اطبع هذه الصفحة


من أقوال السلف في التوكل على الله

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 
 بسم الله الرحمن الرحيم
 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فالرضا منزلته عظيمه, فمن رضا بربوبية الله وإلهيته, وبدينه, وبرسوله صلى الله عليه وسلم, فقد ذاق طعم الإيمان, وغفرت ذنوبه, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمدٍ رسولاً )) [أخرجه مسلم] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمد رسولاً, غفرت له ذنوبه )) [أخرجه مسلم] قال العلامة ابن القيم رحمه الله: " الرضا بربوبيته سبحانه وإلهيته, والرضا برسوله والانقياد له, والرضا بدينه والتسليم له, ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصديق حقاً, وهي سهله بالدعوى واللسان, ومن أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان, ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس

والرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده, وخوفه, ورجائه, والإنابة إليه, والتبتل إليه...وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.

والرضا بربوبيته يتضمن الرضا بتدبيره لعبده, ويتضمن إفراده بالتوكل عليه, والاستعانة به, والثقة فيه, والاعتماد عليه, وأن يكون راضياً بكل ما يفعله به.

والرضا بنبيه رسولاً, فيتضمن كمال الانقياد له, والتسليم المطلق إليه, بحيث يكون أولى به من نفسه, فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته, ولا يحاكم إلا إليه, ولا يرضى بحكم غيره البتة.

والرضا بدينه فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى رضي كلَّ الرضا, ولم يبق في قلبه حرج من حكمه, وسلم له تسليماً, ولو كان مخالفاً لمراد نفسه وهواها."

وثمرة هذا الرضا الفرح والسرور, قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ثمرة الرضا: الفرح والسرور بالرب تبارك وتعالى. ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه- في المنام, وكأني ذكرت له شيئاً من أعمال القلوب وأخذت في تعظيمه ومنفعته, لا أذكره الآن, فقال: أما أنا فطريقتي: الفرح بالله والسرور به, أو نحو هذا من العبارة.

والإيمان بقضاء وقدره من أركان الإيمان, كما جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور, قال علية الصلاة والسلام: ( الإيمان, أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وبالقضاء خيره وشره.)) [أخرجه مسلم]  

للسلف أقوال كثيرة في الرضا بقضاء الله, يسّر الله الكريم فجمعت بعضاً منها, أسأل الله أن ينفع بها الجميع.

  الرضا بقضاء الله وقدره:

** قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: لأن أعضّ على جمرة حتى تبرد أحب إلي من أقول لشيءٍ قد قضاه الله ليته لم يكن.

** عن مجاهد في قوله: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر:27] قال: الراضية بقضاء الله, التي علمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها, وما أخطأها لم يكن ليصيبها.

** قال العلامة ابن القيم رحمه الله: لا بدَّ من نفوذ القدر, فاجنح للسلم.

** قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: الله يفعل في ملكه ما يريد, ويحكم في خلقه بما يشاء, مما ينفع أو يضر, فلا مدخل للعقل في أفعاله, ولا معارضة لأحكامه, بل يجب على الخلق الرضا والتسليم فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر, فلا يتوجه على حكمه لِمَ, ولا كيف.

 ـــــــــــــــــــ

  بذل الأسباب والرضا بالقضاء وإن لم يحصل المقصود:

قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان: إذا بذلت السبب ولم يحصل المقصود فاعلم أن الله لم يرده, وأنت لا تدري رُبما أن الخيرة في عدم حصوله, والله عز وجل حكيم, فأنت تُؤمن بالله وبقضائه وقدره وتصبر على المصائب.

  الفرق بين الصبر والرضا:

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: حقيقة الفرق بين الصبر والرضا, أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم, والرضا يوجب انشراح الصدر وسعته, وإن وجد الإحساس بأصل الألم لكن الرضا يخفف الإحساس بالألم لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة.

  عدم استعجال نزول البلاء:

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: الرضا بالقضاء قبل وقوعه: فهو عزم على الرضا, وقد تنفسخ العزائم عند وقوع الحقائق, ومع هذا فلا ينبغي أن يستعجل العبد البلاء, بل يسأل الله العافية...فإن نزل البلاء تلقاه بالرضا.

  الرضا لا يعني عدم الإحساس بالألم:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ليس من شرط الرضا أن لا يحس بالألم والمكاره, بل أن لا يعترض على الحكم ولا يتسخطه...وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضا, كرضا المريض شرب الدواء الكريه, ورضا الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ, وغيرها. 

ــــــــــــــــــــ

  الاعتراض على ما يقضيه الله مآل صاحبه إلى الخيبة:

** قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: الله تعالى فيما يقضيه حكماً وأسراراً في مصالح خفيه, اعتبرها كل ذلك بمشيئته وإرادته, من غير وجوب عليه, ولا حكم عقل يتوجه إليه, بل بحسب ما سبق في علمه, ونافذ حكمه....فليحذر المرء من الاعتراض فإن مآل ذلك إلى الخيبة.

** قال إبراهيم الحربي: أجمع عقلاء كل أمة أنه من لم يجر مع القدر لم يتهن بعيشه

  من أسباب الرضا بالقضاء:

** قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الحمد على الضراء يوجبه مشهدان:

أحدهما: علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك, مستحق له لنفسه, فإنه أحسن كل شيء خلقه, وأتقن كل شيء, وهو العليم الحكيم, الخبير الرحيم.

الثاني: علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن, خير من اختياره لنفسه, كما روى مسلم في صحيحه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( والذي نفسي بيده لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له, وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن, إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر, فكان خيراً له.)

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم إن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء, ويشكر على السراء فهو خير له, قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [إبراهيم:5] وذكرهما في أربعة مواضع من كتابه.

** قال العلامة ابن القيم رحمه الله: تستوي النعمة والبلية عنده في الرضا بهما لوجوهٍ:  

أحدها: أنه مفوض, والمفوض راضٍ بكل ما اختاره له من فوّض إليه, ولا سيما إذا علم كمال حكمته ورحمته ولطفه وحسن اختياره له.

ــــــــــــــــــ

الثاني: أنه جازم بأنه لا تبديل لكلمات الله ولا راد لحكمه, وأنه ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن, فهو يعلم أن كلاًّ من البلية والنعمة بقضاءٍ سابقٍ وقدرٍ حتم.

الثالث: أنه عبد محض, والعبد المحض لا يتسخط جريان أحكام سيده المشفق البار الناصح المحسن, بل يتلقاها كلها بالرضا به وعنه.

الرابع: أنه محبّ, والمحب الصادق من رضي بما يعامله به حبيبه.

الخامس: أنه جاهل بعواقب الأمور, وسيده أعلم بمصلحته وما ينفعه.

السادس: أن يعلم أن رضاه عن ربه في جميع الحالات يثمر له رضا ربه عنه, فإذا رضي عنه بالقليل من الرزق رضي ربه عنه بالقليل من العمل, وإذا رضي عنه في جميع الحالات واستوت عنده وجده أسرع شيء إلى رضاه إذا ترضاه وتملقه.

السابع: أن يعلم أن أعظم راحته وسروره ونعيمه في الرضا عن ربه في جميع الحالات, فإن الرضا باب الله الأعظم, ومستراح العارفين, وجنة الدنيا, فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه, ولا يستبدل بغيره منه.

الثامن: أن السخط باب الهم...والحزن, وشتات القلب, والرضا يفرغ قلبه ويثقلُّ همه وغمه فيتفرغ لعبادة ربه بقلبٍ خفيفٍ من أثقال الدنيا وهمومها وغمومها

التاسع: الرضا يوجب له الطمأنينة وبرد القلب وسكونه وقراره, والسخط يوجب اضطراب قلبه وريبه وانزعاجه وعدم قراره.

