اطبع هذه الصفحة


من حماه الله من الدنيا فقد أراد به خيرا

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 
 بسم الله الرحمن الرحيم
 

 

الحمدُ لله رب العالمين، والصلاةُ والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمد

وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فالحياةُ الدنيا مليئةٌ بأنواع الملاذِّ والشهوات؛ مِن النساء، والأموال، والأولاد، والأنعام، والزرع، قال الله عز وجل: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آل عمران: 14]، وقد زيَّنَها الله عز وجل للناس ابتلاءً وامتحانًا لهم، هل يُقدِّمون محبَّتهم لها على محبة الله ورسولِه صلى الله عليه وسلم! فقويُّ الإيمان لا يُقدِّم أيَّ شيء منها على محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما ضعيف الإيمان، فيجعلها أكبرَ همِّه، ومبلغ علمِه، فتُغرِقه وهو لا يشعُرُ.


 زينة الدنيا من زهرتها الفانية الزائلة:
زينة الدنيا يغترُّ بها الإنسان الذي لا يعرفُ حقيقتها تمام المعرفة، فتراه يلهو بها بقلبه، ويلعبُ بها ببدنه، ويُكاثِر فيها، ويفخَرُ على غيره بما ملَك منها، وفي النهاية يذهَبُ ويتركها، فمَثَلُه كمَثَلِ غيثٍ نزل على الأرض فأنبتت الأرضُ واخضرَّت، وأَعجَب الكفَّارَ نباتُها، ثم جاء أمرُ الله تعالى فأتلَفَها كأنْ لم تكن، قال الله عز وجل: ﴿ 
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20]، هذه هي حالُ زينةِ الحياة الدنيا فانيةٌ زائلة.


خشية النبي صلى الله عليه وسلم وخوفُه على أمَّتِه من زهرة الدنيا والتنافس فيها:


لقد خشِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على أمَّته من زهرة الدنيا، فعن عمرو بن عَوْف رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((فواللهِ، ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَت على مَن كان قبلكم))؛ [متفق عليه].

 وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرِجُ الله لكم من بركات الأرض))، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: ((زهرة الدنيا))؛ [متفق عليه].

 وخشيتُه صلى الله عليه وسلم على أمَّتِه من زهرة الدنيا سببُها أن الناس إذا فُتِحَت عليهم الدنيا تنافَسُوا فيها؛ فعن عُقبة بن عامر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إني والله ما أخاف عليكم أن تُشرِكوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوها))؛ [متفق عليه].

 وإذا تنافسوا فيها أهلَكَتهم، فعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((الفقرَ تخافون أو العَوَزَ؟ أَوَتهمُّكم الدنيا؟ فإن الله فاتحٌ لكم أرضَ فارس والروم، وتصبُّ عليكم الدنيا صبًّا؛ حتى لا يزيغكم بعدي - إن أزاغكم - إلا هي))؛ [أخرجه أحمد].

 وعن عمرو بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((...أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَت على مَن كان قبلكم، فتنافَسُوها كما تنافَسُوها، وتُهلِكُكم كما أهلكَتْهم))؛ [متفق عليه].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قال ابن بطَّال: ((فتُهلِككم)): فيه أن زهرةَ الدنيا ينبغي لِمَن فُتِحَت عليه أن يحذر مِن سوء عاقبتها، وشر فتنتها، فلا يطمئنَّ إلى زخرفها، ولا ينافس غيرَه فيها.

 
قال الشيخ عبدالعزيز الراجحي: والمعنى أن هذا التنافس لا يزال بالناس حتى يصلَ بهم إلى ارتكاب المحرَّمات والمعاصي التي يأثمون بفعلها، فتُوقِعهم في الهلاك، ويستحقون العقوبة والعذاب، وفي الحديث من الفوائد أن الإنسان مع الفقر أقربُ إلى الاستقامة ولزوم الطاعة، ومع الغنى أقربُ إلى المعصية والانحراف وعدم الشكر.

 
التنافس على الدنيا قتل الكثيرين وسيقتل الأكثر:

مع أن الدنيا فانيةٌ زائلة، فإن الناس سوف يقتَتِلون عليها في آخر الزمان؛ حتى يموتَ بسبب ذلك من كل مائةٍ تسعةٌ وتسعون؛ فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعةُ حتى يَحسِرَ الفراتُ عن جَبَلٍ مِن ذَهَب، يقتتلُ الناس عليه، فيُقتَلُ مِن كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلِّي أكونُ أنا الذي أنجو))؛ [أخرجه مسلم].

وفي عصرنا قتَل التنافُسُ على الدنيا الكثيرين، إن لم يقتلهم حسِّيًّا، قتَلَهم معنويًّا.


مَن عَلِم حقيقة الدنيا لم ينافس غيرَه فيها:


مَن علِم حقيقةَ هذه الدنيا، لم يُنافِس غيرَه فيها؛ فهي لا تُساوِي عند الله جَناح بَعوضةٍ؛ فعن ابنِ عباس رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما لي وللدنيا، وما للدنيا وما لي؟! والذي نفسي بيدِه، ما مَثَلي ومَثَل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يومٍ صائف فاستظلَّ تحت شجرة ساعةً مِن النهار ثم راح وتركَها))؛ [أخرجه الترمذي].

وعن سَهْل بن سعدٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لو كانَتِ الدنيا تعدِلُ عند الله جَناحَ بَعوضةٍ، ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ))؛ [أخرجه الترمذي].قال الإمام المباركفوريُّ رحمه الله: المعنى لو كان لها أدنى قدرٍ (ما سقى كافرًا منها)؛ أي من مياه الدنيا (شربة ماء)...؛ فإن الكافر عدوُّ الله، والعدوُّ لا يُعطَى شيئًا مما له قدر عند المعطي".

 وزينة الدنيا بجميع أشكالها لا تُقارَن من أي وجهٍ بنعيم الآخرة؛ فعن حذيفةَ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله، ما الدنيا في الآخرة إلا مِثلُ ما يجعل أحدُكم إصبَعَه في هذا اليمِّ، فلينظر بمَ يرجع؟))؛ [أخرجه مسلم].

 قال الإمام النووي رحمه الله: ومعنى الحديث: ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قِصَرِ مُدَّتِها وفناء لذَّاتِها، ودوام الآخرة ودوام لذاتِها ونعيمها، إلا كنسبةِ الماء الذي يعلق بالإصبعِ إلى باقي البحر.


مَن عرف الدنيا ابتعد عن زينتها لئلَّا تفتنه:


وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تتَّخِذوا الضيعة فترَغبوا في الدنيا))؛ [أخرجه الترمذي].
قال الإمام المباركفوري رحمه الله: ((لا تتخذوا الضيعة)): البستان والقرية والمزرعة، ((فترغبوا في الدنيا)): فتميلوا إليها عن الأخرى، والمراد النهي عن الاشتغال بها وأمثالها مما يكون مانعًا عن القيام بعبادة المولى، وعن التوجه كما ينبغي إلى أمور العقبى.

 وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لنا سترٌ فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حوِّلي هذا؛ فإني كلما دخلتُ فرأيته ذكرتُ الدنيا))؛ [أخرجه مسلم] قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ــــ()

وفيه إشارةٌ إلى أنه ينبغي للإنسان أن يصُدَّ نفسه عن كل ما تتعلَّق به من أمور الدنيا؛ لئلا يفتتن؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يُعجِبه من الدنيا يقول: ((لبيك إن العيش عيش الآخرة))، فقوله: ((لبيك))؛ أي: إجابةً لك؛ كأنه يدعو نفسه إلى الاتجاه إلى الله عز وجل، ثم يقول: ((إن العيش عيش الآخرة))؛ حتى يُزهِّد النفس فيما أعجبها مِن أمر الدنيا.


مَن أراد الله به خيرًا علِمَ حقيقة الدنيا فنافس غيره في الآخرة:


وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: القرآن مملوءٌ مِن التزهيد في الدنيا، والإخبار بخستها وقلَّتها، وانقطاعها وسرعة فنائها، والترغيب في الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها، فإذا أراد الله بعبده خيرًا أقام في قلبِه شاهدًا يُعاين به حقيقةَ الدنيا والآخرة، ويُؤثِر منهما ما هو أَولى بالإيثار، قال الحسن : إذا رأيتَ الرجل ينافسك في الدنيا، فنافِسْه في الآخرة، وقال وهيب بن الورد : إن استطعت ألا يسبقك أحدٌ إلى الله فافعَلْ.

 
مِن جهلِ الإنسان اعتقادُه أن الله عز وجل إذا ضيَّق عليه الرزق فذلك إهانةٌ له:

الإنسان مِن طبيعته الجهلُ والظلم، لا ينفكُّ عنهما إلا مَن شاء الله، قال عز وجل: ﴿ 
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72].

ومِن مظاهر جهله ما ذكَرَه الله تعالى في قوله عز وجل: ﴿ 
فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [الفجر: 15، 16]؛ فهو لجهله يعتقدُ أن الله عز وجل إذا وسَّع عليه الرزق أن ذلك إكرامٌ له، وأنه إذا ضيَّق عليه الرزق أن ذلك إهانةٌ له، والأمر ليس كذلك؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ [الفجر: 17].


قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: أي ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى يُعطِي المال مَن يحبُّ ومَن لا يُحب، ويُضيق على مَن يحبُّ ومَن لا يحب.

 
مِن رحمةِ الله جل جلاله أنه قد يمنع عبدَه المؤمن زهرةَ الدنيا وزينتها وهو يحبه:

عن محمودِ بنِ لَبِيد رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يحمي عبدَه المؤمن الدنيا وهو يحبُّه، كما تحمون مريضَكم الطعامَ والشراب تخافون عليه))؛ [أخرجه أحمد].

والله جل جلاله عندما يحمي عبدَه مِن زهرة الدنيا التي تضرُّه في آخرته؛ فلأنَّه سبحانه وتعالى يُحِبُّه، فعن قتادةَ بنِ النُّعمان رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أحبَّ الله عبدًا، حماه الدنيا؛ كما يَظَلُّ أحدُكم يحمي سقيمَه الماء))؛ [أخرجه الترمذي].


ا أكبر نعمةٍ على العبد المؤمن؛ 
أن يحميَه الله من الدنيا لأنه جل جلاله يحبُّه، فليحمَدِ العبدُ اللهَ كثيرًا أنْ حماه اللهُ مِن الدنيا، فالإنسان إذا لم يحمِه الله مِن الدنيا وزينتها، أَلْهَتْه عن آخرته، وبقي في غفلة عمَّا خُلِق له، فكم من إنسان أعطي الدنيا فاغترَّ وهلك!


 

فهد الشويرخ