.
وقالت حفصة بنت سيرين أيضا: الصيام جنة ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة
 
v روى ابن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ حِبَّانَ, وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ فَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ، إِنِّي صَائِمٌ ).
 
v فاللهَ الله! اغتنموا هذِه الْفَضيلة في هذه الْأيَّام القليلة، تعقبكم النِّعْمَة الجزيلة، والدرجة الجليلة، والراحة الطَّويلة إن شاءَ الله، هذه والله الرَّاحَة الوافرة، والمنزلة السائرة، والْحالة الرضيَّة، والْجنَّة السريَّة، والنعْمَة الهنية، والعيشة الرضية، لا تُنال إلَّا بالوقار، لهذا الشَّهْر الَّذي عظمه الجَبَّار، وفضَّل بِه محمَّدًا الْمُخْتار، ومَن لا يوقِّره كان مصيره إلى النَّار
 


جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com

 

 
 

 
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية