اطبع هذه الصفحة


وصايا للخطباء(8) : ثقـافة الخطيب(3)

د.أمير بن محمد المدري


بسم الله الرحمن الرحيم

 
عاشراً: فقه الواقع:

ومن ذلك:
أ) واقع العالم الإسلامي:

الخطيب الناجح لا يجهل أحوال أمته وواقع عالمه، وإلا فأين الجسد الواحد، ومن أين تستقي الجماهير أخبار إخوانهم وكيف يمكنهم مد العون لهم أو على الأقل المشاركة بالدعاء والدعم المعنوي لقضاياهم وأزماتهم؟!
وهناك أخي الخطيب مواقع في شبكة الانترنت حاول أن تزورها في الأسبوع ولو مرة للإطلاع على أخر أخبار الأمة الإسلامية مثل موقع المختصر للأخبار، إسلام أُون لاين، الإسلام اليوم، المركز الفلسطيني للإعلام، صيد الفوائد وغيرها من المواقع.

ب) واقع القوى العالمية المعادية للإسلام:

فإن تكالب أعداء الإسلام على الإسلام ودعاته أمر لا ينكره إلا مكابر، وتنوع أساليب الأعداء وتبادلهم الأدوار، فهذا اليوم يقوم بدور الحمائم، وغداً يكون هو الصقر الذي ينقض على فريسته، ومع غفلة الأمة عن إدراك حقيقة الصراع وطبيعته يصبح دور الدعاة والخطباء أمراً لازماً لتبصير الأمة بهؤلاء الأعداء وأساليبهم ومؤامراتهم، فإدراك الخطيب بهذا الواقع وأساليب الأعداء من اقتصادية وسياسية وفكرية وتنوع صورها من مؤسسات تنصيرية أو تبشيرية أو استشراقية، أو ماسونية، وتحذيره الأمة وتبصيرها بذلك من شأنه أن يقيها ضربات موجعة مؤلمة، ولكن يجب الانتباه إلى أمرين:
الأول: عدم التهويل والمبالغة في شأنها، الأمر الذي ربما سبب اليأس والقعود، كما أن التهوين يسبب الاستهانة وعدم الأخذ بالأسباب.
الثاني: إدراك طبيعة العلاقة بين هذه القوى المعادية، وأنهم تحسبهم جميعاً، وقلوبهم شتى.

جـ- واقع الأديان المعاصرة:

فمعرفة واقع الأديان المعاصرة وما اعتراها من تحريف وانحراف أمر ذو بال؛ فمعرفة اليهودية بتوراتها المحرفة وتلمودها ونظرته إلى الأمميين وانعكاس ذلك على الحركة الصهيونية وطبيعة الصراع الإسرائيلي.
ومعرفة النصرانية بطوائفها وكنائسها وما بينها من صراعات وخلافات ومحاولات ما يسمى بالتقارب النصراني اليهودي وتبرئة اليهود من دم المسيح وما ترتب على ذلك من تغير طبيعة الصراع بينهما وتوحيد الجبهة ضد المسلمين.
وكذا معرفة أديان الشرق الأقصى الكبرى من هندوسية أو بوذية وطبيعة العلاقة بينها وبين المسلمين، كل ذلك رصيد يحتاجه الخطيب ولا غنى له عنه.

د- واقع المذاهب السياسية المعاصرة:

من شيوعية ورأسمالية واشتراكية وديمقراطية وعلمانية وقومية وعولمة، ومعرفة الفرق بينها وأبعادها ومدارسها وصور ممارساتها في العالم الإسلامي ولبوس الزور التي تلبسها للتلبيس على المسلمين، وموقف الإسلام منها ومبادئها.

هـ- واقع الحركات الإسلامية المعاصرة:

ومعرفة أصولها الفكرية والحركية ومبادئها وحجم دعوتها وتأثيرها، والحذر من الحركات المخالفة، مع النظرة الصحيحة القائمة على العدل، والمستقاة من النظرة الصحيحة في التعامل معها. فما على الخطيب إذن إلا أن يحفظ من كل باب دوحة من المعلومات التي تنمي ملكته وتعضد فكرته وتقوم لسانه وتهيج مشاعره؟
ولن يملك الواعظ والخطيب أن يكون معالجاً للواقع المريض إلا بمعرفة أمراضه وكشف أسبابها ووصف أدويتها، ولن يكون مصلحاً في الناس ولا مؤثراً في نفوسهم ولا مغيراً في سلوكهم إلا بالعلم والحكمة والوعي؛ تلك التي تجتمع في إطار ثقافة خاصة لا يكتمل تحصيلها بغير القراءة الواعية المستمرة.

وهذه الثقافة ستكون سلاح الخطيب الذي يواجه به جهل الناس بقيم الإسلام وأحكامه، وانشغالهم المفرط بشئون دنياهم عن أمور دينهم، وغفلتهم عن اتخاذ الإسلام أساسا لإصلاح الواقع وبناء المستقبل. وستكون هذه الثقافة عونـا له على حسن النظر في سطور كتاب الواقع الذي تتلاحق فيه أنفاس الحياة، وتتعاقب فيه المستجدات والمتغيرات، وتدور فيه عجلة الأحداث بسرعة لا تمهِل حملة الدعوة وصناع الرأي وفرسان التوعية والتذكير. وإن غياب هذه الثقافة سيجعل الواعظ والخطيب معزولا عن الواقع، يحلق وحيدا في أجواء خالية، ويدور في حلقة مغلقة، بعيدا عن إدراك حاجة المجتمع، وتحديد مستلزمات الإصلاح، وتحقيق رسالة الوعظ، والقيام بواجب التوعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وصايا للخطباء(9) : ثقـافة الخطيب(4)

 

أمير المدري
  • كتب وبحوث
  • مقالات ورسائل
  • خطب من القرآن
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية