اطبع هذه الصفحة


العجلة المحمودة والمذمومة في حياة المسلم (3)
استعجال المحرمات

د.محمد بن إبراهيم النعيم -رحمه الله-

 
بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
لقد خلقنا الله تعالى في هذه الحياة ليبتلينا؛ ليرى هل نمتثل أوامره عز وجل أم نخالفها ونتبع أهوائنا، ولقد أمرنا تعالى بالصبر بكل أنواعه، الصبرِ على طاعة الله والصبر عن معصية الله والصبر على قضاء الله تعالى، فالصبر عن معصية الله يكون بالكف عن الشهوات المحرمة.
وقد وعد الله تعالى من فعل ذلك أن هذه الشهوات ستكون له حلالاً يوم القيامة، أما من استعجل المحرمات والشهوات فانغمس فيها ولم يتب منها قد تحرم عليه في الآخرة.
لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بان الدنيا سجن للمؤمن ليس كل ما فيها يحل له، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) رواه مسلم، ومعناه أن المؤمن ممنوع في هذه الحياة من الشهوات المحرمة والمكروهة، فمن اتبع هواه وانغمس في الشهوات المحرمة ولم يتب منها حرمها في الآخرة.

لقد قرر علماء المسلمين قاعدة عظيمة فقالوا: من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، فهذا نبي الله آدم عليه السلام، استعجل الخلود في الجنة فأكل من الشجرة المحرمة، فكان أن أُهبط هو وذريته إلى الأرض، ألم تسمعوا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ؟ حيث روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حُرمَها في الآخرة) متفق عليه، قال النووي رحمه الله تعالى مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُحْرَم شُرْبهَا فِي الْجَنَّة وَإِنْ دَخَلَهَا، فَإِنَّهَا مِنْ فَاخِر شَرَاب الْجَنَّة فَيُمْنَعهَا هَذَا الْعَاصِي بِشُرْبِهَا فِي الدُّنْيَا، قِيلَ: إِنَّهُ يَنْسَى شَهْوَتهَا لِأَنَّ الْجَنَّة فِيهَا كُلّ مَا يَشْتَهِي، وَقِيلَ: لَا يَشْتَهِيهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا، وَيَكُون هَذَا نَقْص نَعِيم فِي حَقّه تَمْيِيزًا بَيْنه وَبَيْن تَارِك شُرْبهَا .

ومثل ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لبس الذهب من أمتي – يقصد الرجال- فمات وهو يلبسه حرم الله عليه ذهب الجنة) رواه الإمام أحمد.
وما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ) متفق عليه.
لقد كان سلفنا الصالح يترك الزائد من المباح خوفاً أن ينقص نعيمه في الآخرة حيث روى عبد بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: لا يصيب عبد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجاته عند الله وإن كان عليه كريماً.
وعندما دخل عمر بن الخطاب في بيت النبي صلى الله عليه وسلم رفع بصره في بيته فلم يرى فيه شيئا يرد البصر فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَكَانَ النبي صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئًا فَقَالَ: أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) حديث رواه البخاري، فكيف بمن يستعجل الحرام ويقع فيه؟

فمن استوفى طيباته وشهواته المحرمة واستعجلها في هذه الدار حرمها في الآخرة، ومن أجَّل الشهوات المحرمة لم يتركها إلا لله استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون.

إن انتشار القنوات الفضائية الهابطة التي تدعو مشاهديها إلى ممارسة الرذيلة هي من أكثر الأسباب التي تجر ضعاف الإيمان إلى ممارسة ما يشاهدونه، وها نحن نسمع ونقرأ عن كثرة انتشار جرائم الاغتصاب والاختلاء وسط الشباب والشابات، وها نحن نسمع بمسميات جديدة للزواج كالزواج السياحي والمسيار وغيرها من مسميات فيها تحايل على الشرع لممارسة الرذيلة، فالكثير أصبح لا يجرئ على مواجهة المجتمع بالزواج بامرأة ثانية وثالثة، ولكنه يجرئ على الوقوع في الحرام بنساء كثيرات.

إننا نسمع ونقرأ عن كثرة مصانع الخمور التي تديرها عمالة وافدة وتتساقط في أيدي رجال الأمن ولله الحمد، ولكن لو تساءلنا ما سبب كثرة هذه المصانع في معظم مدننا؟ لكان الجواب هو كثرة زبائنها ومن يطلبونها ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكذلك الحال في المخدرات وسائر المفترات.

فيالها من حسرة وندامة لمن يبيع أنهارٍ من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل ومفسد للدنيا والدين.
ويالها من حسرة وندامة لمن يبيع حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ببائعات هوى ماجنات.
وكم من إنسان استعجل تحصيل لذاته عن طريق الحرام، فوقع في فاحشة الزنى أو الشذوذ فكانت عاقبة أمره خسراً، وكان ذلك بداية غرقه في مستنقع الرذيلة والأمراض والعياذ بالله.

إن تعظيم حرمات الله سبحانه وعدم هتكها هو دليل إيمان العبد ودليل تقواه؛ لأن تعظيمها هو تعظيم لله الذي حرمها، لهذا بين سبحانه أن تعظيم هذه الحرمات خير وبركة على المسلم، فقال عز من قائل: }ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ{، كما بين رسوله أن قمة التعبد والعبودية لله هي في اتقاء المحارم والحرام، فقال صلى الله عليه وسلم : ((اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحبّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب)) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة،

فمن صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجل ما حرّم عليه قبل وفاته، عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته. قال تعالى موبخاً الكفار} وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ{ [الأحقاف: 20]

علينا أن نتأمل ونتفكر ونتعظ ونفرق بين النعيم الدائم في الجنة وبين اللذة العاجلة في الحياة الدنيا، اللذة المحرمة التي يرى صاحبها أنه استمتع بها لدقائق ولحظات لا تطول بل وسيعقبها ساعات الحسرة والندامة في الدنيا قبل الآخرة، وإلى أي مدى تستمر معه تلك النشوة والفرح بارتكاب ذلك المحرم؟! لو تدبر وتأمل ذلك المسكين حاله وأفاق من غفلته لأدرك الفرق الشاسع الذي لا مقارنة ولا تقارب معه بين لذة تدوم لحظات وبين لذة ونعيم أبدي سرمدي.

أنـت فـي دار شتـات فتـأهب لشتـاتِكْ
واجعـل الدنيـا كيـوم صمته عن شهواتكْ
وليكـن فطرك عنـد الله فِي يـوم وفاتـكْ

فنحن مأمورون باتقاء الشهوات المحرمة، قال صلى الله عليه وسلم : (إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى) رواه الإمام أحمد
لقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن النار قد حفت بالشهوات، فقال صلى الله عليه وسلم (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الصراط الذي سينصب على متن جهنم سيكون على جانبيه كلاليب من نار، ولذلك قال العلماء بأن هذه الكلاليب هي الشهوات، فمن وقع في شهوة محرمة كان في انتظاره على الصراط كُلاَّباً يخطفه ويقذفه في النار.

فالوقوع في الشهوات المحرمة كالزنا واللواط وشرب الخمور والنظر إلى النساء وسماع الغناء والكسب المحرم والتفكه في أعراض الناس وغير ذلك مما يُستلذ به- مما منع الشرع من تعاطيه- هي من الأسباب التي توقع صاحبها في النار والعياذ بالله. فلا تستعجلوا ما حرم الله عليكم، فهي حلال لكم في الآخرة، حرام عليكم في الدنيا ولا تكونوا ممن يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً ، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً }
جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

------------------------------------
كتب للمؤلف :
(1) كيف تطيل عمرك الإنتاجي ؟
(2) كيف ترفع درجتك في الجنة ؟
(3) كيف تحظى بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ؟
(4) كيف تنجو من كرب الصراط ؟
(5) أمنيات الموتى .
(6) كيف تملك قصورا في الجنة ؟
(7) أعمال ثوابها كقيام الليل .
(8) كيف تثقل ميزانك ؟
(9) كيف تفتح أبواب السماء ؟
(10) كيف تجعل الخلق يدعون لك ؟
(11) كيف تنجو من عذاب القبر؟
(12) ذنوب قولية وفعلية تكفرها الصدقة.
(13) أعمال أكثر منها النبي صلى الله عليه وسلم .
(14) كيف تسابق إلى الخيرات؟




 

د.محمد النعيم
  • مقالات
  • المؤلفات
  • الصفحة الرئيسية