اطبع هذه الصفحة


قدرة الله جل جلاله

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 
 بسم الله الرحمن الرحيم
 


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد:

فمن أسماء الله عز وجل الحسنى: القدير، والمقتدر، والقادر، وتدل جميعها على ثبوت القدرة صفةً لله سبحانه وتعالى؛ قال جل وعلا: ﴿ 
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 284]؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾: أي: يوجِد المعدوم، ويعدم الموجود بدون عجز؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ [فاطر: 44]، وقال الله عز وجل: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ [الكهف: 45]، فالله سبحانه وتعالى قادر على فعل أي شيء، إيجادًا وإعدامًا، وليس بين الإيجاد والعدم إلا كلمة: (كُن)؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]؛ قال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله: "كل أمر يريده فَعَلَه لا يتعاصى عليه شيء، ولا يعارضه أحد، وليس له ظهير، ولا عوين، ولا مساعد على أي أمر يكون، بل إذا أراد أمرًا، قال له: كن فيكون".

وقال سبحانه وتعالى: ﴿ 
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: 65]، فالله جلت قدرته قادر على إرسال العذاب على العباد من فوقهم، ومن تحتهم؛ قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: "عنى بالعذاب من فوقهم: الرجم أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينزل عليهم من فوق رؤوسهم، ومن تحت أرجلهم: الخسف وما أشبهه".

وقال الله عز وجل: ﴿ 
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴾ [النساء: 133]؛ قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه؛ كما قال: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38]؛ قال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره، وقال: ﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [إبراهيم: 19]؛ أي: وما هو ممتنع عليه".

فالعباد مهما بلغت قدرتهم عددًا ومددًا، فلن تغنيهم من الله شيئًا، فقدرة الله سبحانه وتعالى ما زالت تُرِي عجيبًا، وتبدي غريبًا، لمن كان فطنًا لبيبًا، وتوقظ بزواجرها سالمًا ومربيًّا.

فما من زمان إلا ويظهر فيه من قدرة الله ما يبهر العقول، فمن زلازل مزلزلة كانت للجبال مقلقلة، ومن خسوف وكسوف متتالية، ومن رياح عاصفة، ومن صواعق مدمرة، ومن براكين مهلكة، ومن فيضانات مغرقة، ومن أوبئة قاتلة - تدل على قدرة الله الخالق، وما ظلم الله عباده؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ 
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [آل عمران: 182]، فالعباد هم الذين يظلمون أنفسهم؛ قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 117]، والعباد إذا ظلموا أنفسهم بالذنوب والعصيان، أراهم الله عز وجل قدرته، فصاروا حيارى على ما أصابهم، سكارى على ما وقع بهم، فالعقول ذاهبة، والقلوب ذاهلة، والعيون باكية، والدموع منسكبة، والغموم في الصدور مقيمة، والهموم على الفؤاد مخيمة، وليس عما قضاه الله محيد، نسأل الله العفو والرحمة.

ومع قدرة الله عز وجل التامة على إنزال العقاب بمختلف أنواعه على عباده إذا هم عصَوه، فإنه سبحانه وتعالى عَفُوٌّ؛ قال عز وجل: 
﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ [النساء: 149]؛ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: "إذا علمنا أن الله عفو، وأنه قدير، أوجب لنا ذلك أن نسأله العفو دائمًا، وأن نرجو منه العفو عما حصل منا من التقصير".

فلنكثر من الدعاء بأن يعفو الله عنا؛ قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: ((أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعفُ عني))؛ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "العفوُّ من أسماء الله تعالى، وهو يتجاوز عن سيئات عباده، الماحي لآثارها عنهم، وهو يحب العفو، فيحب أن يعفو من عباده، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، وإذا عفا بعضهم عن بعض، عاملهم بعفوه، وعفوه أحب إليه من عقوبته".

إن ما يجري من حوادث وكوارث آياتٌ من الله لعباده منذرة، ومن سِنةِ الغفلة موقظة؛ قال تعالى: ﴿ 
وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾ [الإسراء: 59]، فهي عبرة للحصيف العاقل، وتنبيه لسرعة التوبة من الغافل، وتذكير للمتباطئ عن الطاعة والمتثاقل ليسابق ويبادر، وحسرة على المصر المتغافل؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا
 ﴾ [الإسراء: 60]، نسأل الله السلامة من حالهم، كما نسأل الله الكريم الرحيم أن يعفو عنا، وأن يرحمنا، وأن يتجاوز عنا، وأن يرفع عنا كل بلاء ومكروه، إنه سميع مجيب، هو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ



 

فهد الشويرخ