العاشر: أن الرضا يُنزل عليه السكينة التي لا أنفع له منها, ومتى نزلت السكينة استقام, وصلحت أحواله وصلح باله والسخط يُبعده منها بحسب قلته وكثرته وإذا ترحلت عنه السكينة ترحل عنه السرور والأمن والدعة والراحة وطيب العيش.

ــــــــــــــ

الحادي عشر: أن الرضا يفتح له باب السلامة, فيجعل قلبه سليماً نقياً من الغش والدغل, والغل ...وكلما كان أشدَّ رضا كان قلبه أسلم, فالخبث والدغل والغش قرين السخط, وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضا, وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط, وسلامة القلب منه من ثمرات الرضا.

الثالث عشر: أن من ملأ قلبه من الرضا بالقدر, ملأ الله صدره غنى وأمناً وقناعةً, وفرغ قلبه لمحبته, والإنابة إليه, والتوكل عليه, ومن فاته حظُّه من الرضا, امتلأ قلبه بضد ذلك, واشتغل عمَّا فيه سعادته وفلاحه.

الثاني عشر: الرضا بالمقدور من سعادة ابن آدم وسخطه من شقاوته قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( من سعادة ابن آدم استخارة الله عز وجل ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله )) فالرضا بالقضاء من أسباب السعادة, والتسخط على القضاء من أسباب الشقاوة

الرابع عشر: أن الرضا يثمر الشكر, الذي هو من أعلى مقامات الإيمان, بل هو حقيقة الإيمان, والسخط يثمر ضده وهو كفر النعم...فإذا رضي عن ربه في جميع الحالات أوجب له ذلك شكره, فيكون من الراضين الشاكرين, وإذا فاته الرضا كان من الساخطين, وسلك سبيل الكافرين.

الخامس عشر: الرضا ينفي عنه آفات الحرص على الدنيا وذلك رأس كلَّ خطيئة, وأصلُ كل بليَّة, وأساسُ كلِّ رزية, فرضاه عن ربه في جميع الحالات ينفي عنه هذه الآفات.

السادس عشر: أن الشيطان إنما يظفر بالإنسان غالباً عند السخط والشهوة, فهناك يصطاده, ولا سيما إذا استحكم سخطه, فإنه يقول ما لا يرضي الربَّ, ويفعل ما لا يرضيه, وينوي ما لا يرضيه.

ــــــــــــــ

السابع عشر: أن كلَّ قدرٍ يكرهه العبد ولا يلائمه لا يخلو أن يكون عقوبة على ذنب فهو دواء لمرضٍ لولا تدارك الحكيم إياه بالدواء لترامى بالمريض إلى الهلاك أو يكون سبباً لنعمةٍ لا تنال إلا بذاك المكروه فالمكروه ينقطع, وما ترتب عليه من النعمة دائم لا ينقطع. فإذا شهد العبد هذين الأمرين انفتح له باب الرضا عن ربه في كل ما يقضيه ويقدره.

الثامن عشر: أن يعلم أن منع الله سبحانه لعبده المؤمن به المحب له عطاء, وابتلاه إياه عافيه. فإنه سبحانه لا يقضى لعبده المؤمن قضاء إلا كان خيراً له, ساءه ذلك القضاء أو سره, فقضاؤه لعبده المؤمن عطاء وإن كان في صورة المنع, ونعمة وإن كان في صورة محنة, وعافية وإن كان في صورة بليةٍ.

ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعدُّ العطاء والنعمة والعافية إلا ما ألتذ به في العاجل. قال بعض العارفين: يا ابن آدم نعمة الله عليك فيما تكره أعظم من نعمته عليك فيما تحب وقد قال تعالى ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾  قال بعض العارفين: ارض عن الله في جميع ما يفعله بك, فإنه ما منعك إلا ليعطيك, ولا ابتلاك إلا ليعافيك, ولا أمرضك إلا ليشفيك...فإياك أن تفارق الرضا عنه طرفة عين فتسقط من عينه.

التاسع عشر: الرضا يفتح باب حسن الخلق مع الله ومع الناس والسخط يفتح باب سوء الخلق مع الله ومع الناس فحسن الخلق من الرضا وسوء الخلق من السخط وحسن الخلق يبلغ بصاحبة درجة الصائم القائم وسوء الخلق يأكل الحسنات.

العشرون: أن الرضا يفرغ قلبه ويُقلُّ همّه وغمّه, فيتفرغ لعبادة ربه بقلبٍ خفيفٍ من أثقال الدنيا وهمومها وغمومها.

 ـــــــــــــ

الحادي والعشرون: الرضا يثمر سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور, وطيب النفس وسكونها في كل حال, وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلعٍ من أمور الدنيا, وبرد القناعة, واعتباط العبد بقسمة ربه, وفرحه بقيام مولاه عليه, واستسلامه لمولاه في كل شيءٍ, ورضاه منه بما يجريه عليه.

وفي أثر إلهي: ما لأوليائي والهم والدنيا ؟ إن الهمَّ يُذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم. فالإيمان بالقدر والرضا به يُذهب عن العبد الهمَّ والغمَّ والحزن.  

** قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:

& للرضا بالقضاء أسباب:

منها: يقين العبد بالله وثقته به بأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلا وهو خير له, فيصير كالمريض المستسلم للطبيب الحاذق الناصح, فإنه يرضى بما يفعله به من مؤلم وغيره لثقته به ويقينه أنه لا يريد له إلا الأصلح.

ومنها: النظر إلى ما وعد الله من ثواب الرضا, وقد يستغرق العبد في ذلك حتى ينسى ألم المقضي به كما روى عن بعض الصالحات من السلف أنها عثرت فانكسرت ظفرها, فضحكت وقالت: أنساني لذة ثوابه مرارة ألمه.

ومنها: وهو أعلى من ذلك كله الاستغراق في محبة المبتلي ودوام ملاحظة جلاله وجماله وعظمته وكماله الذي لا نهاية له.

& الرضا بالقضاء: من علامات المخبتين الصادقين في المحبة, فمتى امتلأت القلوب بمحبة مولاها رضيت بكل ما يقضيه عليها من مؤلم ومُلائم...وصار رضاها في ما يرد عليها من أحكامه وأقداره.

 

ــــــــــــــــ

  من ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر:

** قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: وللإيمان بالقدر ثمرات جليلة منها:

الأولى: الاعتماد على الله تعالى عند فعل الأسباب بحيث لا يعتمدُ على السبب نفسه لأن كل شيء بقدر الله تعالى.

الثانية: أن لا يعجب المرء بنفسه عند حصول مراده, لأن حصوله نعمة من الله تعالى, بما قدره من أسباب الخير, والنجاح, وإعجابه بنفسه ينسيه شكر هذه النعمة.

الثالثة: الطمأنينة, والراحة النفسية بما يجرى عليه من أقدار الله تعالى, فلا يقلق بفوات محبوب, أو حصول مكروه, لأن ذلك بقدر الله الذي له ملك السموات والأرض, وهو كائن لا محالة, وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22_23] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كلهُ خير, وليس ذاك لأحد إلا المؤمن, إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له.)) [رواه مسلم]

وقال رحمه الله: الإيمان بالقدر فيه راحة للنفس والقلب, وعدم الحزن على ما فات, وعدم الغم والهم لما يستقبل, قال الله تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ [الحديد:22_23] والذي لا يؤمن بالقدر لا شك أنه سوف يتضجر عند المصائب ويندم, ويفتح الشيطان له كل باب, وأنه سوف يفرح ويبطر ويغتر إذا أصابته السراء لكن الإيمان بالقدر يمنه هذا كله.

ــــــــــــــ

** قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان: إن من أعظم ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر صحة إيمان الشخص بتكامل أركانه, لأن الإيمان بذلك من أركان الإيمان الستة, التي لا يتحقق إلا بها كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة,

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر طمأنينة القلب وارتياحه وعدم القلق في هذه الحياة عندما يتعرض الإنسان لمشاق الحياة, لأن العبد إذا علم أن ما يصيبه فهو مقدر لا بد منه ولا راد له. واستشعر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطائك لم يكن ليصيبك)) فإنه عند ذلك تسكن نفسه ويطمئن باله, بخلاف من لا يؤمن بالقضاء والقدر فإنه تأخذه الهموم والأحزان, ويزعجه القلق حتى يتبرم بالحياة, ويحاول الخلاص منها, ولو بالانتحار كما هو مشاهد من كثرة الذين ينتحرون فراراً من واقعهم, وتشاؤماً من مستقبلهم, لأنهم لا يؤمنون بالقضاء والقدر, فكان تصرفهم ذلك نتيجة حتمية لسوء اعتقادهم, وقد قال الله تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22_23] فأخبرنه سبحانه أنه قدر ما يجري من المصائب في الأرض, وفي الأنفس, فهو مقدر ومكتوب, لا بد من وقوعه, مهما حاولنا دفعه, ثم بين الحكمة من إخباره لنا بذلك, لأجل أن نطمئن, فلا نجزع, ونأسف عند المصائب, ولا نفرح عند حصول النعم, فرحاً ينسينا العواقب بل الواجب علينا الصبر عند المصائب وعدم اليأس من روح الله والشكر عند الرخاء وعدم الأمن من مكر الله ونكون مرتبطين  بالله في الحالتين.

 ــــــــــــــ

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر تحويل المحن والمصائب إلى أجر, قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن:11]

قال علمقة هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر أنه يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والقوة والشهامة, فالمجاهد في سبيل الله يمضي في جهاده, ولا يهاب الموت, لأنه يعلم أن الموت لا بد منه, وأنه إذا جاء لا يؤخر, لا يمنع منه حصون ولا جنود, ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  [النساء:78] ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154] وهكذا حينما يستشعر المجاهد هذه الدفعات القوية من الإيمان بالقدر يمضي في جهاده حتى يتحقق النصر على الأداء وتتوفر القوة للإسلام والمسلمين.

وكذلك بالإيمان بالقضاء والقدر يتوفر الإنتاج والثراء, لأن المؤمن إذا علم أن الناس لا يضرونه إلا بشيء قد كتبه الله عليه, ولا ينفعونه إلا بشيء قد كتبه الله له فإنه لن يتواكل, ولا يهاب المخلوقين, ولا يعتمد عليهم, وإنما يتوكل على الله, ويمضي في طريق الكسب, وإذا أصيب بنكسة ولم يتوفر له مطلوبه فإن ذلك لا يثنيه عن مواصلة الجهود ولا يقطع منه باب الأمل, ولا يقول: " لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا " ويمضي في طريقه متوكلاً على الله مع تصحيح خطئه, ومحاسبته لنفسه, وبهذا يقوم كيان المجتمع, وتنتظم مصالحه, وصدق الله حيث يقول: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3]

 ـــــــــــــــــــ

  لا يحتج بالقضاء والقدر على فعل المعاصي وترك الواجبات:

قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان: بعض الناس يخطئون خطأ فاحشاً عندما يحتجون بالقضاء والقدر على فعلهم للمعاصي وتركهم للواجبات. ويقولون: هذا مقدر علينا ولا يتوبون من ذنوبهم, قال المشركون: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ [الأنعام:148] وهذا فهم سيئ للقضاء والقدر, لأنه لا يحتج بهما على فعل المعاصي...وإنما يحتج بها على نزول المصائب, فالاحتجاج بها على فعل المعاصي قبيح. لأنه ترك للتوبة والعمل الصالح المأمور بهما, والاحتجاج بها على المصائب حسن, لأنه يحمل على الصبر والاحتساب.


كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