اطبع هذه الصفحة


أعلام وأقزام .. محمد حسنين هيكل (3)

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم

السـابــق

عندما نتطرق لأزمة الثقافة العربية المعاصرة لا نقصد التجريح أو التشهير، بل المقصود عرض لمسيرة النخبة المثقفة التي تضخمت في الإعلام العربي (مصر نموذجا)، وأخذت حيزا وزخما كبيرا، فرصد واقع هذه النخبة يشير إلى أن وراء الأكمة شيئا ماكرا يدبر لهذه الأمة، سواء كان هذا التدبير داخليا أو خارجيا، إلا أن المحصلة أن أكثرية هذه النخبة المثقفة لم تكن على المستوى المطلوب الذي يرضاه الدين والعقل والعرف، وأنها أقحمت المجتمع العربي في أمور منافية لعقيدتنا الصافية وأعرافنا الراقية وتقاليدنا السامية، بل وصدرت لنا من غثاء الغرب الفكري والسلوكي الكثير والكثير، في الوقت الذي كنا في أشد الحاجة لنتعرف على مقومات النهضة العالمية، والاستفادة من خبرات الشعوب المتقدمة في مسيرتها التنموية، في إطار ثوابتنا الدينية الإسلامية الغالية.

هيكل والملك فيصل

نال (الملك فيصل) النصيب الأكبر من هجمات هيكل، لأنه كان سبباً رئيسياً في حرمان عبد الناصر من تحقيق أهدافه في اليمن، وأجبره على سحب القوات المصرية من هناك في بداية 1967، وكان وجودها في اليمن منذ عام 1962 أحد أسباب هزيمة يونيه 1967 مما ضاعف حقد وكراهية هيكل على السعودية وقادتها، حتى إنه في كتبه بعد انتصار القوات المصرية في حرب أكتوبر 1973 تجاهل تماماً الدور الرائد والبطولي الذي لعبه الملك فيصل عندما أقحم سلاح النفط في هذه الحرب لإجبار أمريكا وباقي دول الغرب على الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، مما يدل على انعدام الموضوعية في أحاديث ومقالات وكتب هيكل، الذي لا يزال يكرر نفسه ولا يُغير منطقه الأعوج .. حيث يهيئ له فكره المريض، ويظن أنه ثابت والكون متحرك.

هيكل والسادات

بعد تولى (أنور السادات) رئاسة الجمهورية، كتب هيكل ثلاثة مقالات حملت عنوان: «السادات وثورة التصحيح»، وقال في أحدها: "كان السادات هائلًا في هذه الساعة الحاسمة من التاريخ بأكثر مما يستطيع أن يتصور أحد".
كما أيد هيكل السادات في حربه ضد مراكز القوى المتمثلة في الرجال الأقوياء الذين حكموا أيام عبد الناصر، وكانوا يعارضون سياسة السادات، حيث انتهت المعركة بين الطرفين بفوز ساحق للسادات.
وظلت علاقة هيكل بالسادات جيدة حتى حرب أكتوبر، إلى أن وصلت العلاقة بينهما إلى مفترق طرق، حيث رفض هيكل، طريقة تعامل الرئيس السادات مع انتصار حرب أكتوبر سياسيًا، وكان يرى أن السادات يعطي للولايات المتحدة دورًا أكبر، مما ينبغي بعد انتصار تحقق بسلاح جاء من الكتلة الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي.
ثم إن العلاقات بين السادات وهيكل ساءت بشكل واضح بعد انتهاء حرب 1973، وبلغت درجة إصدار قرار رئاسي يوم 2 فبراير 1974 بنقل هيكل من الأهرام إلى الرئاسة مستشارا، وهو ما اعتذر عنه.
وفي العام 1978 سحب منه جواز سفره ومنع من مغادرة مصر، وحوّل إلى التحقيق بناء على لائحة قدمها وزير الداخلية آنئذ (النبوي إسماعيل)، وبدأ معه التحقيق بتهمة نشر مقالات تسيء إلى مصر.
بلغت المشكلة أوجها في سبتمبر 1981 عندما صدر قرار من السادات باعتقال هيكل ووضعه في السجن، ضمن حملة شملت كتابا ومثقفين وناشطين سياسيين، قبل أن يُفرج عنه إثر مقتل السادات في حادث الاغتيال الشهير يوم 6 أكتوبر من العام نفسه.
ورغم اختلاف هيكل مع نظام الرئيس السادات، وكان ضد عملية السلام، وبعد سنوات طويلة وجدنا هيكل يفاجئنا بأن السادات اتخذ القرار السليم، وأن مراجعة الأفكار جائزة .. هكذا ببساطة وافق الأستاذ على السلام على الطريقة المصرية!!.
يقول المراقبون للمشهد السياسي المصري: "عندما أصبح السادات رئيسا، بتخطيط مشترك مع هيكل، اختلفت طبيعة العلاقة مع السادات، فلم يكن هيكل يريد أن يواصل العمل في خدمة «سيد» جديد، بل أراد أن يكون شريكاً حقيقياً كان قد خرج من قمقم «التابع»، الذي ظل حبيساً داخله طوال 18 عاماً في ظل سلطة رجل استثنائي، وبدأ مسيرة علاقة دراماتيكية".
منذ البداية لم يكن السادات يستريح لهيكل، ولكنه كان في حاجة إليه، وتصورها هيكل فرصته لكي يستخدم السادات، ولكن في النهاية ظهر أن السادات هو الذي استخدم هيكل، فالسادات لم يكن سهلا، وكان يشعر بالدونية تجاه هيكل، ولم يقصر هيكل في ترسيخ هذا الشعور داخله خلال فترة عبد الناصر، وحسب شاهد عيان فقد كان يعامل السادات معاملة «درجة ثالثة».
تقول (سكينة السادات) أخت الرئيس السادات: "هيكل كان من أقرب الشخصيات إلى السادات، ولكن بعد وفاة الرئيس، اتضح لنا مدى كذب وزيف هيكل، بعد أن تجنى على الرئيس في أكذوبة كتاب «خريف الغضب» وادعى فيه هيكل بأن والدتنا كانت «عبدة»، كما أنه عرف عنه التلون مع جميع الأنظمة، ويدعى معرفة كل شيء وبواطن الأمور، ساهم في تضليل وتزييف الحقائق، وهدم روح المصريين، بعد أن ادعى أن عبور قناة السويس مستحيل، وثبت فيما بعد عكس ذلك، وقبلها كان قريبًا من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ثم انقلب عليه بعد نكسة ١٩٦٧، كما كان وثيق الصلة بالسفارة الأمريكية، وحصل منهم على العديد من المعلومات، إلا أنه دائمًا ما يقدم معلومات خاطئة، بدليل أنه صاحب أكذوبة أن الرئيس الأسبق مبارك يمتلك ٧٠ مليار دولار في الخارج، فهو يمارس الإعلام كسبوبة يتكسب من ورائها، ويتاجر بالأكاذيب في الفضائيات".

هيكل ومبارك

كان المخلوع حسني مبارك، يدرك جيدًا قيمة وتاريخ هيكل لمعرفته المسبقة بعلاقة هيكل بالرؤساء السابقين، وتأثيره عليهم، لذلك أفرج عنه ودعاه إلى قصر الرئاسة، بعد اغتيال السادات، ليمتد الحوار بينهما إلى ست ساعات متواصلة، وفقا لما أورده هيكل في كتاب «مبارك وزمانه .. من المنصة إلى الميدان».
وأعلن مبارك إعجابه به، ومنحه رخصة مفتوحة للاتصال به في أي وقت يشاء، وعند سفره للعلاج في ألمانيا عرض عليه العلاج على نفقة الدولة إلا أنه رفض.
لكن مبارك كان يعلم أن هيكل لا يكن حبا له بسبب قربه من السادات، واختيار السادات له نائبا، فضلا عن أن مبارك اختار أن يبحث عن رجال جدد له وليسوا محسوبين على الأنظمة السابقة، وهو ما يعني أن هيكل لن يكون صحافيا مقربا للنظام الجديد أو له دور استشاري كما كان يرغب، مما اضطره أن يبتعد رويدا رويدا وينسحب من الحياة السياسية في عهد مبارك حتى عام 94.
في تلك الأثناء كان هناك حوار دائر حول مؤتمر مزمع عقده بالقاهرة عن «حقوق الأقليات في الوطن العربي والشرق الأوسط» ومن بينهم أقباط مصر. وهنا كتب هيكل مقالا نشرته إحدى الصحف المصرية أثار غضب السلطات المصرية ومبارك شخصيا.
وبعدها بأعوام قليلة كتب هيكل مقالا هاجم فيه مبارك بطريقة غير مباشرة وطالب برحيله عن الحكم ووصفه بـ «سلطة شاخت في مواقعها».
وفي العام 2002 أعلن هيكل في محاضرة ألقاها في الجامعة الأمريكية أن هناك مخطط واضح لتوريث الحكم، ومهما كانت الصورة حلوة، قائلا: "لابد أن نقول كفاية".
كما زعم هيكل أن مصر حصلت على 100 مليار دولار في أعقاب حرب الخليج، ما بين مساعدات مباشرة أو إعفاء من ديون كانت مستحقة على القاهرة، ولكن «جماعات المصالح تحولت إلى سرب جراد أتى عليها».
كل هذا أزعج مبارك من هيكل، لكنه لم يمنعه من الكتابة أو يأمر باعتقاله كما فعل السادات، بل إن نجلي هيكل نجحا في تكوين ثروات طائلة خلال عهد مبارك، ولم يتعرض لهما أحد، وبعد ثورة يناير بدأت السلطات في محاسبتهما بتهم فساد مالي وفر الابن (أحمد هيكل) إلى الخارج هربا من تلك الملاحقات.
بعد ثورة 25 يناير خرج هيكل بتصريحٍ مثيرٍ آخر، بأنّ الضربة الجويَّة الأولى في حرب أكتوبر الشهيرة خرجت عن إطارها الصحيح والطبيعيّ، وأنَّه لم يكن هناك ضربة جوية في الحرب، وأن ما حدث كان مظاهرة جوية فقط لإعادة الروح المعنوية للمقاتلين! وأن التأكيد والتركيز عليها إنما هو استخدام من الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك لهذه «المظاهر الجوية»، باعتبارها ضربة ساهمت في شلّ حركة العدوّ تمامًا.
كما قال هيكل في حوار مع الأهرام إن "التوظيف السياسي لدور مبارك في الضربة الجوية في حرب أكتوبر/تشرين الأول كان كذبا صريحا هدفه تأسيس شرعية للنظام، في واقعة خرجت تماما عن إطارها الصحيح"، وأضاف أن "إسرائيل دخلت الحرب وهي تعرف موعدها بعدما أبلغها بذلك جاسوس كان يعمل لحسابها".
في كتابه «مبارك وزمانه .. من المنصة إلى الميدان» يقدم هيكل مبارك بأبعاد شخصية ونفسية، ليثبت منها أننا أمام رجل بلا تجربة سياسية حين بدأ العمل نائبا للرئيس، وأن طبيعة تكوينه تهزم أي محاولات للتعلم، وأن ثنائية «الموظف والمنفذ» تحكمت فيه منذ أن كان ضابطا طيارا، وحتى أصبح رئيسا، ويضعنا هيكل أمام طرق وبراهين لإثبات هذه الثنائية، بحكايات عن طريقة تعامل وأسلوب كلام مبارك مع غيره، وسرد وقائع سياسية غطت مصر نحو 40 عاما، وبعضها يستحق التوقف خاصة تلك الحكايات التي كان هيكل طرفا فيها.

د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com

تـــابــــع
 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية