اطبع هذه الصفحة


أبناؤنا والإرهاب ( من الأسباب الأُسـرية والاجتماعية )

أ . د / صالح بن علي أبو عرَّاد
@abuarrad
أستاذ التربية الإسلامية بكلية التربية في جامعة الملك خالد


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد ؛
فتُعد ظاهرة الإرهاب الإجرامية واحدةً من أبرز الظواهر الاجتماعية المُعاصرة التي لها جذورها التاريخية القديمة جداً عبر تاريخ البشرية . وإذا كان الإرهاب الإجرامي في الماضي محدداً في بعض الأحداث التاريخية والأماكن المعينة ؛ فإن مما يؤسف له أنه أصبح في وقتنا الحاضر منتشراً في كل مكانٍ من عالمنا المعاصر ، ويأخذ أشكالاً مُختلفةً وصوراً متعددة ، جعلت منه موضوعاً يستحق الدراسة والتحليل ؛ لكونه ظاهرةً اجتماعيةٌ سلبيةً تُقلق الأفراد والمجتمعات على حدٍ سواء ، ولها من الآثار السيئة ، والنتائج المؤلمة ، والعواقب الوخيمة ، ما يُهدد حياة الإنسان ، ويحرمه نعمة الأمن والاستقرار ، إضافةً إلى ما يترتب عليها من إثارةٍ للرعب والخوف والفزع بين الناس في كل زمانٍ وأي مكان .

ولأن أسباب الإرهاب كثيرةٌ ومتنوعةٌ ومُتجددة ويمكن أن تؤدي مُنفردةً أو مجتمعةً لحصول ظاهرة الإرهاب الإجرامية ؛ فإنني سأتحدث في هذه العُجالة عن الأسباب الأُسرية والاجتماعية على وجه الخصوص ، وهي تلك الأسباب التي تتمثل في أنماط التنشئة الاجتماعية الخاطئة داخل محيط الأُسرة والمجتمع ، والتي تؤدي بالضرورة إلى نتائج سلبية تظهر على سلوك الأبناء داخل الأُسرة ، أو الأفراد في المجتمع فيما بعد .

فقد يكون من هذه الأسباب العنف والقسوة في التعامل بين الآباء والأبناء ذكوراً كانوا أم إناثاً . ويتبع لهذه الأسباب الأُسرية إهمال رعاية الأُسرة لأبنائها وعدم العناية الكافية بهم وبتوجيههم ، أو عدم استقرار وضع الأُسرة ؛ فينتج عن ذلك ما يُسمى بالتفكك الأُسري الذي يؤدي - في الغالب - إلى ضعف أو انعدام مراقبة ومُتابعة أولياء الأُمور لسلوكيات وتصرفات الأبناء ؛ الأمر الذي قد يدفعهم إلى الاختلاط ببعض رفقة السوء الذين يقودونهم بطريقةٍ أو بأُخرى إلى الضياع والانحراف ، ومن ثم يتشكل عندهم ما يمكن أن يُسمى بالانحراف الفكري الذي يؤدي إلى الكثير من السلبيات التي منها أعمال الإرهاب الإجرامية ، أو غيرها من السلوكيات المُنحرفة الأُخرى .

كما أن من هذه الأسباب انحراف سلوك أحد الوالدين أو غيرهما من أفراد الأُسرة فينتج عن ذلك فقدان القدوة الحسنة في محيط الأُسرة . أو سوء علاقة الآباء بالأبناء ، أو عدم الوفاق بين الوالدين ، ونحو ذلك من صور التعامل الأُسري غير الصحيحة في المجتمع ، والتي لا شك أنها تؤدي إلى الشعور بالقلق والخوف والحرمان ، مما يجعل الفرد في توترٍ نفسيٍ مُستمرٍ قد يُشكّل لديه ميلاً إجرامياً .

كما أن هناك أسباباً اجتماعيةً أُخرى كعدم عناية المجتمع بأفراده وانعدام أو ندرة فرص الحياة الكريمة لهم ؛ أو انتشار البطالة والفقر ، أو شيوع المُنكرات فعليةً كانت أو قولية ، أو أن تنتشر الطبقية الاجتماعية المقيتة التي تُقسِّم المجتمع إلى فئاتٍ وطوائف مُتباينة ، ومستوياتٍ اجتماعيةٍ مُختلفة .

وهنا لا بُد من الإشارة إلى أن مشكلة الفراغ تُعد أساس كل تفكير سيئ ، ومنطلق أي انحرافٍ فكريٍ أو سلوكي يُمكن أن يتطور إلى وقوع الشباب العاطلين فريسةً لبعض المُنظمات الإرهابية التي تنتهز فرصة هذه الظروف الاجتماعية القاسية في توظيف هؤلاء للقيام ببعض الأعمال الإرهابية الإجرامية ومن ثم تحقيق أغراضهم وأهدافهم الخبيثة .

أما دور الأُسرة في مواجهة ظاهرة الإرهاب الإجرامية فهو دورٌ بارزٌ وفاعلٌ وعلى قدرٍ كبيرٍ من الأهمية ، حيث يتمثل في العمل على تربية الأبناء فيها تربيةً تقوم على الحب والحنان والعطف ، والبُعد عن كل أشكال العنف والقسوة في التعامل بين أفرادها ، والحرص على استثمار أوقات الفراغ فيما يعود عليهم بالنفع والفائدة ، والعمل على حُسن التوجيه ، والتعويد على احترام الآخرين وحُسن التعامل معهم ، والالتزام بالقيم والعادات والسلوكيات الاجتماعية الحسنة ، وكف الأذى عن الآخرين ، وحتى تقوم الأُسرة بدورها التربوي ؛ فإن عليها أن تقوم بتهيئة البيئة الأُسرية المُستقرة الهادئة لمعيشة أفرادها ، وأن تكون قائمةً على الحب والإخاء والعطف والرحمة ، وخاليةً من أنواع المحاباة ، أو التمييز ، أو التحيز ، أو التسلط ، أو القسوة والعنف .

 

صالح أبوعرَّاد
  • كتب وبحوث
  • رسائل دعوية
  • مقالات تربوية
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية