اطبع هذه الصفحة


الإسلام والحضارة

محمد بن شاكر الشريف

 
في ظل التغيرات والتطورات الكثيرة على واقع الأمة الإسلامية يطرح بعضهم سؤالاً فيقول: «الطريق إلى الحضارة: هل يمر لزاماً عبر الإصلاح الديني؟». وفي ثنايا هذا السؤال تُقدم بعض الجمل التقريرية التي تقول: «إن الإسلام كدين وكنصوص مقدسة باتت اليوم رهينة لقراءات وتفسيرات نتجت ضمن سياقات تاريخية مشبعة بالصراع السياسي والاحتقان في التعامل مع المختلف الفكري والمذهبي والديني» وأن هناك «قراءة متشددة وحدية للنص باتت هي المرجعية السائدة للتنظير الفكري والسياسي الإسلامي الحديث» ونحن الآن في حاجة إلى «قراءة حضارية للنص تطرح قيم التواصل مع العالم، وقيم الحرية والتسامح» إلى كثير من مثل هذه الجمل.

هذا السؤال المطروح - بما يشمله من الجمل السابقة - يحتاج للجواب عليه أن نعرف المراد بـ «الحضارة» والمراد بـ «الإصلاح الديني» إذ ذلك شرط أساس حتى ينتج الكلام فائدة.
«الإصلاح الديني» مصطلح غربي نشأ في الغرب لأسباب خاصة بهم، وأعطى نتائجه المناسبة لحالهم؛ فإنه لم يعد يخفى على أحد أن الرسالات السابقة على الإسلام قد دخلها التحريف، والذي أدخل ذلك هم طائفة من البشر، ولا شك أن علمهم في أعلى درجاته لا يتجاوز جمع المادة العلمية المتاحة في عصرهم، أمَّا ماذا ستكون حالة العلم بعد قرن أو قرنين أو عشرة قرون فلا يعلم ذلك أحد إلا الذي خلق السموات والأرض وأعطى المادة خصائصها، وأودع فيها قوانين تسخيرها حتى يكتشفها من يأخذ بالأسباب المؤدية إلى ذلك. أقول: نظراً لأن التحريف قد تم في تلك العصور المتقدمة؛ فلم يكن قادراً على أن يستشرف إمكانية التطور العلمي، وقد خطا العلم بعدما تخلص من المنطق الأرسطي واتجه إلى المنهج التجريبي بفضل إسهامات علماء المسلمين - خطا خطوات واسعة أثمرت شرخاً عظيماً في السياج الذي يجمع الدين النصراني والعلم الدنيوي. وقد كان بين الطرفين مخاصمات شديدة وصلت إلى حد إزهاق الأرواح، ولا يعنينا الخوض في تفاصيل ذلك، ولكن المهم أن نقول: إن دعوة «الإصلاح الديني» نشأت في هذه الأجواء التي كان أشهرها دعوة (مارتن لوثر) التي نشأ منها ما عُرف بالمذهب البروتستانتي. كان الكتاب «المقدس» عند النصارى لا يفسره ولا يفهمه إلا القساوسة، فيحلون ما شاؤوا ويحرمون ما شاؤوا، ويصوبون أو يخطئون ما شاؤوا من الأمور العلمية، فجاء مارتن لوثر بدعوة «الإصلاح الديني» التي تعني في أول أسسها رفع وصاية القساوسة عن الكتاب «المقدس» وأن تكون هناك قراءة حرة له بعيداً عن التراث وعن تفسيرات وشروح القساوسة.

واليوم يراد منا أن نتعامل مع ديننا كما تعامل (مارتن لوثر) وأتباعه مع دينهم. والناس مع ولعهم بالغالب يقبلون منه كل شيء، ويريدون تقليده في كل شيء، والذي نحن فيه هو من هذا الباب، وإلاَّ فَمنِ الذي يستطيع أن يقدم لنا بالدليل الصحيح - بعيداً عن الكلام المرسل على عواهنه - «أن الإسلام رهينة لقراءات وتفسيرات نتجت ضمن سياقات تاريخية كانت مشبعة بالصراع السياسي والاحتقان مع المختلف الفكري والديني». ومن الذي يدلنا أن «المرجعية الإسلامية هي نتيجة قراءة متشددة وحدية للنص؟». إن هذا الكلام يعد قدحاً في الإسلام قبل أن يكون قدحاً في علمائه؛ ذلك أن النصوص الدينية التي لا تكون دالة على الحقائق بطريقة لا يمكن أن يغلفها البطلان ويطويها، لا تصلح أن تكون ديناً دائماً عاماً على مدى اتساع رقعة الزمان والمكان؛ ولذلك كانت الرسالات السابقة موقوتة لإمكانية دخول التحريف عليها، والإسلام لا يمكن أن يُنسب إليه ما ليس فيه ثم يخفى ذلك على الأمة عدة قرون حتى يأتي من يكتشف هذا الاكتشاف العجيب وهو «أن الإسلام كدين وكنصوص رهينة لقراءات ... إلخ» - إن القول بذلك يعني بداهة - فيما يراه قائلوه - أن الإسلام غير محفوظ وهو عرضة للتحريف كالرسالات السابقة؛ وهذا مخالف لقوله - تعالى -: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ومخالف للأحاديث المتعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تصبُّ جميعها في خانة «أن الأمة لا تجتمع على ضلالة».

إن المسلمين كل المسلمين مدعوون لقراءة النص الشرعي وتدبره والعمل به، وليس ذلك قاصراً على فئة معينة كما عند النصارى. فكيف يُزعم سيطرة «قراءة متشددة وحدية للنص»؟ فهل يمكن أن يفسر لنا أصحاب ذلك التصور وجود مذاهب متعددة في فقه النص الشرعي والتعامل معه من زمن الصحابة إلى يومنا هذا؟ لقد كان أمير المؤمنين وهو الرئيس الأعلى للدولة لا يفرض رأيه أو اجتهاده على المسلمين، ويقول قولته المشهورة: «الرأي مشترك»، ولو ذهبنا نتتبع ذلك لطال بنا المقام؛ فليس هناك قراءة متشددة أو أحادية أو غير ذلك من التعبيرات.
هناك بلا شك أمور مجمع عليها بين أهل العلم من المذاهب كافة، وهناك المعلوم من الدين بالضرورة؛ فهل يعد ذلك قراءة متشددة أوحدية أو أحادية للنص؟ إذا كان ذلك مقصوداً فإن المطلوب إذن هدم الدين وتحويله إلى دين آخر, وخارج دائرة المجمَع عليه والمعلوم بالضرورة من الدين.يحكم اجتهادات العلماء قاعدة مشهورة تقول: «كلامنا صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيرنا خطأ يحتمل الصواب» أو «هذا أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه».

وأخيراً نقول: هل وصفُ كل من لم يدِنْ بدين الإسلام ممن بلغتهم دعوته بأنهم كفار - هل هذا قراءة متشددة مشبعة بالاحتقان في التعامل مع الغير كما يزعم الزاعمون؟ ألم يقل الله - تعالى -: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} هل هناك معنى لهذه الآية غير الذي دل عليه ظاهر ألفاظها؟ ألم يقل الله - تعالى -: {لا تتخدوا اليهود والنصارى أولياء} وآيات كثيرة مثل ذلك؟ هل هناك معنى غير الذي يظهر من ألفاظها، وهل القول بأن اليهود والنصارى أعداء المسلمين، وأنه لا ينبغي أن نتخذهم أولياء - هل ذلك قراءة متشددة للنص؟ وهل أثبت التاريخ حب اليهود والنصارى وإخلاصهم لنا؟!

انظر إلى محاكم التفتيش في الأندلس (أسبانيا) وانظر إلى الحروب الصليبية التي استمرت قرابة قرنين من الزمان، وانظر إلى الحرب على أفغانستان ثم العراق مع التهديد لبقية دول العالم الإسلامي، ناهيك عما يفعل اليهود في فلسطين، ثم انظر إلى حقبة الاستعمار: ما الذي جاء بهم من بلادهم؟ هل جاؤوا يحملون رسالةً غير الاحتلال والنهب وقتل الرجال والنساء والأطفال؟ هل كان لهم مسوغ في احتلال بلادنا عشرات السنين وسرقة ثروات البلاد وخيراتها؟ من الذي فعل ذلك؟ أليسوا هم النصارى؟ ومع ذلك فنحن مطالبون بقراءة نصوصنا قراءة حضارية! قراءة ترسخ قيم الحب للأعداء بدلاً من الكراهية، وقيم الموالاة بدلاً من المعاداة، وقيم الشك فيما لدينا من مسلَّمات بدلاً من الثبات، وقيم التسليم بمعتقدات الآخرين الفاسدة بدلاً من نقضها والرد عليها، وفي الجانب المقابل نجد بوش وبلير وبيرلسكوني، وشيراك وغيرهم كثير متمسكون بصليبهم يواجهون به المسلمين!

إن الحضارة ليست في تطاول البنيان واتساع الشوارع وانتشار وسائل الاتصال المتطورة ونحو ذلك، بل إلى جانب ذلك لا بد من مجموعة القيم الثابتة كالإيمان والصدق والعدل والوفاء بالعهود والتعاون واحترام كرامة بني آدم، وهي التي تجعل من تلك المنجزات أداة للخير والصلاح، وليس أدوات شر وفساد وتدمير كما هو الحال في الحضارة الغربية المعاصرة.

ولعله يحق لنا بعد ذلك أن نقول: إن السؤال الذي افتتح به المقال سؤال مغلوط، وقد كان الصواب أن نقول: إن الطريق إلى الحضارة الحقيقية التي تعمِّر ولا تخرب، والتي تصلح ولا تفسد، والتي تعدل ولا تظلم، والتي تقود البشرية إلى خيري الدنيا والآخرة، وليس إلى تعاسة الدنيا وشقاء الآخرة هي الحضارة التي تمر عبر الالتزام بدين الإسلام، وينبغي بعد ذلك أن يكون السؤال الذي نبحث له عن جواب واقعي قابل للتحقيق هو: ما الآليات التي ينبغي اتباعها لتعود أمتنا إلى دينها عودة صحيحة على المستوى الشعبي، وعلى المستوى الرسمي السياسي والمؤسساتي من خلال نُظُم واضحة محددة تتخذ من الشريعة الإسلامية منطلقاً لها وقاعدة؟

 

محمد الشريف
  • مقالات في الشريعة
  • السياسة الشرعية
  • كتب وبحوث
  • قضايا عامة
  • الصفحة الرئيسية