اطبع هذه الصفحة


معالم منهجية وتربوية في الإفتاء عند العلامة ابن عثيمين

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 
 بسم الله الرحمن الرحيم


المقدمة

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد :
فمن الأعمال الجليلة للعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: الإفتاء وإجابة الناس عن أسئلتهم، ومن أشهر البرامج التي كان الشيخ يُفتي فيها: برنامج "نور على الدرب" الذي كان ينطلق من إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية، والذي انتفع به كثيرٌ من المسلمين؛
قال الشيخ رحمه الله: أشكُر الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة الجليلة في هذا البرنامج "نور على الدرب"؛ حيث يصل إلى بلاد أخرى غير بلادنا، وينتفع به المسلمون، وهذا من توفيق الله سبحانه وتعالى للقائمين بهذا البرنامج، وعلى هذا البرنامج، وعلى مَنْ ينتفع به من المسلمين في كل مكان، فنسأل الله تعالى أن يزيد الجميع من فضله، ويرزقنا جميعًا العلم النافع، والعمل الصالح.
وقال رحمه الله : نشكُر الله سبحانه وتعالى, على تيسير هذا المنبر الرائد, النافع لعباد الله, في هذه المملكة, وخارجها، ألا وهو "نور على الدرب"، فإنه ولله الحمد نافع جدًّا، ونشكر الحكومة وفَّقَها الله على تيسير مثل هذا المنبر الذي ينتفع به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ممَّن يبلغهم صوته، ونحثُّ إخواننا المسلمين على الاستماع إليه؛ لما فيه من الفائدة الكبيرة، فإن الله تعالى يفتح فيه أبوابًا كثيرة من العلم لسامعه، وربما يحصل عنده أسئلة لولا سماع هذا البرنامج لم تكن منه على بال

وقد كان لهذا البرنامج أثره العظيم في المستمعين إليه في العالم الإسلامي؛ يقول سائل: نحن في...نعيش في مجتمع تكثُر فيه الشِّركيَّات والخُرافات والبِدَع - نسأل الله الإنقاذ - وبرنامجكم هذا له الدور العظيم في الإنقاذ، وكثير من الأُسَر اتَّجهَتْ إليه.
ويقول آخر: أُهدي أجمل تحيَّاتي واحترامي إلى برنامجكم الموقَّر الذي أفادنا، وأفاد المسلمين كافة من إفتاء المعلومات الدينية والاجتماعية.
ويقول ثالث: زوجة تبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا، وعندها مجموعة من الأطفال، وتحمد الله أنها متدينة، وتلبس الحجاب الشرعي منذ شهرين بعد أن أصبحت تستمع إلى هذا البرنامج المفيد؛ "نور على الدرب".
ويقول رابع: كنت أتابع برنامجكم الأكثر من رائع، بارك الله فيكم، ونفعنا بكم.
وتبلغ الثقة بالبرنامج أن يطلب أحد السائلين الإجابة عن سؤاله؛ لعل أن يكون فيها سببًا لخلاصه من حيرته، يقول السائل: أرجو منكم يا فضيلة الشيخ مأجورين أن تُجيبوا عن سؤالي؛ لعلَّ الله أن يجعل في إجابتكم إنقاذًا لي من حيرتي... [ثم ذكر سؤاله]، وقال: أنا الآن في حيرة شديدة، وجِّهوني مأجورين.
وقد شارك الشيخ رحمه الله في هذا البرنامج لمدة تزيد على العشرين عامًا، وكانت فتاوى الشيخ موضع قبول وثقة لدى المستمعين؛ تقول سائلة بعد أن عرضت مشكلتها: أرجو النصح والإرشاد التامَّ بما فيه الخير والفائدة؛ لأنني أقتنع بكلام ورأي فضيلة الشيخ محمد العثيمين، وهو نِعْمَ المربِّي والموجِّه والمرشِد.
هذا ويوجد في الفتاوى والمصنَّفات التي صدرت للشيخ معالم منهجية وتربوية في الإفتاء, يسَّرَ الله الكريم لي جَمْعَ شيءٍ من تلك المعالم أسأل الله الكريم أن ينفع بها.

