اطبع هذه الصفحة


يا نفس توبي
زمن التوبة

أنور إبراهيم النبراوي
@AnwarAlnabrawi


ولا بد أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة، فإن لم تكن كذلك فلا توبة للإنسان، فعند حضور الأجل تنقطع توبة العبد ولا تقبل منه فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ"([1])، أي: إذا لم تبلغ الروح الحلقوم، قال تعالى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ *وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ *وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ}[الواقِعَة: 83-85].
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله:
وَتُقْبَلُ التَّوْبَةُ قَبْلَ الْغَرْغَرَهْ ... كَمَا أَتَى فِي الشِّرْعَةِ الْمُطَهَّرَهْ [2]
أي حال الاحتضار عند حشرجة الروح في الصدر إيذانا بالفراق كما قال سبحانه وتعالى: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ *وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ *وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ *وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ *إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}[القِيَامَة: 26-30].فمن تاب عند الموت حين ينكشف الغطاء، ويعاين الملائكة، وأمور الآخرة وصار الغيب شهادة، لم ينفعه حينها الإيمان ولا التوبة.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: "التوبة مبسوطة ما لم ينزل ملك الموت".

بادر إلى التَّوبة الخَلْصَاءِ مُبتدئًا ---  والموتُ ويْحكَ لم يَمدُدْ إليك يدًا

فوقت التوبة ينقطع حين تطلع الشمس من مغربها، فحينئذٍ يؤمن الناس أجمعون، ولا ينفعهم ذلك عند الله، ولا يغني عنهم شيئًا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا» ثم قرأ قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ}[الأنعَام: 158] ([3]).
إن التوبة التي يقبلها الله هي التي تصدر من النفس التي حرَّكها الندم من الأعماق حتى استفاقت فثابت وأنابت وهي في فسحة من العمر، وبحبوحة من الأمل؛ رغبة في التطهر وسلوك طريق جديد، هنا تكون التوبة لا تأجيل فيها ولا تسويف، وذلك بالمبادرة في زمن المهلة، والمجاهدة في طريق الشهوة، والاستعلاء في عالم المادة واللذة.

أُسوِّف توبتي خمسين عامًا --- وظَنِّي أنَّ مثلي لا يتوب

قال أبو بكر الواسطي رحمه الله: "التأني في كل شيء حسن إلا في ثلاث خصال: عند وقت الصلاة، وعند دفن الميت، والتوبة عند المعصية".
وإن كان الدين الإسلامي قد ذم الاستعجال، وجعل العجلة مذمومة في غالب الأمور، إلا أن الاستعجال والمبادرة إلى التوبة أمر محمود، ومأمور به.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}[النِّسَاء: 17].
أي: يتوبون من قريب قبل أن يتبين لهم الموت ويدخلوا في سكراته، ويحسوا أنهم على عتباته، فيتوبون توبة ندم وانخلاع عن الخطيئة، ونية على العمل الصالح.
وقد مَنَّ الله على عباده؛ بأن جعل بعد الذنب فسحة للتوبة، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لِيَرْفَعُ الْقَلَمَ سِتَّ سَاعَاتٍ عَنِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ الْمُخْطِئِ أَوِ الْمُسِيءِ، فَإِنْ نَدِمَ وَاسْتَغْفَرَ اللهَ مِنْهَا أَلْقَاهَا، وَإِلَّا كُتِبَتْ وَاحِدَةً» ([4]) .
الإساءات منا كثيرة لكن عفو الله جزيل.. والزلل والخطأ منا عظيم لكن مغفرة الله ورحمته أعظم.. فهو الكريم الجواد.. الرحيم بالعباد.


أنور إبراهيم النبراوي             
داعية إسلامي وباحث في الدراسات القرآنية والتربوية
 ومهتم بشؤون الأسرة
Twitter: @AnwarAlnabrawi                                                  
E-mail: Aidn1224@gmail.com
 

---------------------------------
([1])  أخرجه أحمد (6160) والترمذي (3537)، وقال: حسن غريب، وحسَّنه الألباني في جامع الصغير (1903).
[2] معارج القبول بشرح سلم الوصول (3/ 1040).
([3]) أخرجه البخاري (4636)، ومسلم (157). عن أبي هريرة رضي الله عنه
([4]) أخرجه الطبراني في الكبير (7765)، وأبو نعيم في الحلية (6/ 124)، وحسَّنه الألباني في الصحيحة (1209).


 

أنور النبراوي
  • مقالات
  • كتب
  • تغريدات
  • الصفحة الرئيسية