اطبع هذه الصفحة


زيارة إلى بيت المصطفى (1-3)

د.أمير بن محمد المدري


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جمع قلوب المؤمنين على الإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الديان، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله إلى الإنس والجان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل البر والإحسان، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين:
أخي :
سنقوم وإياك اليوم بزيارة، فتجهز, أعد العُدّة للانطلاق.
نحن اليوم على موعد مع أفضل زيارة، وأحب زيارة إلى قلوبنا، زيارة إلى أين؟ زيارة إلى بيت الطهر والشرف، إلى بيت الجود والكرم إلى بيت حبيب قلوبنا ونور أعيننا، نعم اليوم مع موعد مع زيارة بيت خير البرية محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ لنرى رسول الله مع أهله وفي بيته .
اللهم وفقنا للحج والعمرة وزيارة مسجد نبيك يا أكرم الأكرمين.
سنعود قرونًا خلت ونقلّب صفحات مضت، نقرأ فيها ونتأمل سطورها.
إنها رحلةٌ مباركة، إنها عظةٌ وعبرة، وسيرةٌ وقدوة، وإتباعٌ واقتداء .
ها نحن نطل على المدينة النبوية وهذا أكبر معالمها البارزة بدأ يظهر أمامنا، إنه جبل أحد الذي قال عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «هذا جبلٌ يُحِبُنا ونـُحبه » [متفق عليه].
وقبل أن نلج بيت الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونرى بناءه وهيكله، لا نتعجب إن رأينا المسكن الصغير والفُرش المتواضعة، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أزهد الناس في الدنيا وقد قال -صلى الله عليه وسلم- عن الدنيا: »مالي وللدنيا؛ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يومٍ صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها« [أخرجه الترمذي ( 4 / 508 ) رقم ( 2377 ) وقال: حسن صحيح وابن ماجه ( 2 / 1376 ) رقم ( 4109 ). وأحمد ( 1 / 301 ). وصححه الألباني كما في صحيح الجامع رقم ( 5668، 5669 )].
وقد أقبلنا على بيت الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونحن، نستحث الخُطى سائرون في طرق المدينة، ها هي قد بدت حُجر أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مبنية من جريد النخل عليه طين، بعضها من حجارة، وسقوفها كلها من جريد النخل. وكان الحسن-رحمه الله- يقول: «كنت أدخل بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-في خلافة عثمان فأتناول سٌقفـَها بيدي «. [الطبقات الكبرى لابن سعد: 1 / 499، 501، و السيرة النبوية لابن كثير 2 / 274. ]
ونحن نقترب من بيت النبوة ونطرق بابه بأظافرنا استئذانًا، ونحن في شوق لرؤيته والسلام عليه.
لندع الخيال يسير مع من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يصفه لنا كأننا نراه، لكي نتعرف على طلعته الشريفة ومحياه الباسم.
عن البراء بن عازب-رضي الله عنه - قال: «كان النبي- -صلى الله عليه وسلم- - أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير®.
«وكان النبي -صلى الله عليه وسلم - مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئًا قط أحسن منه ® [رواه البخاري].
وسأله رجل: أكان وجه رسول الله --صلى الله عليه وسلم--مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر». [رواه البخاري. ]وقال أبو هريرة -رضي الله عنه -: ©ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله --صلى الله عليه وسلم--، كأن الشمس تجري في وجهه®، وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه - قال: ©رأيت رسول الله --صلى الله عليه وسلم--في ليلة (مقمرة)، وعليه حُلَّة حمراء، فجعلتُ أنظر إلى رسول الله --صلى الله عليه وسلم--وإلى القمر، فإذا هو عندي أحسنُ من القمر®.
وعن أنس -رضي الله عنه - قال: «ما مسست بيدي ديباجًا ولا حريرًا، ولا شيئًا ألين من كف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ولا شممت رائحة أطيب من ريح رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ®. [متفق عليه. ]
أما وقد رأينا الرسول - صلى الله عليه وسلم- وبعض صفاته أُذن لنا واستقر بنا المقام في وسط بيت نبي هذه الأمة عليه الصلاة والسلام