معالم منهجية في الإفتاء

عدم التسرُّع في الإفتاء وقول : لا أعلم, لا أدري
قال الشيخ رحمه الله: من آداب طالب العلم الواجبة ألَّا يتسَرَّع في الإفتاء؛ لأن المفتي مُعبِّر عن شريعة الله ورسوله، فإذا أفتى على وجهٍ لا يجوز له فيه الفتوى كان كاذبًا على الله ورسوله، والعياذ بالله، وما أسرع الذين اتَّخذُوا الإفتاء مهنةً للرِّفْعة، فصاروا يتصدَّرُون للإفتاء بغير علم، وهؤلاء من أشدِّ الناس ضرَرًا بالأُمَّة!
وقال: كل إنسان يُفتي بغير علم فإنه ظالم لنفسه، وظالم لإخوانه، ولا يُوفَّق للصواب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة: 51]، فعلى هؤلاء أن يتَّقوا الله في أنفسهم، وأن يتَّقوا الله في إخوانهم، وألَّا يتعجَّلُوا، فإن كان الله أراد بهم خيرًا ألهمهم رشدهم، ورزقهم العلم، وصاروا أئمة يُقتدى بهم في الفتوى، فلينتظروا وليصبروا، أما بالنسبة للمستفتين، فإننا نُحذِّرهم من الاستفتاء لأمثال هؤلاء، ونقول: العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم والحمد لله موجودون، فيمكنهم الاتصال عليهم بالهاتف، فيحصل المقصود إن شاء الله.
وقال رحمه الله: الإفتاء بغير علم مع كونه محرَّمًا خلاف الأدب مع الله ورسوله، فإن الإفتاء بغير علم تقدَّم بين يدي الله ورسوله، وقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الحجرات: 1] وقال الشيخ رحمه الله: إننا نُحذِّر إخواننا طلبة العلم والعامة أيضًا أن يفتوا بلا علم، بل عليهم أن يلتزموا الوَرَع، وأن يقولوا لما لا يعلمون: لا نعلم، فإن هذا والله هو العلم، فإني أُعِيدُ وأُكرِّر: التحذير من الفتوى بغير علم، وأقول للإنسان: أنت في حلٍّ إذا لم يكن عندك علم أن تصرف المستفتي إلى شخص آخر.

وكان الإمام أحمد رحمه الله إذا سُئل عن شيء ولا علم له به, يقول: أسأل العلماء.
وقال رحمه الله: إن من العقل والإيمان ومن تقوى الله وتعظيمه أن يقول الرجل: عما لا يعلم لا أعلم, لا أدري, أسال غيري.
وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره:
فقد سئل رحمه الله: بعض النساء يقمن ببيع حليهن قبل وقت الوجوب بقليل, وبعد مضي وقت الوجوب تشتري بالدراهم حلياً أخرى فما حكم هذا العمل ؟ فأجاب: هذه المسألة تحتاج إلى نظر وتأمل.
وسئل رحمه الله: هل يشترط في الأربعين رجلاً الذين يصلون على الميت أن لا يشركوا بالله شيئاً الشرك الأصغر أو الأكبر؟ فأجاب: في الحديث قال عليه الصلاة والسلام: ( ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه ) فظاهر قوله ( لا يشركون بالله شيئاً ) أنهم لا يشركون شركاً أصغر ولا أكبر, ويُحتمل أن يُقال: إن المراد لا يشركون بالله شركاً أكبر, وأنا لم يترجح عندي شيء.
وقال رحمه الله: اختلف العلماء في العسل, هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب ؟ فمنهم من قال: إنها تجب, ومنهم من قال: إنها لا تجب, واستدلوا على ذلك بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه, والمسألة عندي محل توقف, والعلم عند الله.
وقال رحمه الله: ما ورد من أن بعض السلف يرى الله في المنام, فالله أعلم, فأنا متوقف في هذا, وإلا فقد نُسِبَ هذا القول للإمام أحمد, أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد رأى ربَّه في المنام.

وقال رحمه الله: في المسجد النبوي يوجد حاجز بين الرجال والنساء, فهل يشرع لهن الاعتكاف ؟ والله لا أدري وأنا أتوقف في هذا.
وسئل رحمه الله: عندما ظهر الشيطان في يوم بدر في صورة سراقة, هل هو سراقة الذي لحق النبي صلى الله عليه وسلم أثناء هجرته ؟ فأجاب: لا أدري.
وسئل رحمه الله جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حدث عن ربه أنه قال: ( إن عبداً أصححت له جسمه, ووسعت عليه يمضى عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ لمحروم) هل هذا الحديث ثابت ؟ فأجاب : لا أدري عن صحته
وسئل رحمه الله تعالى: إذا أخَّر الحاج طواف الإفاضة بدون عذر على غير رأي الحنابلة وانتهت أشهر الحج فكيف يصنع ؟ فأجاب: لا أدري ماذا يقولون في هذه المسألة, هل يقولون: إنه يقضيه كما تقضى الصلاة, أو يقال: عبادة فات وقتها فلا تقضى, ويكون الحج لم يتم, ولا يكتب له الحج, لا أدري ماذا يقولون في هذا.

عدم التسرع في الفتوى في المسائل التي تخالف الجمهور

قال رحمه الله: لا يتسرَّع الإنسان في الفتوى خصوصًا في المسائل التي تخالف رأي جمهور العلماء، فالمسألة التي تخالف رأي جمهور العلماء لا تتسرَّع فيها إلا بعد التروِّي والتأنِّي والنظر في أدلة الفريقين؛ لأن الأكثر أقربُ إلى الصواب من الأقل.
عدم التسرُّع في الفتوى بمخالفة ما عليه علماء البلد
قال الشيخ رحمه الله: كذلك ما كان عليه الناس؛ أي: ما أقرَّه علماءُ البلد لا تتسرَّع في مخالفته؛ لأن أُمَّةً قامت على العمل بهذا الرأي مع وجود علمائها ليس بالأمر الهيِّن أن يُنقل إلى رأي آخر بدون دليل واضح، على أن القول الذي هم عليه قول مرجوح؛ ولذلك تجد العامة إذا أفتى إنسان بخلاف ما يعهدونه يقولون: أتى بدين جديد؛ ولذلك إذا رأيت قولًا صوابًا لا إشكال فيه مُخالفًا لما عليه علماء البلد فاجتمِعْ بالعلماء، وناقِشْهم وبيِّن لهم الصواب، واتَّفِقُوا على قولٍ، والحقُّ ضالَّةُ المؤمن، أينما وجدَهُ أخَذَهُ.
عدم الإفتاء في مسألة صدر فيها حكم أو فتوى حتى لا يحدث بلبلة للسائل
قال الشيخ رحمه الله: أنا لا أُجيب عن مسألة انتهت بواسطة أحد من أهل العلم؛ لأنها فتوى أو حكم انتهى أمَدُه؛ وإنما يُسأل عن المسائل التي لم يتقدَّم فيها فتوى أو حكم، وأنا لا أُحِبُّ لأحد أن يكون وقَّافًا عند باب كل عالم، يسأله عما حصل أو عما جرى عليه، ولو كان قد استفتى عنه؛ لأنه يحصل بذلك بلبلة وتشتيت لفكره، وشكٌّ في أمره؛ وإنما عليه إذا أراد أن يستفتي أو يتحاكم إلى أحد، أن يختار مَنْ يرى أنه أقرب إلى الحق من غيره؛ لعلمه، وأمانته، وصلاحه، ويكتفي بما يفتيه به، أو يحكم به.

التربية والفتوى

قال الشيخ رحمه الله: لما ظهرت الفتوى من بعض العلماء المعتبرين بأن وجه المرأة لا يجب سَتْرُه، قال بعض العلماء الذين درَّسونا، ونعتبرهم رحمهم الله من أشياخنا، قال: عجبًا لهذا المفتي أن يُفتي بهذا، والناس سائرون على ستر الوجه، وستر الوجه أفضل حتى عند الذي أفتى بجواز كشف الوجه! وهذه في الحقيقة تربية وما ضَرَّنا إلا أن بعض الناس يُعامل المسلمين في العلوم بحسب النظر فقط دون التربية, مع أن الإنسان إذا تأمَّل القرآن والسنة وهدي السلف يجد أنهم يُلاحظون التربية ملاحظةً عظيمةً, وكيف يُعقَل أن نقول للمرأة: اكشفي عن هذا الوجه الجميل الجذَّاب، واستري الرجل القبيحة؟ لا يمكن أن تأتي الشريعة بهذا؟ والأمم التي أباحت الكشف عن الوجه هي الآن تئِنُّ من حالها اليوم، وتحِنُّ إلى الحال الأولى؛ لأن النساء ما اقتصرْنَ على الوجه، ولا اقتصرْنَ على الوجه الطبيعي؛ بل بدأت تكشف عن الرأس والرقبة، واليد إلى المرفق، وليتها تُبقي الوجه على حاله؛ بل تُضفي عليه شيئًا من التجميل؛ كالمكياج، وتحمير الشفاة، وتسويد الأجفان، وتزجيج الحواجب، وما أشبه ذلك، فنسأل الله أن يُوفِّق الأُمَّة الإسلامية إلى ما فيه الخير والصلاح.
عدم الإجابة عن سؤال يُطلَب فيه أن تكون إجابته على مذهب من المذاهب
سُئِل الشيخ: هل لمس المرأة ناقضٌ للوضوء على المذهب الشافعي أم لا؟ فأجاب رحمه الله: في الحقيقة أنا شخصيًّا لا أُجيب عن السؤال الذي يُطلَب فيه أن تكون الإجابة على مذهب من لا يجب اتِّباعه سواء كان مذهب الشافعي أم الإمام أحمد أم الإمام مالك أم الإمام أبي حنيفة لأن الفرض على المسلم أن يسأل عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي يجب اتِّباعه لا أن أسأل عن مذهب فلان وفلان

النظر للعواقب التي تنتج عن الفتوى بشيء لا توجبه الحاجة

قال الشيخ رحمه الله: ينبغي لأهل العلم أن يكونوا علماء مربِّين؛ لا علماء مخبرين فقط، فتجد بعض الناس يعتمد على قول الفقهاء في مسألة ما دون أن ينظر في عواقبها، وما ينتج عنها من مفاسد، وهذا لا ينبغي، بل ينبغي للإنسان أن ينظر ماذا يترتَّب على هذا القول، أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ قال لمعاذ: ((أتدري ما حقُّ الله على العباد، وما حَقُّ العباد على الله؟))، قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((حَقُّ الله على العباد أن يعبدوه، ولا يُشركوا به شيئًا، وحَقُّ العباد على الله ألا يُعذِّب مَنْ لا يُشرِك به شيئًا))، فقال: يا رسول الله، أفلا أُبشِّر الناس؟ قال: ((لا تُبشِّرهم فيتَّكِلوا))، فمنعه من نشر هذا العلم العظيم المتعلق بالعقيدة خوفًا من أن يتَّكِل الناس، وألا يعملوا وألا يقوموا بالعمل، فكيف بمسألة دون ذلك بكثير يُخشى أن يترتَّب عليها شَرٌّ كثيرٌ! لذلك أدعو إخواننا المفتين أن يكونوا علماء مربِّين، وأن ينظروا ماذا ينتج عن الشيء المباح أما الشيء الواجب فلا بُدَّ من إعلانه ونشره، ولا يمكن لأحد أن يكتمه؛ لكن الشيء المباح الذي يفتح للناس باب شرٍّ عظيم لا نُخبِر الناس به، وهذه نقطة تفوت كثيرًا من طلاب العلم، وهي النظر إلى العواقب التي تنتج عن الفتوى بشيء لا توجبه الحاجة.

عمل المُفتي بما يُفتى به:

قال الشيخ رحمه الله: المفتي إذا أفتى يكون هو أول الناس عملًا بهذه الفتوى.
والشيخ كان يعمل بما يفتي به, ومن أمثلة ذلك:
قال الشيخ رحمه الله في شرحه لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( غُسل الجمعة واجب على كل محتلم) : الصواب عندي كالمقطوع به: أن غسل الجمعة واجب على كل إنسان.
وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال: ما تركته منذ علمت بهذا الحديث, لا صيفاً, ولا شتاءً, ولا حراً, ولا برداً, ولا إذا كان فيَّ مرض أتحمل معه الاغتسال, وقلت هذا حتى تعلموا أنني لا أشك في وجوبه, وأرى أنه لا بد أن يغتسل الإنسان.
وقال رحمه الله: مسألة العزاء, فالعزاء إنما كان تركه قطيعة رحم لأن الناس اعتادوه فصار الذي يتخلف عنه عندهم قاطع رحم, لكن لو أن الناس تركوه كما تركه الصحابة-رضي الله عنهم- والتابعون-رحمهم الله- ما صار تركه قطيعة رحم...ولهذا لو أن طلبة العلم بينوا للناس هذا الأمر وبدأوا بأنفسهم هم.
وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال: والدنا توفي ولم نجلس للعزاء, ووالدتنا توفيت ولم نجلس للعزاء, لو أن أهل العلم فعلوا ذلك لكان فيه خير كثير, ولترك الناس هذه العادات, لاسيما في بعض البلاد إذا مررت ببيت مات فيه ميت تقول: هذا بيت فيه زواج, لأنك ترى فيه من الأنوار في الداخل والكراسي والأشياء التي تنافي الشرع, وفيها إسراف وفيها بذخ.

الرجوع إلى الحق متى ما تبيَّن ضعف الرأي الذي كان عليه

قال الشيخ رحمه الله: الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل, وقال رحمه الله: متى تبيَّن للإنسان ضعف ما كان عليه من الرأي، وأن الصواب في غيره, وجب عليه الرجوع عن رأيه الأول إلى ما يراه صوابًا بمقتضى الدليل الصحيح.
وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال رحمه الله: الذي يُحقن به الدم وهو صائم, فهل يفطر أو لا يفطر كرجل حصل عليه حادث ونزف الدم منه ؟
الجواب: كنت أرى في الأول أنه يفطر, وأقول: إذا كان الطعام والشراب مفطراً, فإن الطعام والشراب يتحول إلى دم, فهذا لبابة الطعام والشراب وخلاصته, إذن يفطر, ثم بدا لي أنه لا يفطر, لأنه وإن أعطى البدن قوة لكنه لا يغنيه عن الطعام والشراب وليس من حقنا أن نُلحق فرعاً بأصل لا يساويه فتبن لي أخيراً أنه لا يفطر
والشيخ رحمه الله كان يرى جواز مس القرآن من المحدث ثم تراجع عن ذلك, قال الشيخ قال داود الظاهري وبعض أهل العلم لا يحرم على المحدث أن يمس المصحف...وكنت في هذه المسألة أميل إلى قول الظاهرية, لكن لما تأملت قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمسُّ القرآن إلا طاهر)..تبين أنه لا يجوز أن يمسَّ القرآن من كان محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر.. فالذي تقرر عندي أخيراً: أنه لا يجوز مس المصحف إلا بوضوء.
وقال الشيخ رحمه الله عن جلسة الاستراحة في الصلاة: نقول هي سنة في حق من يحتاج إليها لكبر أو مرض أو غير ذلك, وكنتُ أميل إلى أنها مستحبة على الإطلاق وأن الإنسان ينبغي أن يجلس...ولكن تبين لي بعد التأمل الطويل أن هذا هو القول المفصل قول وسط, وأنه أرجح من القول بالاستحباب مطلقاً.

التورع من القول بقول لم يقل به أحد من قبل

قال الشيخ رحمه الله: لا تهمل كلام العلماء, ولا تغفل عنه, لأن العلماء أشد رسوخاً منك في العلم, وعندهم قواعد الشريعة وأسرارها وضوابطها ما ليس عندك, ولهذا كان العلماء الأجلاء المحققون إذا ترجح عندهم قول, يقولون: إن كان أحد قال به وإلا فلا نقول به
وقد عمل الشيخ بما ذكره, فقد سئل إذا نزع الإنسان الشراب وهو على وضوء ثم أعادها قبل أن ينتقض وضوءه فهل يجوز له المسح عليها ؟ فأجاب رحمه الله: إذا نزع الشراب ثم أعادها وهو على وضوئه فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون هذا الوضوء هو الأول, أي إنه لم ينتقض وضوءه بعد لبسه فلا حرج عليه أن يعيدها ويمسح عليها إذا توضأ.
الحال الثانية: إذا كان هذا الوضوء وضوءاً مسح فيه على شرابه, فإنه لا يجوز له إذا خلعها أن يلبسها ويمسح عليها, لأنه لا بد أن يكون لبسهما على طهارة بالماء, وهذه طهارة بالمسح, هذا ما يعلم من كلام أهل العلم, ولكن إن كان أحد قال بأنه إذا أعادها على طهارة ولو طهارة المسح, له أن يمسح ما دامت المدة باقية, فإن هذا قول قوي, ولكني لم أعلم أن أحداً قال به, فإن كان قال به أحد من أهل العلم فهو الصواب عندي, لأن طهارة المسح طهارة كاملة, فينبغي أن يُقال إنه إذا كان يمسح على ما لبسه على طهارة غسل فليمسح على ما لبسه على طهارة مسح, لكنني ما رأيت أحداً قال بهذا.والله أعلم

