اطبع هذه الصفحة


جراديون حتى آخر رمق

طارق حسن السقا

 
في كل مجتمع تتزايد فيه مساحات الفساد, تتزايد فيه مساحات الفهلوة. وفي كل مجتمع تنحصر فيه مساحات العدالة والحرية, تتزايد فيه مساحات الشطارة. ومن ثم تتزايد أعداد الوصوليين , والانتهازيين , والمتسلقين على أكتاف الكبار. في مثل هذه المجتمعات تترعرع فلسفات خاصة أمثال :
"الرزق يحب الخفية" و " يا بخت من كان النائب خاله " و"من جاور السعيد يسعد" و " شيلني وأشيلك " إلى آخر هذه الفلسفات الانتهازية , التي هي أخطر وأقسى ما يدمر المجتمعات ويجعلها تشيخ وتهرم قبل الأوان .

في هذه المجتمعات تبرز شريحة من الشطار ( بمعناها العامي والفصيح ) , هذه الشريحة تجيد استغلال هذا الفساد وتستثمره لصالحها أيما استغلال . هؤلاء الشطار يؤمنون بأن التعلق بحبال أهل السلطة , والسير في كنفهم , والوقوف على أبوابهم , والانتظار رهن إشاراتهم, وتلبية أوامرهم ؛ هو أقرب طريق للوصول للقمة بدون عناء ؛ كما أنه أسهل طريق لتحقيق المزيد من المآرب الشخصية بأقل جهد ممكن . هؤلاء مؤهلون نفسيا للأكل على كل الموائد , و التصفيق لكل قرار, وتلميع كل زمان , وتحسين كل قبيح , وتقبيح كل حسن . هؤلاء يؤمنون بأنه لا مانع أبدا من أخذ خطوة للخلف من أجل خطوتين للأمام ؛ مصالحهم الشخصية مقدمة على المصلحة العامة التي لا تشغل أدني حيز من بالهم ولا تفكيرهم . فما أشبههم بالجراد يلتصق بثدي الدابة , يمتص دمها , وينحل جسدها , ويعيش على قوتها طيلة حياته .

إن هؤلاء
" الجراد يون " عندما يقومون بهكذا دور في المجتمع ؛ إنما يحدثون فيه تصدعات مميتة , وشروخ عميقة . فعندما يرى المشمرون , والمجتهدون, والمتميزون , والمتفوقون أنهم مهمشون في المجتمع , بينما أمثال هؤلاء الشطار مقربون ؛ عندما يشعر أصحاب الكفاءات , والقدرات , والمهارات بأنهم منبوذون بينما كتيبة " الجراديون" يحكمون , ويُنظرون , ويشرعون ؛ عندما يرى العلماء , والفضلاء , والحكماء , أنفسهم خلف القضبان ؛ بينما مدمني لعق النعال يتصدرون ؛ فإن كل هذا مما يهدم المجتمع ويحكم عليه بالشيخوخة والموت البطيء.

هذه السياسية عندما تنتشر في المجتمع وتشيع , ينجم عنها شيوع وانتشار روح السلبية بين أفراد هذا المجتمع. فلسان حال قطاع عريض من المنبهرين بهؤلاء المحظوظون يهتف مع كل طلعة شمس : بأنه لا داعي لبذل الجهد من أجل الإبداع , أو الاجتهاد , أو التفوق ؛ إنما الداعي اللازم اللازب في هكذا مناخ هو بذل الجهد صوب التعلق بحبال الحكام (للطموحين) , أو السير في كنف الوزراء ( للقنوعين ) أو الوقوف على أبواب الكبار( للمتواضعين ) . ويصير هدف شريحة كبيرة في المجتمع مجرد الحلم بـأن يتعلقوا بالحبال , أو يقفوا على الأبواب ليكونوا من أصحاب الحظوة. وهذا - أيضا - مما يهدم المجتمع ويحكم عليه بالشيخوخة والموت البطيء.

إنك إن دققت النظر - في كل شبر من حولك - ستجد حقيقة كبيرة مفادها : أنه وراء كل جراد كبير, مأساة كبيرة , لمظلوم كبير في المجتمع . فهذا طالب متفوق يستحق التعيين ولم يعين ولكن سلب حقه من لا يستحق , وهذا شاب متميز يستحق البعثة ولكنه لم يُبتعث ؛ وهذا موظف كفء يستحق الترقية ولم يترق للسبب نفسه ؛ وهذا ...... , وهذه ...... وهؤلاء...... كلهم يحكون قصصا وحكايات تحمل العديد من المآسي , والسبب الرئيسي هو أن من لا يملك أعطى لمن لا يستحق. وعندما يتصدر في المجتمع من لا يستحق فإن هذا – أيضا - مما يهدم المجتمعات ويحكم عليها بالشيخوخة والموت البطيء .

ولا أدري عزيزي القارئ هل تمنيت ذات مرة - مجرد تمني - أن تكون مثل ( س ) الذي تأتيه الدنيا حتى عتبات بيته لأنه من المقربين؟ أو ندبت حظك ذات مرة لأنك لست مثل ( ص ) الذي لا يعجزه شيء في مؤسسات الدولة- شرعي كان أم غير شرعي - لأن كل مؤهلاته أنه جراد كبير ؟ أو هل ُأصابتك لوعة حزن وأسى لأنك لست مثل ( ع ) الذي تغيرت حياته 180 درجة بسبب قربه من الكبار ؟ أو هل قلت بينك وبين نفسك ذات مرة : ( يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون) ؟ , أو على الأقل مثل ما أوتي رجال قارون , أو أتباع قارون أو صبيان قارون ؟. هل تمنيت يوما أن تكون جرادا كبيرا مثل هؤلاء ؟ أم أنك من المؤمنين بالمثل الفارسي القديم الذي يقول :
" لا الملك معرفة ولا البحر جار "؟ ( أي لا تتعرف إلى الملك , ولا تجاور البحر فكلاهما غدار ).

وهنا يجب على كل من يفكر في تحقيق أحلامه الشخصية , أو طموحاته الخاصة عبر هذه البوابة , أو من يعيش الآن مرحلة الحلم والمحاولة , أو يعيش ألآن مرحلة التخطيط , أو يمر بمرحلة التنفيذ الفعلي لتحقيق أحلامه الخاصة , وطموحاته الشخصية عبر هذه البوابة سواء بتصفيق لفاسد , أو بتهليل لباطل ؛ أم بتفريط , أو بتقصير, أو بمداهنة ؛ على هؤلاء جميعا مراجعة أنفسهم قبل فوات الأوان . عليهم الإنصات لنصيحة نبي الله عيسى- عليه وعلى نبينا الصلاة و السلام- لما نصح المؤمنين في كل زمان ومكان بقوله :

" تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي ,
وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم ,
والتمسوا رضا الله بسخطهم " .

ولما سألوه : يا روح الله فمن نجالس إذن ؟؟؟ فقال :

" جالسوا من تذكركم بالله رؤيته ,
ومن يزيد في عملكم كلامه ,
ومن يرغبكم في الآخرة عمله "..

هؤلاء هم من يجب أن نتقرب منهم , هؤلاء هم من يجب أن تتوق إليهم أنفسنا , هؤلاء هم من يجب أن نتزاحم على أبوابهم , ونعيش في كنفهم , ونتسلق على أكتافهم , بل و ننام تحت أقدامهم طمعا فيما هو خير وأبقى . هؤلاء هم من يجب أن نحبهم لننال- على اقل التقديرات - فضيلة الحشر معهم يوم القيامة . فكما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم": (يحشر المرء مع من أحب ). وكما يذكرنا عبدالله بن مسعود بقوله :

" والله الذي لا اله إلا هو
لو أن رجلا قام بين الركن والمقام
يعبد الله سبعين سنة
لبعثه الله من مع أحب "

وكأنه يقول لنا جميعا : مهما أدى العُباد من عبادات , ومهما حسنت هذه العبادات , ومهما طالت أزمنة هذه العبادات , ومهما تقدست أماكنها , فلن يمنعنا ذلك كله من أن نحشر مع من كنا نحب ونؤيد , ونكتوي بنير من له كنا نصفق ونبايع , ولطول بقائه نهلل ونبارك .

إن تفشي ظاهرة
" الجراد يون " في المجتمع تجعل من الواجب علينا جميعا التذكير بأن الله خلقنا أغنياء وفقراء , حكام ومحكومين , وزراء وخفراء , لا لشيء إلا ليبتلينا , ويختبرنا , ويمتحننا . فلا يغيب عنا هذا البعد , كما لا يغيب عن ذهن كل لبيب أن هذه الأيام دول والله يقول : " وتلك الأيام نداولها بين الناس "( ال عمران 140) فلن يظل الغني غنيا , ولا الفقير فقيرا ؛ لن يظل الحاكم حاكما , ولا المحكوم محكوما ؛ لن يظل المريض مريضا ولا الصحيح صحيحا ؛ لن يظل الكبير كبيرا , ولا الصغير صغيرا ؛ ولكنها الحقيقة الكبرى التي يجب ألا تغيب عن أذهاننا : حقيقة المداولة بين الناس , والتي هي سنة من سنن الله الكونية ؛ تلك السنة التي يجب أن ندركها و نعيها , لنعيش مطمئنين بأقدار الله , أعزاء بإتباعنا لأوامره , خاضعين له وحده دون غيره من المحاويج , وأتباع المحاويج , وصبيان المحاويج من عباد الله في أرض الله .


طارق حسن السقا
alsaqa22@hotmail.com

 

طارق السقا
  • الفرد المسلم
  • الأسرة المسلمة
  • المجتمع المسلم
  • الحكومة المسلمة
  • أستاذية العالم
  • أعداء الأمة
  • الصفحة الرئيسية