اطبع هذه الصفحة


مبادرة صيام الزنازين

طارق حسن السقا

 
المبادرة التي قادها الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بمباركة دولة قطر للإفراج عن الشيخ عمر عبد الرحمن- الزعيم الروحي لـ "الجماعة الإسلامية" - والذي يمضي حاليًا عقوبة السجن مدى الحياة بالولايات المتحدة و نقله ليقضي بقية حياته بإحدى الدول الإسلامية مبادرة أتمنى أن تتكاتف جهود المخلصين في الأمة من أجل العمل على توسيع مفهومها وتطوير مغزاها .

فلقد جاءت هذه المبادرة في هذا الوقت لتفتح المجال للحديث عن آلاف المعتقلين الإسلاميين داخل سجون البلاد العربية الإسلامية من الخليج إلى المحيط ، هؤلاء المعتقلين الذين اكتظت بهم السجون لأسباب عديدة معلومة للجميع - ليس المجال الخوض فيها الآن . ولكن المبادرة التي يقودها الدكتور القرضاوي, والمرونة التي أبدتها الولايات المتحدة , والدور الإيجابي الذي تقوم به دولة قطر في قضية الدكتور عمر عبد الرحمن أغرتنا إلى الدعوة إلى توسيع هذه المبادرة الجريئة وتطويرها , وتولية وجوهنا بها شطر حكومات بلادنا , وبني جلدتنا علنا نضع لهذه النزيف حدا .

فلماذا لا يقوم الدكتور القرضاوي و كتيبه- مختارة - من العلماء والحكماء والمخلصين من أبناء الأمة بالقيام بتطوير هذه المبادرة وتحويلها إلى مبادرة أعم وأشمل يخاطبون من خلالها الحكومات في بلادنا الإسلامية للنظر في أمر الآلاف من الشباب المسلم المغيب في السجون منذ سنوات طوال . ولتكن هذه المبادرة بداية جديدة و صفحة جديدة بغية الخروج ببلاد المسلمين من هذا النزيف في هذا الوقت الذي يقف فيه الذئب الصهيو- أميركي على العتبات منتظرا سنوح الفرصة لابتلاع بلاد المسلمين بما فيها ومن فيها .

مبادرة جديدة فيها يحاور العلماء والحكماء من أبناء أمتنا كلا الطرفين : الحكومات و شباب الحركات الإسلامية على حد سواء . حوار يقصد منه التوصل إلى اتفاق يهدف في المقام الأول إلى تأهيل هؤلاء الشباب للتخلي نهائيا عن فكر العنف و التفجير, والتقتيل , والإرهاب الذي جلب الكوارث لبلادنا , وشوه إسلامنا , وغيب الآلاف من شبابنا داخل السجون بلا طائل ولا مردود . حوار يقصد منه دفع هؤلاء الشباب إلى الانخراط في مجال الدعوة الله على بصيرة . حوار يقصد منه التوصل إلى ميثاق يضع بنوده العلماء والحكماء في الأمة تلتزم به كل الأطراف يضمن صالح البلاد والعباد .

إنه لمن العبث أن نظل ومنذ أكثر من نصف قرن نكرر سيناريو واحد مع شباب الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي وفي كل مرة نتوقع أن نحصل على نتائج مغايرة . فالواجب يدعونا اليوم أن نبحث عن سيناريوهات جديدة مع هذه الجماعات لأنه لا التضييق , ولا التشويه , ولا الحظر , ولا السجن , ولا التشريد , ولا الحرب العالمية على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها , ولا رفع مكافأة القبض على أسامة بن لادن إلي 50 مليون دولار , ولا العنف الباكستاني في إنهاء أزمة المسجد الأحمر نجح في إبعاد , أو تعطيل , أو جعل هذه الحركات تحيد عن أفكارها أو تحيد عن مبادئها ، فلماذا لا نبحث عن سيناريوهات مغايرة علنا نصل إلى نتائج مغايرة مع تلك الجماعات .

مبادرة يقصد منها العمل على تبصير و تنوير هؤلاء الشباب بضرورة دحض فكر العنف والإرهاب والتقتيل والتفجير الذي يؤمن به بعضهم . ولن يتأتى ذلك إلا بعد أن يسمع هؤلاء الشباب من علماء الأمة مباشرة فلا يفل الحديد إلا الحديد . لابد أن يجلس هؤلاء الشباب مع العلماء يحاورنهم , ويناقشونهم , ويجادلونهم بالتي هي أحسن بغية الرجوع إلى الحق . وليس بغية كسب مواقف أو تسجيل نقاط . خاصة وأن بعض هذه الجماعات ( الجماعة الإسلامية في مصر ) كانت لديهم الجرأة والشجاعة على إعلان التبرؤ من العنف الذي ارتكبوه سابقا , ونبذه نهائيا وهذا مما يشجع ويغري باتخاذ الخطوة الأولي في هذه المبادرة .

مبادرة يقصد منها العمل على تبصير الإدارات الحاكمة في بلادنا بأخطائها والمآخذ التي أخذت عليها بشأن هذا الملف وغيره . مبادرة يقصد منها العمل على تبصير الإدارات الحاكمة بضرورة تغيير إستراتيجية العنف في مواجهة هؤلاء الشباب , والتعامل معهم كمجموعة من أبناء الوطن ضلت طريقها وتحتاج إلى تقويم ، يدلا من التعامل معهم كأعداء يجب سحقهم, وإبادتهم, والقضاء عليهم . مبادرة يقصد منها العمل على تبصير الإدارات الحاكمة بضرورة التخلي عن المعالجات الأمنية في معالجة ظاهرة العنف في بلادنا والتي أثبتت الأيام فشل هذه السياسة أيما فشل . فنحن لا نغالي إذا ما قلنا أن أحد أهم أسباب تنامي ظاهرة العنف في بلادنا وتصديره إلى خارج حدود الدائرة هو الإصرار على التعامل مع هؤلاء الشباب أصحاب الفكر بالشومة, والكرباج , والضرب في سويداء القلب كما كان يأمر – على سبيل المثال - وزير الداخلية المصري الأسبق زكي بدر الذي لطالما قال: :
أنا على الاستعداد إن أنا أفرم 10% من
الشعب المصري مقابل يعيش الـ90% الآخرين .
وذهب زكي بدر- الفرد - ومن هم على شاكلته وتركوا في قلب الأمة جرحا لم يندمل حتى اللحظة

اعلم أن الموضوع ليس بهذه البساطة التي أتناول بها عرض الأفكار على الورق . فالموضوع شائك ويحتاج إلى جهود مضنية. كما أعلم تماما أن هناك من سينظر إلي هذا الأمر بقدر من الاستخفاف لكون الموضوع فوق تفكيره وقدراته . ولكنه أبدأ ليس فوق مستوي أصحاب الهمم القممية, والإرادات الحديديةوليس فوق مستوى تفكير المخلصين من أبناء الأمة وهم كثر في الأمة بفضل من الله ونعمة. فكل من يعلم خطورة استمرار نزيف هذا الصراع العبثي بين الحكومات وشبا ب الحركات الإسلامية في بلادنا عليه أن يعمل جاهدا مع المخلصين لوقف هذا النزيف .

ليكن رمضان القادم موعدا نرسم فيه البسمة على شفاه الآلاف ممن غيبوا في السجون لعشرات السنين . ليكن رمضان القادم موعدا تصوم فيه السجون والمعتقلات والزنازين مع المسلمين في أرجاء عالمنا الإسلامي الفسيح . ليكن رمضان القادم بداية لتوحيد الجهود صوب تطوير بلادنا , و عمارة أرضنا التي نعيش عليها , بعقول أبنائنا الذين ولدوا عليها , بالطريقة التي يريدها ربنا عز وجل , لصالح شعوبنا التي عانت الكثير والتي آن الأوان أن نرد لها الجميل بعيدا عن ثقافة العنف ولغة الرصاص . فكل هذا لا يخدم إلا أعداءنا , ويشوه إسلامنا وهذا هو الأخطر والأهم . فهل يسعى حكماء الأمة لمبادرة تصوم فيها زنازين سجوننا مع المسلمين في رمضان القادم, أو الذي يليه, أو الذي يليه ؟.

طارق حسن السقا
alsaqa22@hotmail.com.
 

طارق السقا
  • الفرد المسلم
  • الأسرة المسلمة
  • المجتمع المسلم
  • الحكومة المسلمة
  • أستاذية العالم
  • أعداء الأمة
  • الصفحة الرئيسية