معالم تربوية في الإفتاء

تهنئة السائل
في بعض الأسئلة التي تُوجَّه للشيخ رحمه الله، يذكر السائل من حاله أن الله عز وجل مَنَّ عليه بالهداية والتوبة، وسلوك طريق الاستقامة، فيقوم الشيخ بتهنئته على ذلك، ويسأل الله له الثبات، ومن الأمثلة على ذلك:
سئل الشيخ عن إنسان كان في ضلال، ثم مَنَّ الله عليه بالهداية، فهل الفترة التي كان فيها في ضلال محسوبة عليه؟ فأجاب رحمه الله: قبل الإجابة عن هذا السؤال أحِبُّ أن أهنِّئ الأخ الذي مَنَّ الله عليه بالاستقامة، ولزوم الصراط المستقيم، بعد أن كان منحرفًا في متاهات البدع والضلال، فإن هذا من نعم الله، بل هو أكبر نعمة ينعم الله بها على عبده، فأسأل الله أن يثبتني وإخواني المسلمين على دينه المستقيم، إنه جواد كريم.
وقال الشيخ رحمه الله لسائل: أقول: الحمد الله الذي هداه، حتى صار يصلي، فهو في الحقيقة أسلم بعد ردَّة، فعليه أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة, وقال رحمه الله لسائل: أقول: هنيئًا له بما منَّ الله عليه من هذا الرجوع إلى ربه عز وجل، والاستقامة على دينه، وبرِّه بوالدته، وحبِّه للخير، وأسأل الله أن يزيده من فضله.
وسئل الشيخ عن ابن نصح والده بعدم الإسهام في أحد البنوك، فأجاب رحمه الله: أقول لهذا الأخ الذي نصح أباه: هنيئًا لك، وثبَّتَك الله، وأكثَرَ من أمثالِكَ، وأقول له أيضًا ولغيره: إن محاولة منع الأب أو الأم من معصية الله هو البر الحقيقي حتى إن غضبوا عليك، فإن القلوب بيد الله، وسوف يجعل الله هذا الغضب رضًا وسرورًا؛ لأن القلوب بيد الله عز وجل.

نصيحة السائل

قال الشيخ رحمه الله ينبغي للمفتي إذا سُئِل عن شيءٍ، ورأى أن المستفتي أخطأ فيما هو أهم أن ينصحه، وقال: ينبغي لطالب العلم إذا جاءه مستفتٍ وهو على حال غير مرضية، أن ينتهز الفرصة من أجل نصحه؛ لأنه الآن جاء مُستعطِفًا مُستجديًا، فالفرصة سانحة لنصحه، وقال: لو قال لك رجل أنا طُفْتُ من دون حجر إسماعيل! فصحِّح كلامه أولًا ثم أجبه ثانيًا، والتصحيح قبل الجواب هو دَأْبُ الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن يوسف عليه الصلاة والسلام لما سأله الرجلان عن الرؤيا التي رآها كل واحد منهما دعاهما إلى التوحيد قبل أن يُجيبَهما، وهذه مسألة هامة، فإذا جاء إنسان يسألك، فاعلم أنه جاء مفتقرًا إليك سيقبل ما تريد، فابدأه أولًا بنصيحة إذا كان مُتلبِّسًا بشيء يجب إنكاره، وقد طبق الشيخ رحمه الله ما ذكره، ومن الأمثلة لذلك: أنه سئل: ما الحكم في المرأة التي تخرج من بيت زوجها بدون إذنه؟ فأجاب: أولًا هذا السؤال نوجه فيه نصيحة قبل أن نجيب عليه، وهو أننا ننصح جميع أخواتنا المؤمنات ألَّا يخرُجْنَ من بيوتهن إلَّا في حاجةٍ لا بد من الخروج فيها؛ لأن بيتها أصون لها، وأبعد لها عن الفتنة، وأسلم لدينها وخلقها، وأحفظ لزوجها، ثم نقول في الجواب عن السؤال ثانيًا.
وقال الشيخ رحمه الله لسائل: يجب عليك قبل كل شيء أن تشكر الله تعالى على نعمته عليك بالتزام الدين والشريعة، فإن هذا من أكبر النعم، بل هي أكبر النعم في الواقع، فاحمد الله تعالى على هذا، واشكره عليه، وسَلْهُ الثبات والاستمرار.
وقال الشيخ رحمه الله لسائل: نصيحتي لك أن تتحلَّل من زوجتك، وأن تطلب منها السماح، ونصيحتي لها أن تعفو عنك؛ لأنها أُمُّ أولادك، والحياة بينكما شركة الآن.

تنبيه السائل أن سؤاله من فضول العلم وإشغال نفسه به ليس فيه كبير فائدة
بعض الأسئلة التي تُوجَّه للشيخ ليس في معرفتها كبير فائدة، فيُوجِّه الشيخ السائل إلى الانشغال بما هو أنفع له، ومن الأمثلة على ذلك:
سئل الشيخ هل صحيح أن للأرض حركتين أم لا؟ فأجاب رحمه الله: إن البحث في هذا من فضول العلم، وليس من الأمور العقدية التي يجب على الإنسان أن يحققها ويعمل بما تقتضيه الأدلة، وإشغال النفس بمثل ذلك ليس فيه كبير فائدة.
وقال رحمه الله لسائل: مسألة دوران الأرض وعدم دورانها الخوض فيها في الواقع من فضول العلم؛ لأنها ليست مسألة يتعيَّن على العباد العلم بها، ويتوقَّف صحة إيمانهم على ذلك، ولو كانت هكذا لكان بيانها في القرآن والسنة بيانًا ظاهرًا لا خفاء فيه؛ فلا ينبغي أن يُتعِبَ الإنسان نفسه في الخوض بذلك.
وسُئِل الشيخ: هل هناك أدلة تدل على أفضلية الملائكة على الصالحين من البشر؟ فأجاب الشيخ رحمه الله، ثم قال: وأخيرًا إن الخوض فيها، وطلب المفاضلة بين صالح البشر والملائكة من فضول العلم الذي لا يضطر الإنسان إلى فهمه والعلم به، والله المستعان.
وسئل الشيخ عن مدة حمل مريم عليها السلام، هل كان تسعة أشهر أم ماذا؟ فأجاب رحمه الله: قبل الإجابة عن هذا السؤال أوَدُّ أن أقول: إن مثل هذه الأسئلة التي قد يكون الجواب عنها عديم الفائدة، لا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بها، فالإنسان لديه مسؤوليات لله عز وجل، ولعباد الله، لديه مسؤوليات لله تعالى عقيدة وقولًا وعملًا، فعليه أن يهتمَّ بذلك دون مثل هذه الأمور التي هي من فضول العلم، فلا ينبغي للإنسان أن يتشاغل بما ليس له فيه فائدة، ويدع ما له فيه فائدة.

وسئل الشيخ: لقمان والخضر، هل هما من الأنبياء، أم رجلان صالحان؟ فأجاب رحمه الله: ما رأيك لو قلتُ: إنهما من الأنبياء هل تتبعهما، والجواب أنك لن تتبعهما، حسنًا، ولو قلتُ: إنهما من غير الأنبياء، هل يضرهما شيء إن كانا من غير الأنبياء ؟! بالطبع لا، إذًا ما الفائدة من هذا البحث؟
توجيه السائل
الشيخ رحمه الله في إجابته عن أسئلة المستفتين لا يقتصر على الإجابة عن السؤال فقط، إذا كان في سؤال السائل ما يَستلزم التوجيه أو التنبيه، فيقوم الشيخ بالتنبيه والتوجيه، ومن الأمثلة على ذلك:
سُئِل الشيخ عن قول شخص: اللهم ارزُقني زوجة جميلة وهو في الصلاة، ما حكمه؟ فأجاب رحمه الله: لا بأس به؛ لكن أُحِبُّ أن أضيف إلى ذلك شيئًا آخر: ذات دين، تقول: اللهم ارزُقني زوجة جميلة ذات دين.
وقال رحمه الله لسائل: قبل أن أذكر الإجابة عن سؤاله أحب أن أنبهه وغيره على أن قوله: "شاءت الظروف" كلمة منكرة؛ فهذه العبارة "شاءت الظروف" أو "شاءت الأقدار" أو ما أشبه ذلك، لا يجوز، فعلى المرء أن يكُفَّ عن ذلك.
وقال رحمه الله لسائل: وأما قولك في سؤالك: "حكمت عليَّ الظروف الصحية"، فإن الظروف لا تحكم بشيء؛ بل الحكم لله، والتقدير لله، فإن الله هو الحكم وإليه الحكم، والله أعلم.
وقال رحمه الله لسائل: أولًا في قولك: الشيطان لعنه الله، ينبغي أن تقول: أعاذني الله منه، فإن هذا هو الأولى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: 200].

الدعاء للسائل

الشيخ لا يترك السائل دون أن يدعوَ له إذا رأى أنه يحتاج إلى ذلك، ومن الأمثلة:
قال رحمه الله في إجابة سائلة: نسأل الله لنا ولها الهداية والثبات على الحق.
وقال رحمه الله لسائل: أسأل الله أن يُعافيك، وأن يُقوِّيَكَ على العبادة.
وقال رحمه الله في إجابة سائلة: نرجو الله لها الشفاء والعافية.
قال رحمه الله في إجابة سائلة: أسأل الله تعالى أن يصلح حالها مع زوجها.
قال رحمه الله لسائل: بارك الله تعالى في هذا الولد، وجعله بارًّا بوالديه.
قال رحمه الله لسائلة: أسأل الله تعالى أن يمُدَّ في عمر زوجك وفي عمرك على طاعة الله، وأن يرزقنا جميعنا الصبر والاحتساب، والرحمة بمن يستحقُّون الرحمة.
شكر السائل
الشيخ رحمه الله إذا رأى في سؤال السائل ما يستلزم شكره، شكره، ومن ذلك:
قال رحمه الله لزوجة تعامل زوجها المريض معاملةً جيدةً: أنا أشكرك على ما تقومين به، حسب قولك من الرأفة به والإحسان إليه، والقيام بحقِّه.
وقال رحمه الله لرجل ربَّى أبناء عمِّه وهم صِغار: صُنْعُك هذا طيِّب، فجزاك الله خيرًا حيث عملت هذا من أجل إصلاح أولاد عمِّك، وهذا من صِلة الرَّحِم.
وقال رحمه الله لسائل: أولًا نشكرك على التزوُّج بزوجة أخيك بعد وفاته من أجل رعاية أبنائه؛ لأن هذا بلا شك من صلة الرَّحِم ومن الخير والمعروف.
وقال رحمه الله لسائلة: تقول: إنها تدخل الفصل حين أذان الظهر وإن الحصة أو الدراسة تبقى لمدة ساعتين، وإنها تبقى مشغولة في حين الدراسة بالتفكير في صلاتها، فنشكرها على هذه اليقظة وعلى حياة قلبها.

وختامًا:

فالشيخ رحمه الله، كان يحب الأسئلة التي يسأل فيها السائل عن معنى آية في كتاب الله؛ قال: سؤال هذا الرجل من أجود الأسئلة وأحبِّها إليَّ، وذلك أنه سؤال عن تفسير آية من كلام الله سبحانه وتعالى، الذي هو خير الكلام، وقال لسائل آخر: يعجبني مثل هذا السؤال، أعني السؤال عن آيات الله عز وجل، وذلك أن القرآن الكريم لم ينزل لمجرد التعبُّد بتلاوته، بل نزل للتعبُّد بتلاوته، وتدبُّر آياته، وتفكُّر معانيه، وللعمل به، وقال لثالث: أشكر أخي السائل الذي سأل عن معنى الآية الكريمة، وذلك لسروري بتفكُّر الناس في معاني القرآن الكريم وطلبهم تفسيره.
كما أن الشيخ كان يدعو للمسلمين في إجابته عن أسئلة السائلين، سئل الشيخ عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لله عز وجل، فأجاب رحمه الله، ثم قال: أسأل الله تبارك وتعالى لي ولإخواني النظر إلى وجه الله الكريم، وأسأل الله الهداية لمن أنكروا هذه الرؤية العظيمة التي هي ألذُّ ما يجده أهل الجنة في الجنة، والله على كل شيء قدير.
وسئل الشيخ عن الحوض المورود ما هو؟ وبعد أن أجاب رحمه الله، قال: اللهم اجعلنا ممن يشرب منه، اللهم اجعلنا ممن يشرب منه، اللهم اجعلنا ممن يشرب منه، يا رب العالمين.
وسئل الشيخ رحمه الله عن: رجل أُصيب ابنه بسحر، فهل يجوز له أن يذهب إلى أحد السحرة ليفكَّ عنه السِّحْر، وبعد أن أجاب الشيخ قال: نسأل لنا ولإخواننا المسلمين السلامة من الآفات، وأن يقينا شرَّ عباده.
اللهم وفِّقنا للاستفادة من معالم الفتوى عند الشيخ، واغفر له وارحمه.
 

كتبه / فهد  بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ


 

فهد الشويرخ