اطبع هذه الصفحة


المياه وزوال الدولة اليهودية

طارق حسن السقا

 
في عام 1992م قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تخصيص يوم 22مارس من كل عام يوما عالميا للمياه , ودعت كل الدول الأعضاء الاحتفال بهذا اليوم من أجل لفت أنظار القاصي والداني إلى أهمية الحفاظ على الموارد المائية في كل مكان . ولقد احتفلنا منذ أيام باليوم العالمي للمياه في وقت تتدهور فيه مصادر المياه‌ - کما ونوعا - في أغلب مناطق العالم .
وفي القمة العربية الأخيرة والتي انعقدت في دمشق كان من بين البنود المطروحة أمام القادة العرب بندا حول الأمن المائي العربي واغتصاب إسرائيل للمياه من الأراضي العربية المحتلة . وفي نهاية المؤتمر أدان القادة العرب الممارسات الإسرائيلية في هضبة الجولان والمتمثلة في الاستيلاء على الأراضي , وسرقة الموارد المائية , وإقامة السدود التي تحرم أبناء البلد الأصليين من المياه اللازمة لري مزروعاتهم .

والحقيقة أن الممارسات الإسرائيلية المتتالية في تهديد الأمن المائي العربي أمر يجب ألا يواجه بالشجب أو الإدانة. إنما يجب أن يبرز الأمر إلى بؤرة اهتمام الشعوب قبل القادة والساسة العرب . كما ويجب أن تتبوأ هذه القضية مكانتها و تأخذ حقها من تفكير الأجيال العربية جيلا بعد جيل إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا .

فالمعروف أن الدولة الصهيونية قامت على فلسفة ذات محاور ثلاث وهي : ( تشجيع الهجرة شرط توفير المياه عن طريق استخدام القوة في الاستيلاء على الأرض) . وانطلاقا من هذه الفلسفة ثلاثية الأبعاد تنبثق معظم تحركات الدولة اليهودية قديما وحديثا .

ففي عام 1948م لما أقر لصوص المجتمع الدولي حدود الدولة اليهودية ,وكانت المساحة الجغرافية لهذا الكيان يومها لا توفر إلا جزءا قليلاٌ من الموارد المائية , وأمام تزايد عدد المهاجرين إلى الكيان الجديد , تزايدت الحاجة إلى المزيد من المياه , فكان عدوان 1948م على الدول العربية بهدف الحصول على الأرض والمياه العربية بالقوة .

وفي 1967م افتعلت إسرائيل الملابسات التي أدت إلى نشوب الحرب وقامت بعدوانها على مصر, وسوريا , والأردن. و من وراء هذا العدوان استطاعت إسرائيل تحقيق أكبر قدر من الأهداف بالاستيلاء على الأرض- وليتها كانت أي أرض- ولكنها كانت الأراضي الغنية بالمياه . فلقد استطاعت الدولة اليهودية خلال هذه الحرب إيقاف إشغال بناء سد الوحدة على نهر اليرموك , وتحويل مياه نهر الأردن , واحتلال الجولان السوري الذي يعتبر الخزان المائي للمنطقة , والذي تنطلق منه العديد من الأنهار اللبنانية والأردنية . وبالتالي تمكنت إسرائيل من السيطرة على منابع الأردن ومياه القدس العربية , والضفة الغربية , وغزة , وأخيرا شبه جزيرة سيناء. وكان ذلك من أجل مواجهة احتياجات المهاجرين الجدد إلى إسرائيل من المياه , و لك أن تعلم أنه وبعد حرب يونيو 1967م كانت 55% من المياه التي تستخدمها الدولة اليهودية تأتيها من خارج حدودها.

وفي 1988م اجتاحت الدولة الصهيونية جنوب لبنان بالقوة وارتكبت العديد من الانتهاكات , وكان من أبرز أهدافها آنذاك السيطرة على مياه نهر الليطاني . وكان دافع إسرائيل الأهم من وراء كل هذه الحروب هو توفير المياه لمواجهة احتياجات أعداد المهاجرين المتزايدة . فإسرائيل تتحرك ومازالت تتحرك وهي واضعة نصب أعينها أنه كلما ازدادت أعداد المهاجرين ازدادت حاجتها إلى الأرض , وكلما ازدادت حاجتها إلى الأرض ازدادت حاجتها إلى المياه , وكلما ازادت حاجتها إلى المياه افتعلت الأزمات واستولت على الأراضي الغنية بالمياه .

ولكن مؤخرا ومع تغيير الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة , وانهيار السمعة العسكرية الإسرائيلية ( بدء من حرب اكتوبر1973م , مرورا بحرب لبنان 2006م , وصولا إلى اجتياح غزة الأخير أوائل 2008م ) تغيرت سيناريوهات الدولة اليهودية لتأمين حاجاتها من المياه . وبدأنا نسمع عن أفكار ومقترحات جديدة كلها تعكس مدى الهلع الإسرائيلي لمواجهة قلة المياه. فلقد سمعنا خلال العقدين الماضيين عن أفكار على غرار:-

• فكرة ناقلات المياه على غرار ناقلات البترول .
• فكرة إنشاء سوق دولية للمياه.
• فكرة إعادة توزيع المياه في المنطقة لإحكام استغلالها نظرا لمحدودية هذا المورد في المنطقة وارتباط أي نشاط اقتصادي أو اجتماعي به.
• فكرة التدخل الدولي لمكافحة سوء استخدام المياه في كثير من الدول العربية المطلة على الأنهار الكبرى مثل النيل , ودجلة , والفرات خاصة في مجال الري وإجبار هذه الدول على استعمال المياه بالشكل الأنجع .
• طرح فكرة أن المياه يمكن أن تكون كأي سلعة اقتصادية قابلة للتعامل الاقتصادي والتحويل .
• فكرة التشهير بسوء إدارة المياه بالبلدان العربية .
وكلها أفكار تعكس مدى الهلع الذي أصاب الدولة اليهودية , خاصة وأن كل الدلائل تشير إلى أن الدولة اليهودية ستواجه أزمة مائية طاحنة في العقود الأولى من القرن الحالي.

ومما يؤكد اتساع مساحات الهلع لدى الكيان الصهيوني من مجاعة مائية مرتقبة أنهم فكروا في توصيل البحرين الأحمر والمتوسط بالبحر الميت , إلا أن الدراسات أثبتت فشل هذه الفكرة , وثبت أن هذا الاتصال سيسبب ارتفاع نسبة الجبس في المياه مما يؤدي إلى تغير التوازن الكيميائي في البحر الميت , كما أنه سيؤثر على الإمكانيات السياحية والملاحية هناك , وبالتالي فشلت الفكرة.

كما أن الدولة اليهودية فكرت في استيراد المياه من أماكن عدة في العالم و من بينها تركيا . وتتلخص الفكرة في قيام السفن الإسرائيلية العملاقة بنقل المياه من تركيا من مصب نهر (يانا فيجان) في الجزء الجنوبي الأوسط من البحر المتوسط , غير أن هذه الفكرة فشلت بسبب إصرار إسرائيل على أن يكون سعر المتر المكعب 1.5 دولار . وهذا ما رفضته تركيا في عام 1995م .
بعد ذلك اقترح الجانبان أفكارا أخرى منها أن تنقل المياه إلى الدولة اليهودية عن طريق أكياس (الميدوسا) وهي أكياس عملاقة يحمل الكيس الواحد منها مليون متر مكعب , تصل إلى غزة ومنها إلى إسرائيل . ويومها قدر الخبراء أن سعر المتر المكعب الواحد لن يتجاوز 25 سنتاٌ . وكانت المياه هي أحد أسباب التقارب الإسرائيلي التركي الذي ظهرت بوادره في النصف الثاني من عام 1997م وأدى هذا التقارب إلى ظهور موجة من الغضب في العالم العربي آنذاك .
كما أن التواجد الإسرائيلي اللافت في إفريقيا يصب في نفس الاتجاه . فلقد بدأت إسرائيل بالتسلل إلى إفريقيا تحت مسميات مختلفة , كان الهدف من وراء كل هذا التسللات ضمان تدفق المياه والحصول عليه عند الحاجة بأقل التكاليف . ويرى الكثيرون أن التواجد الإسرائيلي في إفريقيا عامة وفي دول حوض النيل خاصة سيتزايد في الفترات القادمة تزايدا سيشكل للدولة العربية- ولاسيما مصر - قلقا إذا لم تتحرك التحركات التي تتناسب مع قيمة الحدث وخطورته .

وعقب موجة الجفاف التي صاحبت فصل الشتاء الماضي , صرح المسئولون في إسرائيل أن سلطة المياه اجتمعت من اجل التخطيط للاستعداد لمواجهة اخطر أزمة واجهتها إسرائيل في العشر سنوات الأخيرة كما قالت صحيفة هاآرتس( بتاريخ 11/ ابريل/ 2008م ) . وكانت هناك حزمة من الأفكار التي عرضت للبحث والمناقشة من اجل مواجهة أزمة المياه داخل إسرائيل ومنها :

• محاولة سلطة المياه في إسرائيل العمل على تقليل معدل الاستهلاك المنزلي بشتى الطرق
• التفكير في رفع أسعار المياه المستخدمة في ري الحدائق المنزلية وما شابهها .
• فرض قوانين تحظر ري أي من الحدائق في الفترة مابين شهري ( نوفمبر إلى ابريل ) والسماح بالري في بقية الشهور الأخرى فقط ما بين الساعة السابعة مساء إلى السابعة صباحاً. ليس بهدف تجفيف الحدائق بل زيادة جدوى استعمال الماء.
• اتخاذ المزيد من الخطوات التي تؤدي إلي زيادة المعروض من المياه .
• التفكير في التنقيب عن المزيد من المياه الجوفية في مناطق جديدة داخل حدود الكيان الإسرائيلي .
• إعادة استعمال آبار الماء.
• زيادة قدرة المحطات على رفع كميات إنتاج مياه التحلية .

ومن كل ما سبق يتضح أن مساحات الهلع الإسرائيلي من تناقص مواردها المائية تتزايد , كما تشير كل الدلائل أن إسرائيل ستواجه اخطر مشكلة يمكن أن تهدد كيانها في العقود القليلة القادمة , فمن المعروف أن إسرائيل تعتمد بصفة عامة على تحلية المياه .غير أن التحلية لن تسد احتياجات إسرائيل المتنامية. فلقد بلغ استهلاك إسرائيل من المياه 1985م 1.2 بليون متر مكعب , ووصل سنة 2000 م إلى 2.1 بليون متر مكعب ويتوقع أن يصل 2020 م إلى 3.6 بليون متر مكعب . وهناك تكمن الأزمة ومعها تبرز معها أكبر نقطة ضعف تهدد كيان الدولة الصهيونية .

إن نقطة المياه في السنوات القادمة هي التي ستحدد مصير كثير من الدول , وإن منطقة الشرق الأوسط ستشهد وقبيل انقضاء الثلاثين سنة الأولى من القرن الحالي صراعات دامية بسبب نقطة المياه . كما سيواجه العالم مجاعة مائية قبل انقضاء الربع الأول من القرن الحالي . لكن تبقى دلالة إستراتيجية لا بد من الإشارة إليها , الانتباه إليها في نفس الوقت وهي : أن الدولة اليهودية ستقدم على فعل أي شيء من أجل ضمان توفير وتأمين مزيد من الموارد المائية لها داخل وخارج الحدود الحالية وهذا ما يجب الانتباه إليه , كما ويجب الانتباه إلى أن شعار الدولة العبرية
( من النيل إلى الفرات) لم تتخذه الرأس اليهودية عبثا , وإنما جاء هذا الشعار ليضع هدف تامين المياه للكيان الصهيوني دوما أمام أعين القادة اليهود عبر السنين. فهل تنجح إرادة القادة اليهود في استمرار تأمين المياه لدولتهم ؟ أم تكون المياه هي الجندي - وما يعلم جنود ربك إلا هو - الذي سيساهم في زوال دولة إسرائيل ؟

طارق حسن السقا
alsaqa22@hotmail.com

 

طارق السقا
  • الفرد المسلم
  • الأسرة المسلمة
  • المجتمع المسلم
  • الحكومة المسلمة
  • أستاذية العالم
  • أعداء الأمة
  • الصفحة الرئيسية