إنه بيتٌ متواضع وحُجَرٌ صغيرة، تسع حجرات لكل زوجة حجرة هي البيت بكاملة، وقد بلغت مساحةُ كل واحدةٍ مِن الحجرة والفناء ثمانيةَ أذرُع طُولًا وعرضًا، نصف الحجرة لأهله، والنصف الثاني مقسوم بسترة لمن أتاه من الناس، وكان -صلى الله عليه وسلم- اذا أراد يسجد في صلاته النافلة وهو في بيته ترفع عائشة -رضي الله عنها - رجلها لضيق الغرفة ، بيت ليس بالواسع كبيوتنا لكنه عامر بالإيمان والطاعة، وبالوحي والرسالة!
إنه بيتٌ أساسه التواضع ورأس ماله الإيمان، بيت نبوي مبارك، لا شرقي ولا غربي، في زمن طغت فيه الماديات وتباهى فيه الناس بأغلى المفروشات، تكاثر وتفاخر، بالدور والقصور، مُجَملة الظاهر، مزينة بالنمارق ولكنها خاوية الروح، وفاقدة الأنس بالله.
ها نحن نرى جدران بيت رسول الله تخلو من صور ذوات الأرواح التي يعلقها بعض ن الناس اليوم! ! فقد قال عليه الصلاة والسلام: »لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تصاوير« [صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق (3322)، وصحيح مسلم في كتاب اللباس (2106). من حديث أبي طلحة ا].
أما فراشه -صلى الله عليه وسلم- فكان من الجلد المدبوغ، حشوه ليف و هو ليف النخل، وكذلك هي الوسادة.
فكان --صلى الله عليه وسلم-- ينام على الفراش تارة ، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة .
ويدخل -رضي الله عنه - بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما، ويرمي ببصره إلى نواحي البيت فلا يكاد يقف على شيء من الأثاث سوى قِطَعٍ جلديّة رثّة، وجرّة بها ماؤه ووضوؤه، وصحافٍ قديمة ليس بينها مائدة طعام، ورفٍّ عليه شيء من الشعير الذي تصنع منه عائشة رضي الله عنها ما يأكلون.
وبينما كان عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه - غارقاً في تأمّلاته إذ قام النبي -صلى الله عليه وسلم- من حصيره وقد أثّر على جنبه الشريف، عندها تفجّرت مآقي الدمع من عيون عمر -رضي الله عنه - ، ولم يستطع أن يحتمل أكثر من ذلك.
فسأله رسول الله عن سبب بكائه ودموعه فقال: "يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، على النمارق والحرير والديباج وأنت رسول الله" على حصير فقال -صلى الله عليه وسلم- : ©أو في شك أنت يا ابن الخطاب: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ) أولئك قوم عجلت لهم طيّباتهم في الحياة الدنيا ® متفق عليه. .
رسول الله حبيب الله من تفتح له الجنة من يشفع للخلائق يوم العرض الأكبر كان أحياناً لا يجد ما يملأ بطنه -صلى الله عليه وسلم - يمر عليه الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلّه في شهرين وما أوقد في بينته نار، أكلهم الأسودان التمر والماء، يظل أياما وليالي متتابعة بأبي وأمي طاويا هو وأهله لا يجدون ما يأكلون، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يظل اليوم يلتوي من الجوع وما يجد من – رديء التمر – ما يملأ بطنه.
وخرج ذات يوم فلقي أبا بكر وعمر فقال: © ما أخرجكما من بيوتكما الساعة® قالوا: "الجوع يا رسول الله" قال: © وانا والذي نفسي بيده أخرجني الذي أخرجكما®.
ربط من شدة الجوع الحجر على بطنه، وناولته فاطمة كسرة خبز فقال: © هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاث®، وخرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير بأبي وأمي -صلى الله عليه وسلم- عُرضت له مفاتيح الخزائن فأباها، واختار لنفسه ولأهل بيته عيشة الكفاف لا تحريماً للطيبات، ولا عجزا عن مُتع الحياة، ولكنه استعلاءٌ عن الشهوات، شعاره لا عيش إلا عيش الآخرة.
لنتأمل في حال رسول هذه الأمة وقائدها ومعلمها -صلى الله عليه وسلم -؛ وهديه في التعامل مع زوجاته وهو القائل: © خيركم خيركم لأهله®.
كان بأبي وأمي جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم ويضاحك نساءه، كان لهن الزوج الحبيب، والجليس المؤانس، والموجه الناصح، لا يؤذيهن بلسانه أو بيده، وما ضرب بيده امرأةً ولا خادماً قط وكان يوصي أصحابه بزوجاتهم خيرا قائلا: © استوصوا بالنساء خيرا ®.
وكان يُسرِّب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها، وكان إذا هوت شيئاً لا محذور فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه في موضع فمها وشرب، وكان يتكئ في حجرها ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها، وربما كانت حائضاً.
إنه -صلى الله عليه وسلم- زوجٌ مثالي، قدوة عظيمة، زوج لا كالأزواج وصدق الله القائل: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) [الأحزاب: 21]

لم تشغل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم - الرسالة، والنبوة عن إصلاح منزله ورعاية أسرته، ولم يخلو بيته -صلى الله عليه وسلم- من المشكلات الزوجية، ولم يسلم من صوت المنغصات والمكدرات مثَله مثل سائر البيوت.
تعالوا بنا نسائل زوجاته أمهات المؤمنين فنسمع منهن.
أخي الكريم: لو اكتشف أحدنا أن زوجته تشكّ في بعض تصرفاته، وربما تلصَّصَت على أقواله أو أفعاله أو تبعت خطواته هنا أو هناك، يدفعها إلى ذلك الرِّيبة وسوء الظن، ماذا سيصنع بها زوجها؟ وما موقفه من هذه الأنثى الضعيفة التي تجرح كبرياءه بشكّها وتهدّد قوامته برصدها ومتابعتها؟ أيلطمها ويسبّها، أم يتفوّه بطلاقها، أم يبادلها الشكّ والرِّيبة ويضع تصرّفاتها تحت مجهره وبين عينيه؟ ! ربما فعل أحدنا ذلك كله أو بعضه، ولكن دعونا نعرض ذلك على بيت محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهل وقع شيء من ذلك، وما الذي صنعه أفضل الخلق؟
تُحدثنا أمّنا أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- قائلة: ألا أحدثكم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعني، قالوا: بلى، قالت: «لما كانت ليلتي التي كان فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- عندي فجلس فوضع رداءه، وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويدًا، وانتعل رويدًا، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه ـ أي: أغلقه ـ رويدًا، فجعلتُ دِرْعِي في رأسي، واختمرت وتقنّعت إزاري، ثم انطلقت على إثره حتى جاء البَقِيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت ـ والإحضار العدْو ـ فسبقتُه، فدخلتُ فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: «ما لك يا عائشُ حَشْيا رابيةً؟ » ـ يعني أنّ نفَسَها مرتفع ـ قالت: لا شيء، قال: «لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير»، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته، قال: «فأنتِ السّواد الذي رأيت أمامي؟ » قلت: نعم، فلَهَدَني في صدري لَهْدَة أوجعتني ـ ومعنى لَهَدَني: دفعني ـ ثم قال: «أظننتِ أن يحيف الله عليك ورسوله؟ ! » قالت: مهما يكتم الناس يعلمْه الله.
ثم انظروا ـ يا رعاكم الله ـ إلى أَرِيحيّته وسعة صدره وهو يبيّن لها في آخر الليل السبب الذي دعاه إلى ما صنع، قال: «فإن جبريل أتاني حين رأيتِ فناداني، فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعتِ ثيابك، وظننتُ أن قد رقدتِ، فكرهت أن أوقظكِ، وخشيتُ أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم» الحديث، [أخرجه أحمد 6/221. و"مسلم" 3/64].
ومثال آخر، لو طلبت زوجة أحدنا منه أن يساعدها في تنظيف المنزل أو ترتيب أركانه فما عساه يقول في جوابها؟ أيوافق مستبشرًا، أم يُكشّر غاضبًا وكأنّ رجولته قد انتقصت؟ ! أمّا محمد بن عبد الله فتقول عنه زوجه عائشة-رضي الله عنها- فيما أخرجه البخاري عن الأسود قال: سألت عائشة -رضي الله عنها- : ما كان النبي يصنع في بيته؟ قالت: «كان يكون في مهنة أهله ـ تعني خدمة أهله ـ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة».
نعم تعامل الإنسان في بيته هو محكه الحقيقي الذي يبين حُسن خلقه وكمال أدبه هكذا كان رسول هذه الأمة وقائدها ومعلمها في بيته.
عباد الله: زيارتنا لبيت المصطفى لم تنته بعد ولنا وقفة أخرى ة قادمة ان شاء الله.

زيارة إلى بيت المصطفى (2-3)
 

أمير المدري
  • كتب وبحوث
  • مقالات ورسائل
  • خطب من القرآن
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية