اطبع هذه الصفحة


التربية وبناء الإنسان

طارق حسن السقا

 
يعرف المختصون التربية بأنها عملية يُقصد بها تنمية وتطوير قدرات ومهارات الأفراد من أجل مواجهة متطلبات الحياة بأوجهها المختلفة , كما وأنها عملية بناء شخصية الأفراد بناء شاملاً كي يستطيعوا التعامل مع كل ما يحيط بهم , أو التأقلم والتكيف مع البيئة التي يعيشون بها . ويجمع المختصون على أن التربية لا تقتصر على الأفراد وحسب, إنما لا بد وأن تشمل الفرد والمجتمع سواء بسواء . لذلك تعتبر التربية من أهم العوامل التي تزيد من تماسك وتقوية أي مؤسسة أو كيان كبر هذا الكيان أم صغر. بل وتعتبر القوة الأساسية التي بها نستطيع تحقيق أعلى معدلات إنجاز نطمح إلي تحقيقها في مختلف مجالات حياتنا . ولقد أثبتت الأيام أن أية قوة تهمل مبدأ التربية فإنها تهمل تحقيق معدلات الإنجاز التي تستهدف تحقيقها .وبالتالي فهي تحكم على نفسها بالفناء .

وفي السطور التالية يطيب لي أن أعرض لثلاث تجارب عالمية نجحت في تحقيق أهدافها لما نجحت في بناء الإنسان واستثمار مبدأ التربية .

أولاً : التجربة الإسلامية
إذا عدنا إلي الجزيرة العربية - وبالتحديد إلى مكة - يوم أن اتصلت السماء بالأرض عن طريق جبريل الأمين الذي نزل بالوحي المبين على قلب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , نجد أن هذا الدين الجديد بدأ بمنهج عظيم , وأفراد قلائل , وقائد يتلقى عن ربه . كان القائد - صلى الله عليه وسلم - يجيد فن التربية أيما إجادة , كما كان يُتقن فن بناء الإنسان وتطويره وتنمية قدراته , واستغلال طاقاته أيما استغلال , فظل- صلى الله عليه وسلم - يتعهد هؤلاء الرجال بالتربية , والتعليم , والتدريب , وتطوير الذات . ظل يربيهم , وينميهم , يرعى قدراتهم , ويطور مهارتهم دونما فصلٍ بين العلم والعمل ، أو تفريقٍ بين الفكر والممارسة .

لقد ركز- صلى الله عليه وسلم – مع صحابته الأخيار على مبدأ التربية - في صبر وأناة دونما تضجر أو تأفف - حتى صلبت أعواد الرجال , وتشربت روح المنهج. وقبلها لم يفكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) في القفز صوب الأهداف الكبرى إلا بعدما بلغت التربية - بشعابها المختلفة - مبلغها في النفوس , وبعدما تغلغل الفهم العميق لهذا المنهج العظيم قلوب الرجال , وبعدما فهم كل فرد منهم دوره في هذه الحياة , وبعدما برزت الأهداف أمامهم في وضوح وبساطة (عبر عن هذا الفهم ربعي بن عامر في حديثه مع رستم عظيم الفرس بقوله "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".)

بعدها خرج هؤلاء المغاوير يواجهون قوى الباطل المحلية والعالمية شيئا فشيئا , يروضونها تارة , ويهذبونها تارة , ويقومونها تارة , ويستوعبونها تارة , ويسحقونها تارة أخرى حتى دانت لهم الأرض في فترة زمنية قصيرة , وسعد بهم الزمان والمكان , حتى الطير الحيوان , والشجر والحجر , وقبل كل أولئك الإنسان في كل مكان .

ظل المسلمون ينتقلون من نجاح إلى نجاح , ومن نصر إلى نصر إلى أن حل اليوم الذي تخلوا فيه فعليا - وليس نظريا - عن مبدأ التربية . ونتج عن ذلك أن ماعت شخصيتنا , وانعدمت هويتنا , و أصبحنا نتخبط في مشاكل لا حصر لها . والحقيقة التي يجب إبرازها في هذا الصدد هي أن كثيراً من مشاكل أمتنا الإسلامية لم تستفحل, ولم تتنامى, ولم تتشعب , ولم تستعص على الضماد إلا يوم أن فرطنا وتخلينا عن أحصن حصنٍ يمكن للأمة أن تحتمي به وفيه , ألا وهو حصن التربية ؛ ويوم أن وأدنا مبدأ التربية في مدارسنا , ومعاهدنا , وجامعاتنا , ومساجدنا , وبيوتنا , ووسائل إعلامنا ؛ ويوم أن أصبحت التربية شعاراً منمقاً ورايةً جوفاء في بلادنا المسلمين . عندها أصبحنا في ذيل القافلة باقتدار , بينما الركب يسير , والقوم يتقدمون , ولن نلحق بهم ما لم نعاود اعتماد التربية الإسلامية المتكاملة مبدأ عاما عمليا ونظريا في حياتنا بمختلف تشعيباتها

ثانيا : تجربة الحركة الصهيونية

إن المتتبع لشأن اليهود في الأرض اليوم يجد أنهم علو علواً كبيراً لا مثيل له في تاريخهم الطويل , ولا أغالي حين أقول - آسفاً - إن اليهود يعيشون الآن أزهى فترات عصورهم عبر التاريخ منذ ظهور الحركة الصهيونية سنه 1897م . تلكم الحركة التي أخذت على عاتقها تحمل مسئولية الشعب اليهودي ولملمته من الشتات الذي كتب عليهم لأكثر من 71 جيلاً , ومن الضياع الذي كتب عليهم لما يزيد عن 2000عاما . لذلك من النادر أن تجد جيلاً تلألأ فيه نجم اليهود أكثر من هذا الجيل على مدار العشرين قرنا الماضية .

يرجع هذا العلو , وهذا الانتفاش إلى أن رواد الحركة الصهيونية اعتمدوا مبدأ التربية اعتماداً أصيلاً في تجربتهم , كما أحسنوا تربية الأجيال اليهودية الحديثة على المبادئ التي أرادوها وارتضوها . وبالرغم من فساد كل هذه المبادئ , والغايات , والأهداف , والوسائل إلا أن الحركة الصهيونية لم تغفل مبدأ التربية لحظة في حياة الشعب اليهودي حتى اليوم . لذلك نجحوا وما زالوا ينتقلون – وللأسف- من نجاح إلى نجاح على حساب تعاسة كل شعوب العالم .

" فلقد شرعت الحركة الصهيونية في تربية جيل جديد من اليهود لا يفتح عينيه على غير الصهيونية , ولا تتسرب إلى أفكاره أية نزعات لا تتفق معها (....) , جيل ُيغرس فيه الإيمان الذي لا يتزعزع بحق اليهود في الاستيلاء على كل شبر من الأرض وطأته في الماضي أقدام بني إسرائيل , وبحقهم في سحق كل من يحاول الوقوف في طريقهم . جيل غذاؤه الحقد , ومثله الأعلى العنف , وأحلى أمانيه أن يضحي بماله , ومستقبله , وأهله أحيانا في سيبل استرداد ما يوهم بأنه تراثه المسلوب . جيل يعتبر العالم كله مجرما في حق اليهود وينظر إليه نظرة العداء , لأن الصهيونية لا تدعه يعرف عن هذا العالم غير أن جميع شعوبه قد ساهمت في وقت ما في إيذاء اليهود ولا تزال تحمل وزر الاشتراك في جريمة طرد اليهود من أرض الميعاد . جيل يعتبر ألد أعدائه سكان تلك البقعة من الأرض التي تجولت فيها القبائل الإسرائيلية في العصور الغابرة وشهد تاريخهم الذي سجله العهد القديم والتي اغتصبها أجددا سكانها الحاليين من اليهود وشتتوهم منه " كما يقول ا/عميد الإمام في كتابه: الصلح مع إسرائيل "

ولما نجحت التربية في بناء هذا المخلوق الصهيوني الشرير , خرجوا متخفين صوب أهدافهم وبدأوا يتسللون ويتقربون , وأخذوا يتمسكنوا حتى تمكنوا من السيطرة على معظم مفاصل العالم الأساسية . أصبح صوتهم الأعلى نبرة , والأكثر سمعا , والأوجب طاعة مما جعلهم يحققوا الكثير مما رسموه وخططوا له من أهداف .وإذا أردت أن تتأكد بأم عينيك فما عليك إلا أن تعيد قراءة مجموعة الأهداف الشريرة التي تضمنتها بروتوكولات حكماء صهيون وتقارنها بواقع العالم اليوم , ستجد أن نسبة مخيفة من هذه الأهداف قد تحققت وأصبحت واقعا أليما تتجرع آلامه ومضاره كل شعوب العالم بلا استثناء الآن .

أن حسن التربية يعني حسن تحقيق الأهداف سواء كانت تلك الأهداف أهدافا تُشقي الإنسان كما في تجربة الحركة الصهيونية أو تسعده كما في التجربة اليابانية .

ثالثا : التجربة اليابانية
خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية وأقل ما يمكن أن توصف به بأنها دولة محطمة . غير أن القادة اليابانيين لم يبكوا كثيرا على اللبن المسكوب . فلقد شرعوا في وضع الخطط , والبرامج , والمسارات التي عليها سيسير الإنسان الياباني صوب النهوض من كبوته . وكان من أبرز هذه المسارات التي عمد إليها القادة اليابانيون هو اللجوء إلى مسار التربية . إذ يجمع المراقبون على أن سر نهضة الشعب الياباني - التي هي مضرب الأمثال اليوم - تعود إلى اعتناق القادة اليابانيين مبدأ التربية وعدم إغفاله في إعادة بناء الإنسان الياباني.

لقد وصلت اليابان إلى هذا المستوى الرفيع من التقدم والرقي والازدهار بسبب اهتمام قادتها بتدريس مادة تسمى بالتربية الأخلاقية ( Moral Education ) , والتربية الأخلاقية مادة تدرس في جميع مراحل التعليم بدءا من المرحبة الابتدائية إلى مرحلة الجامعة نظرياً وعمليا ً. وهي تهدف إلى تربية الإنسان الياباني ذاتيا على عدة مفاهيم أهمها : -
1. الإخلاص والانضباط والدقة والتفاني عند قيامه بأي عمل من الأعمال .
2. الاعتدال في كل أمر من أمور الحياة .
3. الحرص , والتعاون ,و الشجاعة في مواجهة الحياة .
4. الفهم العميق لمفهوم الحرية .
5. السعي الدءوب إلى تطوير الذات بصفة دائمة ومستمرة .
6. حب البحث والاطلاع والقراءة من أجل السعي إلى الوصول إلى الحقيقة .
7. احترام قيم العمل , وحبه , وتقديره , والتفاني فيه .
8. الشعور العميق بالمسئولية الجماعية , وان كل فرد في المجتمع – وكما له حقوق – فإن عليه واجبات تجاه مجتمعه لابد أن يقدمها حتى قبل حقوقه وواجباته تجاه نفسه .
9. الإسهام بكل قوة في بناء وتطوير المجتمع الذي يتواجد فيه الفرد (بدءاً من الفصل مروراً بالشارع إلى الحي وصولاً إلى الأمة اليابانية ) .
10. احترام القواعد العامة والقوانين المنظمة لشئون المجتمع واحترام كل من يتفانى من اجل إسعاد أعضاء هذا المجتمع ( المعلمين – الآباء – الأمهات – رجال الشرطة – عمال النظافة ...الخ )
11. حب الوطن واحترام عاداته وتقاليده والتفاني في خدمته والمحافظة على أملاكه العامة والخاصة .
12. احترام ثقافة الآخر والتفاني في خدمته .
13. السعي لتعزيز مفهوم الصداقة بين شعوب العالم .

إن مشروع التربية الأخلاقية في اليابان منظومة متكاملة تشارك فيها كل مؤسسات المجتمع المعنية بجدية وحزم , وهو يكاد يشبه المشروع القومي للدولة , فهي تتبنى المشروع بكل قوة , وتوفر له كل الإمكانات المادية والعينية . لذلك قد لا نجد غرابة فيما قاله وزير التعليم الياباني عندما سئل ذات يوم عن سر التقدم والتفوق الذي أحرزته اليابان في شتى مناحي الحياة , فأجاب بصوت تملأه نبرات الفخر والاعتزاز:
(السر يرجع إلى تربيتنا الأخلاقية ) .
إن مبدأ التربية هو العنصر الوحيد الذي لا يجب على أي قوة لها غايات سامية , وأهداف جليلة , ومهام عظيمة أن تتغافله أو تنحيه جانبا . فحسن التربية يعني حسن صناعة العقول , وحسن صناعة العقول يعني حسن التعامل مع الأهداف , وحسن التعامل مع الأهداف يعني حسن تحقيق أفضل معدلات انجاز نسعى إلى تحقيقها في أرض الواقع, وحسن تحقيق معايير الانجاز العالية في مختلف المجالات الحياة لا شك أنه يعود بالخير على الإنسان كما يريده الله عز وجل , وبالتالي يساهم هذا المردود في حسن بناء الإنسان السوي , الذي لو وجد لنهض بوجوده المجتمع كله . وهذا هو هدف أي قوة إصلاحية حقيقية في المجتمع . ولكن يتوقف هذا كله على درجة تمكن التربية من النفوس .
إن التقصير في تجويد مبدأ التربية يعني التقصير في تحقيق الأهداف ,ومن عاش بلا أهداف فأولى له أن يرعى مع الهمل . وهذا ما يتنافى مع أصحاب الغايات الكبرى .

طارق حسن السقا
alsaqa22@hotmail.com
 

طارق السقا
  • الفرد المسلم
  • الأسرة المسلمة
  • المجتمع المسلم
  • الحكومة المسلمة
  • أستاذية العالم
  • أعداء الأمة
  • الصفحة الرئيسية