اطبع هذه الصفحة


خواطر قرآنية قصيرة

إبراهيم بن عمر السكران


صدمة التذكر


والله إن مانتذكره من معاصينا لكافٍ بأن يوبق آخرتنا، فكيف إذا انضم إلى ذلك معاصٍ فعلناها ونسيناها، والله تعالى يقول (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) [المجادلة: 6] اللهم اصفح عن خطايا لانزال نذكرها، وخطايا نسيناها سنراها في صحائفنا حين نلقاك، اللهم لاتردنا خزايا عن باب عفوك ياجواد ياكريم.

الراضـون
من الأشياء التي تبتهج بها نفسي حين يتهادى إلى أذني صوت أحد كبار السن يذكر الله.. لا أدري لماذا يكون لزجل ذي الشيبة بالتسبيح وقع تنفسح به أرجاء النفس.. وأحس بسكينة غريبة تغشى المكان من حولي.. بل وأشعر أن ثمة توتراً يغادر المكان.. بمجرد أن تطفو همساتهم المتهدجة بعبارة "سبحااان الله.. سبحاااان الله".. وخصوصاً إذا كان في أواخر الليل وهم يحملون على أنفسهم إما لصلاة أو قراءة أوغيرها .. ومن الأمور التي كانت تشد انتباهي أن كل من رأيت من كبار السن الصالحين اللاهجين بذكر الله، أنهم يعيشون "رضا نفسي" عجيب ومدهش.. لا أعرف أحداً من كبار السن الذاكرين لله إلا ولاحظت في روحه طيب الخاطر والانشراح والرضا الذاتي..
وبكل صراحة فإنه لم تكن الظاهرتان مرتبطتان في ذهني بصورة واضحة، ولكن قبل أيام يسيرة مرت بي آية من كتاب الله كأنها كشفت لي سر هذا المعنى، وكيف يكون التسبيح سائر اليوم سبباً من أسباب الرضا النفسي، يقول الحق تبارك وتعالى:
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) [طه:130]
لاحظ في هذه الآية كيف استوعبت سائر اليوم.. قبل الشروق والغروب، وآناء الليل التي هي ساعاته، وأول النهار وآخره، ماذا بقي من اليوم لم تشمله الآية بالحث على التسبيح؟ ولذلك شرع الله في هذه المواضع أعظم التسبيح وهي الصلاة، والرضا في هذه الآية عام في الدنيا والآخرة..
فسبحان من جعل النفوس ترتوي بالرضا من ينابيع التسبيح.. وكم نحن مغبونون في أيام وليالي وسنين تصرمت دون أن نعمر آناء الليل وأطراف النهار بالتسبيحات.. ياخسارة تلك السنوات.. فسبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.. اللهم اجعلنا لك من المسبحين..

ابوعمر ربيع الآخر 1431هـ
 



خـــاطرة قرآنــية

تلاحظ دوماً أن ثمة علاقة تنمو تدريجياً بين "التفريط الديني" وبين نزعة "التهكم بالمتدينين".. مالسبب ياترى في هذه العلاقة الحميمية بين التفريط والسخرية؟ الحقيقة أن الإنسان منذ أن يتعثر في أودية التفريط تحاصره لسعات التأنيب الداخلية.. ومن أشد مايؤذيه لحظات الإخلاد الهادئة حين يستعرض شريط التناقض بين المطلوب والواقع..

والنفس البشرية عادة تدفع باتجاه الانسجام الداخلي والتخلص من التناقضات.. فإما أن يعدل الإنسان سلوكه لينسجم مع قناعته.. وهذا هو سلم الصلاح.. وإما أن يعدل من قناعته لتنسجم مع سلوكه.. وهذه منحدرات الضلال.. أما حالة الكدمات المتواصلة بين القناعة والسلوك فهي حالة مؤذية جداً.. وهذا مايجعل النفس البشرية الضعيفة تفرح بالفتوى المتساهلة لأنها تشل عنها تلك الطرقات الداخلية المستمرة.. ولذلك لخص السلف هذه الحالة في عبارة مجازية تدلك على جمع السلف بين دقة التفكير والبلاغة الأدبية حيث قالوا (المعاصي بريد الكفر)..
حسناً .. كيف يتخلص الإنسان كلياً من ضغط التأنيب الداخلي؟ الحقيقة أن السخرية بالمتدينين من أهم الوسائل التي توفر للإنسان الراحلة الكلية من هذه الضغوط.. وضع الصورة المطلوبة في قالب هزلي يبدد نفوذها على النفس البشرية .. ولذلك نبه القرآن إلى هذه العلاقة بين "التفريط" و "السخرية" فقال تعالى:
(أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) [الزمر: 56]

ابوعمر
صفر 1431هـ


 

إبراهيم السكران
  • كتب ورسائل
  • مقالات
  • مراجعة كتب
  • الصفحة الرئيسية