اطبع هذه الصفحة


الملامسة النبوية ومضامينها التربوية

أ . د / صالح بن علي أبو عرَّاد
@abuarrad
أستاذ التربية الإسلامية بكلية التربية في جامعة الملك خالد


الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ، والصلاة والسلام على من جاء داعيًا لحُسن التعامل واللين والرفق ، وعلى آله وصحبه والتابعين ، أما بعد :
فتُمثل السيرة النبوية الشريفة الأنموذج الإنساني المتكامل الذي يشتمل على كثيرٍ من المعاني والمضامين والدروس التربوية التي اعتنى بعض الباحثين في مجال التربية الإسلامية بتسليط الضوء على أجزاءٍ متناثرةٍ منها ؛ والتي لا يزال هناك الكثير مما لم يُتعرض له منها بالبحث والدراسة الكافية ؛ الأمر الذي يفرض علينا أن نوليه ما هو في حاجةٍ إليه من الاهتمام والعناية التي يستحقها .

ولعل مما يلفت النظر إلى أحد المضامين التربوية الرائعة في كثيرٍ من الأحاديث النبوية الشريفة أن النبي ( صلى الله عليه وسلّم ) كان يحرص ( كما توضح ذلك بعض الأحاديث الصحيحة ) على وضع يده الشريفة على بعض المواضع المؤثرة في الجسم البشري لمن كان يتعامل معهم من أصحابه ( رضوان الله عليهم ) في مناسباتٍ مختلفة ، فيكون لتلك الملامسة النبوية الحانية آثارها التربوية الإيجابية الفاعلة التي تشمل جميع جوانب النفس الإنسانية المختلفة .

ولأن هذا الجانب التربوي على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية في حياة الإنسان المسلم ؛ فإن من الضروري أن يُشبع بحثًا ودراسةً واستقصاءً ، ولاسيما أن بعض علماء السلف قد أشاروا إلى ذلك في مواضع مختلفة فقد ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه العظيم ( فتح الباري ) ، في باب ( وضع اليد على المريض ) ، بعضًا من فوائد وضع اليد على جسم المريض ، وفي ذلك يقول :
" قال ابن بطال : في وضع اليد على المريض تأنيسٌ له ، وتعرُّف لشدة مرضه ليدعوا له بالعافية على حسب ما يبدوا له منه ، وربما رقاه بيده ومسح على ألـمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد ( أي الزائر للمريض ) صالحًا " ( ص 126 ) .

وهنا تجدر الإشارة إلى أن من أبرز المضامين التربوية والنفسية في هذا الشأن أن النبي ( صلى الله عليه وسلّم ) لم يكن يضع يده على أجسام من يتعامل معهم عبثًا ، وإنما كان يضعها لهدفٍ وغايةٍ مقصودة تتمثل فيما يعلمه ( صلى الله عليه وسلّم ) من أن في تلك الملامسة نفعًا وفائدةً للإنسان ، ولأنه قد يترتب عليها حصول بعض الطمأنينة والهدوء النفسي عند هؤلاء ، ولذلك فإن المتأمل لما جاء في هذا الشأن يجد أنه ( صلى الله عليه وسلّم ) كان يحرص على ملامسة مواضع محددة من الجسم ، وبقليلٍ من التركيز يتبيّن أن هناك موضعين رئيسيين في الجسم كان ( صلى الله عليه وسلّم ) غالبًا ما يحرص على وضع يده الشريفة عليهما أكثر من غيرهما ، وهما : الرأس ( الناصية ) ، والصدر .

ولعل ذلك راجعٌ فيما يبدو إلى أن في ملامسة الرأس دلالةٌ على أهمية الجانب العقلي في شخصية الإنسان ، والرأس يُمثل هذا الجانب في الغالب ، وأما ملامسة الصدر ففيها دلالةٌ على الاهتمام والعناية بالجانب الوجداني الذي تُمثله في الإنسان العواطف والمشاعر .

وليس هذا فحسب ؛ فإن المتتبع للنماذج القولية والفعلية والتقريرية في حياة الرسول ( صلى الله عليه وسلّم ) ، والمتأمل لأحداث سيرته النبوية الشريفة ومواقفها التربوية سيجد فيها كثيرًا من المضامين والمعاني التربوية التي تؤكد هذه الرؤية أو تُضيف إليها ، ولاسيما متى تمت الإفادة في هذا الشأن من الجوانب العلمية التجريبية ذات العلاقة كدراسات المجال المغناطيسي الذي أثبتت بعض الدراسات العلمية أن كل شيء في الوجود له مجال مغناطيسي سواءً في الجماد أو النبات أو الحيوان .
= فهل يمكن أن نسعد في مستقبل الأيام بعناية المختصين بهذا الجانب التربوي الهام ؟

= وهل ستتوجه الدراسات التربوية والنفسية في جامعاتنا للاهتمام بمثل هذه الجوانب التي تهم حياة الفرد والمجتمع ؟


إنها دعوة للتأمل في هذا الأنموذج التربوي النبوي الذي يُمثل كل معالم الإنسانية الخيِّرة التي يمكن متى تم تطبيقها في واقع الحياة أن يترتب عليها اطمئنانًا نفسيًا ، وشعورًا بالقبول والرضا الاجتماعي ، ولاسيما بين الوالدين والأبناء ، والمعلمين والطلاب ، والأزواج و الزوجات ، وغيرهم . والله الهادي إلى سواء السبيل .

 

صالح أبوعرَّاد
  • كتب وبحوث
  • رسائل دعوية
  • مقالات تربوية
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية