صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







من أقوال السلف في التوكل على الله

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 
 بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد فمن صفات المؤمنين: التوكل على الله عز وجل قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المائدة:23] وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:122]ومن توكل على الله فهو كافيه قال الله : ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ  [الطلاق:3] ومن توكل على الله رزقه كما ترزق الطير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً, وتروح بطاناً.)) [أخرجه الترمذي, وقال حديث حسن صحيح] للسلف أقوال كثيرة في التوكل على الله, يسّر الله الكريم لي فاخترت بعضاً منها, أسأل الله أن ينفع بها الجميع.

منزلة التوكل:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: التوكل نصف الدين, ونصفه الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة, فالتوكل هو الاستعانة, والإنابة هي العبادة.

سرّ التوكل وحقيقته:

** قال العلامة ابن القيم رحمه الله: سرُّ التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده...فتوكل اللسان شيء, وتوكل القلب شيء...فقول العبد: توكلت على الله مع اعتماد قلبه على غيره مثل قوله: تُبتُ إلى الله وهو مُصر على معصيته مرتكب لها.

** قال العلامة السعدي رحمه الله: التوكل هو: اعتماد القلب على الله تعالى, في جلب المنافع, ودفع المضار, مع ثقته به, وحسن ظنه بحصول مطلوبه, فإنه عزيز رحيم, بعزته يقدر على إيصال الخير, ودفع الشر عن عبده, وبرحمته به يفعل ذلك.

رسوخ القلب في التوحيد يُحقق التوكل على الله جل وعلا:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: رسوخ القلب في مقام التوحيد, فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصحَّ له توحيده, بل حقيقة التوكل توحيد القلب, فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول

أهمية معرفة الله جل جلاله بأسمائه وصفاته لتحقيق التوكل عليه:

** قال العلامة ابن القيم رحمه الله: معرفة بالرب وصفاته من قدرته, وكفايته, وقيوميته, وانتهاء الأمور إلى علمه, وصدورها عن مشيئته وقدرته, وهذه المعرفة أول درجةٍ يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل.

** قال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ: إذا تأملت في أسماء الله عز وجل, التي توقن معها بأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء, هو الذي بيده الأمر, هو الذي بيده قلوب العباد, هو الذي يخفض ويرفع, هو الذي يُمرض ويُسقم ويعافي, هو الذي يقبض ويبسط, هو الذي يجيب, هو الذي ينصر, هو الذي يخذل, هو الذي يعز. من الذي يفعل ذلك كله ؟ هو الله عز وجل, من الذي يملك الملك على الحقيقة ؟ هو الله عز وجل, من الذي يملك خزائن السماوات والأرض ؟ هو الله عز وجل, من القوي من الجبار من العزيز من المقتدر ؟ هو الله عز وجل.

إذاً, يعظم عند العبد التوكل على الله عز وجل, لا ينظر إلى غيره إلا نظرة أسباب, أما حقيقة ركون القلب فهو إلى الله عز وجل, وركونه إلى الله منه سبحانه وتعالى إليه, ففروا إلى الله, ففروا منه سبحانه وتعالى إليه, وهو يعظم التوكل عليه عز وجل.

 ــــــــــــــ

التوكل على الله عز وجل لا يعني ترك الأسباب:

** قال الإمام الغزالي: قد يُظنُ أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب...وهذا ظن الجهال فإن ذلك حرام في الشرع...فلو لم تزرع الأرض وطمعت في أن يخلق الله تعالى نباتاً من غير بذر أو تلد زوجتك من غير وقاع فكل ذلك جنون والنبي صلى الله عليه وسلم وصف المتوكلين, فلم يصفهم بأنهم لا يكتسبون, ولا يسكنون الأمصار ولا يأخذون من أحد شيئاً بل وصفهم بأنهم يتعاطون هذه الأسباب

** قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال طائفة من العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد, ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل, والأعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشريعة, وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد, والعقل, والشرع.

** قال العلامة ابن القيم رحمه الله: التوكل لا ينافي القيام بالأسباب, بل لا يصحُّ التوكل إلا مع القيام بها, وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد....ونفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل البتة.

** قال العلامة السعدي رحمه الله: التوكل الذي لا يصحبه جد واجتهاد ليس بتوكل, وإنما هو إخلاد إلى الكسل وتقاعد عن الأمور النافعة, كما أن العمل بالأسباب من دون اعتماد وتوكل على مسببها واستعانة به, مآله الخسار والزهو والإعجاب بالنفس والخذلان. فالجمع بين التوكل على الله وبين الاجتهاد في فعل الأسباب هو الذي حثَّ عليه الدين, وهو الذي كان عليه سيد المرسلين, وبهما يتحقق الإيمان, وتقوى دعائم الدين, وبهما تقوى معنوية المسلمين, حيث اعتمدوا على رب العباد, وأدّوا ما في مقدروهم من جد واجتهاد.

ـــــــــــــــ

التوكل على الله مع عدم الركون إلى الأسباب, أو الاتكال على النفس:

** قال العلامة ابن القيم رحمه الله: من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب, وقطع علاقة القلب بها, فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها, وحال بدنه قيامه بها.

** قال العلامة السعدي رحمه الله: العبد ينبغي له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين بل لا يزال مستعيناً بربه, متوكلاً عليه سائلاً له التوفيق, وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لموليه ومسديه, ولا يعجب بنفسه لقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:88]

فراغ القلوب من التوكُّل على الله عز وجل يسبب الأزمات النفسية:

قال العلامة العثيمين رحمه الله: أرجو يا إخواني ألَّا يغُرَّنَّكم الذين يكتُبون عن الطالع، وحُسْن الطالع، بُرْجُ الحَمَل فيه كذا وكذا، وبُرج الثَّورِ، وما أشبه ذلك؛ لأنه لا يعلَم ما في المستقبل إلَّا الله عز وجل؛ لذلك يا إخواني لا تغترُّوا بهؤلاء ولا بكلامهم، وما أصاب ما أصاب مِن المسلمين اليوم من التخيُّلات والأفكار والأزمات النفسية إلَّا بمثل هذا التصديق، وما أكثر الأزمات النفسية الآن؛ لأنه أصبح الناس قلوبهم فارغة من التوكُّل على الله عز وجل؛ فتوكَّل على الله، واصدُقْ مع الله عز وجل في التوكُّل عليه، واترُكْ هؤلاء المشعوذين الأفَّاكين؛ فهؤلاء يلعبون بعقول الناس، فدعوا هؤلاء يا أيها المسلمون، والله لن يُصيبنا إلَّا ما كَتَبَ اللهُ لنا.

من منافع وفوائد التوكل على الله عز وجل:

** قال الإمام الغزالي رحمه الله: متى رضيت بالله وكيلاً وجدت إلى كل خيرٍ سبيلاً.  

** قال العلامة ابن القيم رحمه الله: التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب, ويندفع بها المكروه.

ــــــــــــــ

** قال الإمام ابن حبان رحمه الله: الواجب على العاقل لزوم التوكُّل على مَنْ تكفَّل بالأرزاق؛ إذ التوكُّل هو نظام الإيمان، وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفق الفقر ووجود الراحة، وما توكَّل أحد على الله جل وعلا من صحة قلبه حتى كان الله جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده، إلا لم يكله الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لا يحتسب.

** قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: من وكّل أمره إلى الله عز وجل يسّر الله له ما هو الاحظّ له, والانفع دنيا وأخرى.

** قال العلامة السعدي رحمه الله: الشريعة الإسلامية...أمرت...بقوة الاعتماد على الله عند نزول المصائب والمكاره, وأن لا يخضع الإنسان ويضعف قلبه وإرادته, وتستولي عليه الخيالات, التي هي أمرض فتاكة, فكم من مرض يسير بسيط عظمت وطأته بسبب ضعف القلب وخوره وانخداعه بالأوهام والخيالات, وكم من مرض عظيم هانت مشقته وسهلت وطأته حين اعتمد القلب على الله, وقوى إيمانه وتوكله, وزال الخوف منه, وهذا أمر مشاهد محسوس

** قال العلامة عبدالله بن محمد ابن حميد رحمه الله: الإنسان إذا اعتمد على الله, واتكل عليه, فلو تكيده السماوات ومن فيهن, والأرضون ومن فيهن, فلا بد أن الله يجعل له فرجاً, ومخرجاً, ينجيه من هذه الخليقة كُلها, ولا تضره لاعتماده على الله.

أعظم مساعد للعبد على القيام بما أُمِرَ به :التوكل على الله:

قال العلامة السعدي رحمه الله: أعظم مساعد للعبد على القيام بما أمر به, الاعتماد على ربه, والاستعانة بمولاه, على توفيقه للقيام بالمأمور, فلذلك أمر الله تعالى بالتوكل عليه, فقال: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء:217]

ــــــــــــــــــ

·      التوكل في الأمور الدنيوية والدينية:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: التوكل أعمّ من التوكل في مصالح الدنيا, فإن المتوكل يتوكل على الله في صلاح قلبه, ودينه, وحفظ لسانه, وإرادته, وهذا أهم الأمور إليه, ولهذا يناجي ربه في كل صلاة

بقوله ﴿ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] كما في قوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ  [هود:123] وقوله: ﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:30] فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع, لأن هذين يجمعان الدين كله ولهذا قال من قال من السلف: إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن, وجمع علم القرآن في المفصل, وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب, وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: ﴿ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  

وعلى هذا فالذي ظنّ أن التوكل...لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا, غلط, بل التوكل في الأمور الدينية أعظم. وأيضاً التوكل من الأمور الدينية, التي لا تتم الواجبات والمستحبات إلا بها والزاهد فيها زاهد فيما يحبه الله ويأمر به ويرضاه والزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة, وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله. كما أن الورع المشروع: هو ترك ما قد يضر في الدار الآخرة وهو ترك المحرمات والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها كالواجبات. فإما ما ينفع في الدار الآخرة بنفسه, أو يعين على ما ينفع في الدار الآخرة. فالزهد فيه ليس من الدين بل صاحبه داخل في قوله تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة:87]

 ــــــــــــــــ

الفرق بين التوكل والعجز:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: الفرق بين التوكّل والعجز: أن التوكل عملُ القلب وعبوديته اعتماداً على الله, وثقةً به والتجاءً إليه وتفويضاً إليه ورضا بما يقضيه له لعلمه بكفايته سبحانه وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور بها واجتهاده في تحصيلها

أما العجز, فهو تعطيل الأمرين أو أحدهما, فإما أن يعطل السبب عجزاً عنه, ويزعم أن ذلك توكل, ولعمر الله إنه لعجز وتفريط, وإما أن يقوم بالسبب ناظراً إليه معتمداً عليه, غافلاً عن المسبب معرضاً عنه. وإن خطر بباله لم يثبُت معه ذلك الخاطر, ولم يعلق قلبه به تعلقاً تاماً بحيث يكون قلبه مع الله, وبدنه مع السبب, فهذا توكُّلُه عجز, وعجزُه توكل. 

متفرقات:

** قال بشر الحافي رحمه الله: يقول أحدهم: توكلت على الله, يكذب على الله, لو توكل على الله لرضي بما يفعل الله.

** قال يحيى بن معاذ رضي الله عنه, وقد سئل: متى يكون الرجل متوكلاً ؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلاً.

** قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الاستعانة بالله, والتوكل عليه, واللجأ إليه, والدعاء له, هي التي تقوى العبد, وتيسر عليه الأمور ولهذا قال بعض السلف من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله

** قال العلامة ابن القيم رحمه الله:

& على قدر حسن ظنك به ورجائك له يكون توكلك عليه.

ـــــــــــــــــ

& التفويض, وهو روح التوكل ولبُّه وحقيقته, وهو إلقاء أموره كلها إلى الله, وإنزالها به طلباً واختياراً, لا كرهاً واضطراراً.

& الرضا...ثمرة التوكل, ومن فسر التوكل بها فإنما فسَّره بأجلِّ ثمراته وأعظم فوائده, فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله.

& كان شيخنا رضي الله عنه يقول المقدور يكتنفه أمران التوكل قبله والرضا بعده فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية.

** قال العلامة السعدي رحمه الله:

& لا خاب من توكل عليه, وأما من توكل على غيره, فإنه مخذول, غير مدرك لما أمل

& يدفع الله عن المؤمنين المتوكلين عليه شر الشيطان ولا يبقى له عليهم سبيل.

& ما فات أحداً شيء من الخير إلا لعدم صبره, وبذل جهده فيما أريد منه, أو لعدم توكله واعتماده على الله.

& كل عمل لا يصحبه التوكل فغير تام.


كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
 
  • كتب
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية