اطبع هذه الصفحة


الحرب الخفية والحرب المعلنة

 محمد بن عبدالله الشمراني

 
الحرب تأخذ أشكالاً مختلفة وأنواعاً متعددة، فتكون تارة حرباً عسكرية، وتارة حرباً اقتصادية، وتكون تارة حرباً فكرية وثقافية، وتارة تكون حرباً إعلامية ونفسية... إلى غير ذلك سواء كانت الحرب بين أهل الحق وأهل الباطل، أوكانت بين أهل الباطل بعضهم مع بعض.
ولكن أشد هذه الحروب خطراً وأعظمها نتيجة وتأثيراً على الإطلاق هي الحروب الفكرية، فقد جرب أهل الباطل في حروبهم الطويلة مع أهل الحق كل أنواع الحروب، وتوصلوا إلى أن الحرب العسكرية مع ما تكلفه من الخسائر البشرية والمادية وغيرها؛ فإن نتائجها محدودة، مع أن النصر فيها غالباً يكون ليس حليفاً لهم والانتصار فيها لا يمتد أمده طويلاً؛ فإن المهزوم لاينسى الهزيمة، ويظل يسعى جاهداً في استعادة القوة، ومحاولة الانتقام؛ بل ورد الكيل كيلين والصاع صاعين.
فقرروا أن تكون الحرب البديلة هي الحرب الفكرية، ووجدوا أنها لاتكلف كثيراً، وأن نتائجها أكبر مما قد يخطر ببال، وأن الهزيمة فيها أو السقوط لا يعقبه قيام إلى الأبد، فركزوا على هذا النوع من الحرب، وتفننوا في الوسائل والأساليب المستخدمة لها.
ومع أنهم لم يهملوا أو يغفلوا الحروب الأخرى؛ فكرسوا الترسانات الهائلة في المجال العسكري لما يسمونه بأسلوب الردع، وفي المجال الاقتصادي استنزفوا ثروات وخيرات الدول الضعيفة أو المغلوبة على أمرها؛ حتى تبقى ذليلة خانعة لا هم لها إلا لقمة العيش وهكذا في كل المجالات الأخرى.

وهذه الحرب الفكرية "أو قل: الحرب الخفية" ليست وليدة الساعة بل إنها قديمة قدم الإنسان نفسه، ولكن الأعداء لم يكونوا يولونها الاهتمام الذي أخذوا يولونها إياه مؤخراً. سأتناولها من جانبين:
الجانب الأول: متى بدأت هذه الحرب؟ وما هي أول معركة فيها؟ وما نتيجتها؟ وما هي أخطر الأساليب والطرق التي تدار بها رحى هذه الحرب من قبل الأعداء؟
إن الحرب القائمة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ليست وليدة الساعة، فقد بدأت منذ أن خلق الله آدم عليه السلام، وأمر سبحانه وتعالى الملائكة أن تسجد لهذا الكائن الجديد الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه ،كما قال تعالى: إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ( 71 ) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ( 72 ) فسجد الملائكة كلهم أجمعون ( 73 ) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ( 74 ) قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ( 75 ) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ( 76 ) قال فاخرج منها فإنك رجيم ( 77 ) وإن عليك لعنتي إلى" يوم الدين ( 78 ) قال رب فأنظرني إلى" يوم يبعثون ( 79 ) قال فإنك من المنظرين ( 80 ) إلى" يوم الوقت المعلوم ( 81 ) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ( 82 ) إلا عبادك منهم المخلصين ( 83 ) قال فالحق والحق أقول ( 84 ) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( 85 ) {ص: 71 - 85}.
فبدأت المعركة من تلك اللحظة التي أعلن فيها إبليس، وأقسم ليغوين بني آدم أجمعين.
فأخذ الشيطان الأكبر يجند لهذه الحرب جنوده، ويجيش جيوشه، وتحالف معه في حربه على الحق أمم لا يحصي عددهم إلا الله من الجن والإنس.
وفي السياق القرآني إشارة لكثرة جنوده وأتباعه من الثقلين، كما في قوله تعالى: لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين 85 {ص: 85}، وكما في قوله تعالى: الذي يوسوس في صدور الناس 5 من الجنة والناس 6 {الناس: 1 - 6}. بل إن الشيطان يجند الدواب، والطيور، والعضاة، وغيرها للإفساد في الأرض كما روى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "خمروا الآنية وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت"(1).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "جاءت فأرة فجرت الفتيلة فألقتها بين يدي النبي على الخمرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال النبي :"إذا نمتم فأطفئوا سراجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فيحرقكم"(2).
قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث بيان سبب الأمر أيضاً، وبيان الحامل للفويسقة وهي الفأرة على جر الفتيلة وهو الشيطان، فيستعين وهو عدو الإنسان عليه بعدو آخر وهي النار"(3).
وقل مثل ذلك في شجرة الغرقد التي تقاتل مع حزب الشيطان من اليهود، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون؛ حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبدالله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود"(4).
وهذه الحرب بين حزب الرحمن وحزب الشيطان دائمة مستمرة إلى أن يرث الله السموات والأرض.

ولي مع قصة إغواء الشيطان لآدم عليه السلام وقفتان جديرتان بالتأمل:

الوقفة الأولى:
أن إبليس الذي تمرد على الله جل وعلا، وأبى واستكبر، وكان من الكافرين، يقسم بالله تعالى لآدم: إنه لمن الناصحين، ومعلوم أن القسم نوع من التعظيم، فكيف يقسم بالله تعالى؟! ليس لهذا جواب إلا أنه المكر والخديعة، وهو أسلوب من أساليب الحرب الفكرية الماكرة.
وهذا الأسلوب هو نفسه الأسلوب الذي ينهجه أهل الباطل من شياطين الإنس في كل زمان ومكان، فهذا فرعون يقول عن موسى عليه السلام: إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد 26 {غافر: 26} .
لماذا؟ هل لأن فرعون يهمه أمر الدين أو يتمنى أن تتطهر الأرض من الفساد؟ كلا، ولكنه الأسلوب الشيطاني في الحرب الفكرية، حتى إذا سمع الناس هذا قد يظن ظان أن الأمر كما يسمع!!
وكذلك يفعل المنافقون، كما في قوله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون 11 {البقرة: 11} والله تعالى يقول عنهم: ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون 12 {البقرة: 12} .
وفي هذا دليل على أن أهل الباطل يصل بهم الحال أحياناً إلى أن يعتقدوا أنهم فيما يفعلون من الفساد، والدمار، والانحلال، على حق.
وهذا الأسلوب أعني أسلوب الوصول إلى فكر الخصم وغزوه عن طريق القناعات التي يؤمن بها، كما فعل إبليس مع آدم عليه السلام هو نفس الأسلوب الذي ينهجه أهل الباطل في عرض باطلهم، فتراهم يلمعون أسماءً وشخصيات، فيطلقون عليها العالم، والشيخ، والمفكر، والأديب، وربما هم ليسوا من أهل العلم والأدب، وما ذاك إلا ليسوقوا بضاعتهم؛ فإن أهل الدين إذا رأوا من يلبس لبس العلماء، ويظهر بمظهر المشائخ؛ أخذوا قوله، وقبلوا رأيه، ولا يخطر لهم أنه متقمص لهذه الشخصية.
وهذا لا يعني أن نسيء الظن في أهل العلم والصلاح، ولكن المراد أن يكون المؤمن فطناً، وأن لايؤتى على غرةٍ ، وقد قال : "إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون".
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن العلماء بشر يصيبون ويخطئون وخطؤهم ليس كخطأ غيرهم، فعن عمر قال: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين".
وقد تنبه أعداء الإسلام إلى خطورة هذا الأمر فأخذوا ينشرون ويشيعون بين الناس كل رأي لأيّ من العلماء يوافق ما يذهبون إليه، وما يخدم غاياتهم ومقاصدهم، في الوقت الذي يحجبون عن الناس اجتهاداته الأخرى التي لا توافق أهواءهم.

الوقفة الثانية:
أن آدم عليه السلام عندما تأثر بهذا الأسلوب الذي كان سبباً في إخراجه من الجنة، وإهباطه إلى الأرض كان ذلك بقضاء الله وقدره؛ لحكم عظيمة جسيمة من أهمها:
أن يعلم من بعده خطورة هذا الأسلوب في هذه الحرب الخفية الماكرة، وليعلم كذلك أن هذا الأسلوب إذا أثمر مع نبي من أنبياء الله تعالى فإن من دونه أضعف منه، وبالتالي فهو أحرى أن ينهزم في مثل هذه المعركة إذا لم يأخذ حذره، ويعد العدة اللازمة للوقاية من مثل هذا الأسلوب الماكر.
ولكي يستيقظوا من سباتهم الذين يرون أنهم أصحاب عقول كفيلة أن تميز بين الحق من الباطل، فيفتحوا على أنفسهم قنوات الهدم التي يديرها أعداء الإسلام، وأعداء الفضيلة من قنوات فضائية، ومواقع معلوماتية على (الإنترنت)، وصحف ومجلات هابطة، أو حتى وساوس شيطانية، أو لقاءات ومحاورات فكرية، فإنني أذكرهم بقول النبي : "إنكم تختصمون إلي، وإن أحدكم يكون ألحن بالحجة من الآخر، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقتطع له قطعة من نار"(7).
فإذا كان محمد قد تُلبَّس عليه الحقائق بسبب صاحب حجة بليغ اللسان، فماذا عسانا أن نقول عمن دونه مهما كان يحمل من فطنة وذكاء، أو نظر ودهاء، أو شهادات وثقافة، وخصوصاً أمام من قد بلغوا من الأساليب والتفنن المبني على التدريب والدراسات المكثفة في الوصول إلى عقلية المتلقي وإقناعه بما يعجز عنه الوصف، حتى إن هذه الوسائل وكما لا يخفى على ذي عقل قد مسخت أمماً بأكملها وصاغتها بالصياغة التي يريدها القائمون عليها.
فهذه الشعوب الغربية على سبيل المثال استطاعت وسائل الإعلام المختلفة أن تصور لها أن الإسلام وأهله شبح مخيف لاهم له إلا القتل والدماء.
حتى أصبح من المسلّم الذي لا نقاش فيه لدى عامة الغربيين أن المسلمين إذا لم يستطيعوا أن يقتلوا السياح ونحوهم؛ فإنهم يعودون على أنفسهم بالضرب بالسلاسل والسياط حتى تسيل الدماء، ويعرضون بعض المشاهد مما يفعله البعض ممن ينتسبون للإسلام وهم مارقون منه بأنفسهم في طقوسهم البشعة.
وقد التقيت بأحد الأطباء الغربيين وهو غير مسلم في أحد المستشفيات العسكرية فكان من كلامه أن قال: لقد أتيت من بلادي وأنا لا أعرف عن الإسلام إلا أنه قتل للأبرياء من السياح وغيرهم، وضرب للنفس بالسلاسل، فلما أتيت إلى هذه البلاد عرفت أن الإسلام دين رحمة ومحبة وتسامح، وعرفت أن القرآن شفاء، وقد رأيت حالات كثيرة عجز الطب عن تشخيصها، فضلاً عن علاجها، ثم نجد علاجها بالقرآن.

الجانب الثاني: العدة لمواجهة مثل هذه الحرب:

إذا تبين خطر مثل هذه الحرب، فاعلم أن الهزيمة فيها ليست كالهزيمة في غيرها، فإن المسلم إذا قتل في المعركة ترجى له الشهادة بإذن الله تعالى، أما الهزيمة الفكرية فإنها تعني خسارة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: والفتنة أشد من القتل191 {البقرة: 191}، وقال تعالى: والفتنة أكبر من القتل 217 {البقرة: 217}، كما أن هذه الحرب تعني بالنسبة للعدو الانتصار بدون أدنى مقابل.. إذا علم هذا فإن من أهم الأسلحة التي لابد للمسلم من إعدادها لمثل هذا النوع من الحروب:
أولاً: تقوى الله جل وعلا في السر والعلن، كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا 29 {الأنفال: 29}.
نقل ابن كثير قول محمد بن إسحاق: "فرقاناً أي: فصلاً بين الحق والباطل" ثم قال: "فإن من اتقى الله بفعل أوامره، وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل فكان ذلك سبب نصره"(8).
وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا \تقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم 28 {الحديد: 28} .
ثانياً: اللجوء الصادق إلى الله جل وعلا، والتضرع إليه بالدعاء فتكثر من قولك : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، وقولك: اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وتستشعر دائماً وأبداً ما تردده في كل ركعة من صلاتك: \هدنا الصراط المستقيم 6 صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين 7 {الفاتحة: 6 7}.
وقد كان النبي يستفتح صلاته في الليل بهذا الدعاء: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ماكانوا فيه يختلفون اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
وكان عليه الصلاة والسلام يكثر من قول: "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك...".
ثالثاً: الرجوع إلى العلماء في الملمات، وسؤالهم عن كل ما يشكل؛ فإن الرجوع إليهم وسؤالهم عبادة، كما قال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون 43 {النحل: 43} مع ذلك فإن العلماء يرون بنور الله تعالى، ولهم من الفراسة ماليس لغيرهم.
ومما يجليّ هذه القضية موقف ابن عباس رضي الله عنهما مع الخوارج الذين خرجوا على عليّ رضي الله عنه، وأخذوا يكفرونه حينما علموا أن علياً ومعاوية رضي الله عنهما اتفقا على أن يوقفا الاقتتال ويختارا اثنين من خيرة صحابة النبي ، ويحتكما إليهما، ويقبلا مايحكمان به، فلما بلغ ذلك الخوارج أخذوا يشيعون بين الناس أن علياً رضي الله عنه قد كفر بتحكيمه الرجال في دين الله تعالى؛ فإن الله جل وعلا يقول: إن الحكم إلا لله 57 {الأنعام: 57} .
ويقول سبحانه: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون 44 {المائدة: 44} .
فأثرت هذه الشبهة على عدد كبير جداً ممن كانوا في صفوف عليّ رضي الله عنه، كما روى عبدالرزاق والطبراني أن عدد الحرورية حين خرجوا كان أربعة وعشرين ألفاً رجع منهم بعد مناظرة ابن عباس عشرون ألفاً، وبقي أربعة الآف فقتلوا(11).

فأثرت هذه الشبهة في هذا العدد الهائل؛ لأنها كانت تستند على دليل من القرآن الكريم، ولم يتنبه المتأثرون بها أن وجه الدلالة غير صحيح؛ فخرج لهم ابن عباس رضي الله عنهما يناظرهم فجمعهم، ثم قال لهم: ماذا تنقمون من ابن عم النبي ، وزوج ابنته، وأول من آمن به من الصبية. قالوا: ننقم منه ثلاثاً، قال: وما هي: قالوا:
أولها: أنه حكم الرجال في دين الله.
وثانيها: أنه خالف هدي النبي فلم يسب في قتاله مع معاوية.
ثالثها: أنه لم يقبل أن نطلق عليه أمير المؤمنين وقد أمرناه، فإذا لم يكن أميراً للمؤمنين فهو أمير للكافرين.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرأيتم إن حدثتكم بما في كتاب الله تعالى من محكمه، وبما في سنة نبيه أكنتم ترجعون؟
قالوا: نعم، قال: أما قولكم: إنه حكم الرجال في دين الله تعالى فإن الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم 95 {المائدة: 95}.
وفي المرأة وزوجها قال تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها 35 {النساء: 35}.
فنشدتكم بالله، هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم، وحقن دمائهم أفضل، أم حكمهم في دم أرنب وبضع امرأة؟ فأيهما ترون أفضل؟ قالوا بل هذه، قال: أخرجنا من هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولكم: إنه خالف هدي النبي فقاتل ولم يسب، فمن منكم يريد أن تكون أم المؤمنين عائشة في سبيه، ويستحلها كما تستحل السبايا؟ إن كان منكم من يقول ذلك فقد كفر، وإن كان منكم من يقول: إنها ليست للمؤمنين بأم فقد كفر، وكذب الله تعالى في كتابه إذ يقول: النبي أولى" بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم 6 {الأحزاب: 6}.
فوالله إنكم إذاً بين الضلالتين، أخرجنا من هذه؟ قالوا: خرجنا، قال: وأما قولكم: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن له في رسول الله أسوة حسنة، فإنه يوم الحديبية كاتب المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو، فقال رسول الله : ياعلي، أكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله، فقال المشركون: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب: محمد بن عبدالله، فقال : اللهم إنك تعلم أني رسولك، أمح يا علي، واكتب: محمد بن عبدالله، قال علي: والله لا أمحو، أنت رسول الله رغم أنوفهم، فمحاها بنفسه صلى الله عليه وسلم.
أليس له في رسول الله أسوة حسنة؟ قالوا: بلى، فرجع منهم عشرون ألفاً، وبقي أربعة الآف فقتلوا.
ففي هذه القصة بيان فضل العلماء، وفيها أيضاً كيف أن الباطل قد يروج له بأدلة من القرآن ومن السنة أو بفتاوى لعلماء!!
رابعاً: الإحساس بخطورة هذا النوع من الحروب، ومعرفة طرقها، وأساليب العدو في إدارتها والوسائل التي تستخدم في شن هجماتها.
نسأل الله تعالى أن ينصر الإسلام وأهله، وأن يخذل الشرك وأهله، وأن يجعل كيدهم في نحورهم، ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يكشف أسرارهم، ويفضح أخبارهم، ويظهر عوارهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

---------------------------------
@ الهوامش:
1 رواه البخاري: (6295).
2 رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم، وانظر: فتح الباري لابن حجر: (11-103102).
3 فتح الباري: (11-103).
4 مختصر صحيح مسلم للألباني :(2025).
5 صحيح الجامع: (1551).
6 رواه الدارمي في سننه: (214) وصححه الألباني في المشكاة: (1-89).
7 رواه البخاري (5-212) ومسلم (1713).
8 تفسير ابن كثير (4-43).
9 رواه مسلم، انظر: شرح النووي (6-56 57).
10 رواه أحمد: (4-182) وابن ماجه (2199)، وصححه ابن حبان: (2419) والحاكم: (1-525).
11 انظر: حاشية الأرناؤوط ومرشد على مسند الإمام أحمد (5-265)
 

محمد الشمراني
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية