اطبع هذه الصفحة


تساؤلاتٍ خمسة مع إجاباتها

أ . د / صالح بن علي أبو عرَّاد
@abuarrad
أستاذ التربية الإسلامية بكلية التربية في جامعة الملك خالد


الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد ؛
فهذه تساؤلاتٍ خمسةٍ جاءتني من بعض الشباب الذين رغبوا أن أجيبهم عنها من منظور التربية الإسلامية ، ولأنني أعلم أن هناك من قد تدور في ذهنه بعض هذه التساؤلات أو ما شابهها ؛ فقد رأيت أن أنشـرها ليتمكن الجميع من الاطلاع عليها ، عسى الله تعالى أن ينفع بها ، وأن تكون من باب العلم النافع ، وصلى الله وسلّم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .
أبها في 14 / 11 / 1433هـ

=-=-=

أولاً / الخجل من الناس
س1/ أنا طالب جامعي ومارست كثيرا من الأنشطة الدعوية ولكني لا زلت أعاني من ضعف الشخصية ، ولا أستطيع التحدث أمام الآخرين أرجو التوجيه ؟

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلّمه البيان ، والصلاة والسلام على صاحب أفصح لسان وأعظم بيان ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم في كل زمانٍ ومكان ، أما بعد ؛
فإن ما تُعاني منه يا أخي الكريم أمرٌ يمر به كل إنسان ولاسيما في البدايات ، وأحب أن أُطمئنك أنه ليس ضعفًا في الشخصية كما تتصور ، فالقدرة على الحديث أمام الآخرين أمرٌ يحتاج إلى توافر أمرين اثنين هما :
( 1 ) الموهبة ، وهي منحةٌ من الله تعالى للعبد ، يؤتيها من يشاء ، ويمنعها عمن يشاء .
( 2 ) التعود والتدريب والمُمارسة ، وهي خطواتٍ يقوم بها الإنسان الراغب في اكتساب هذه القدرة والمهارة ، وكثيرًا ما ينجح الراغبين في ذلك بتوفيق الله سبحانه ثم بعلو الهمة والحرص والعناية بالتدريب والتمرين المستمرين .
وهنا أقول لأخي الكريم : إن مواجهة الناس والتحدث إليهم أمرٌ ليس بالأمر السهل ؛ إلاّ أنه في الوقت نفسه ليس بالصعب ولا بالمُستحيل ، وهناك الكثير من المواقف التي تُخبرنا أن أصحابها كانوا يُعانون من المشكلة نفسها ، فهم يتهيبون الحديث أمام الآخرين ، ويترددون ويتلعثمون عند مواجهتهم للناس ، إلا أنهم بقليلٍ من العزم والهمة العالية والتدريب والتمرين تجاوزوا تلك المُشكلة .
أما كيفية تحقيق ذلك ، فهناك من ينصح ( في البدايات ) بأن يتدرب الإنسان على الحديث وهو في مكانٍ لوحده ، ثم وهو أمام المرآة ليرى نفسه وليتعود على طلاقة الحديث ، ويتمرن على ترتيب الأفكار ، وبالتكرار يتمكن بنفسه من إصلاح ما قد يقع فيه من أخطاء ، ويعمل على تجاوز وقفاته ، والتقليل من لحظات ارتباكه مرةً بعد أُخرى . وفي تصوري أنك تستطيع - بإذن الله تعالى - أن تتجاوز هذا الأمر اليسير بشيءٍ من العزيمة والإصرار من خلال التدريب المستمر والمتدرج ، ومحاولة التغلب على نقاط الضعف التي قد تُعاني منها في البدايات ، وعليك بالدعاء وسؤال الله تعالى أن يفتح لك في هذا الشأن ، وحاول مرةً بعد مرة بين رفاقك ثم جماعة مسجدك وهكذا ، إلاّ أنه لا يمكن أن تكون متحدثًا جيدًا إلا إذا كانت لديك خلفية علمية جيدة ، وحصيلةٌ معرفيةٌ كافية من العلوم الشرعية واللُغوية والثقافية وغيرها حتى تُسعفك في كثيرٍ من المواقف . والله أسأل أن يوفقك لصالح القول والعمل والنية ، والحمد لله رب العالمين .


=-=-=


ثانيًا / ضعف الاعتزاز بالدين

س2/ يوجد من الشباب من لا يرفع رأساً بهذا الدين ولا يعتز به بل يحاول عدم إظهار تدينه أمام الآخرين .. ما هي أسباب ذلك ؟ وما هي الحلول ولكم جزيل الشكر ؟

الحمد لله الذي أعزّنا بالإسلام ورفعنا بالإيمان ، والصلاة والسلام على سيد ولد عدنان النبي الأمي الإنسان ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم في كل زمانٍ ومكان ، أما بعد ؛
فإن من طبيعة البشر وفطرتهم الإنسانية التي فطرهم الله عليها غريزة الاعتزاز سواءً أكان ذلك الاعتزاز إلى المكان ، أو العرق ، أو الدين ، أو الجاه ، أو غيره ، وحيث إن الإنسان مجبول على حب البحث عن العزة بأي سبب من الأسباب ؛ فإن على الإنسان المُسلم في أي زمانٍ وكل مكان أن يعتز بدين الإسلام ، وأن يفتخر بالانتماء إليه ، وأن يتشرّف بالانضواء تحت رايته التي جعلها الله سبحانه ( الراية العُليا ) في الدارين ، انطلاقًا من معنى قوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً } ( سورة فاطر : من الآية 10 ) . والمعنى أنه إذا كانت العزة لله تعالى ؛ فهي بالتالي لمن هم على دينه ومنهجه القويم وصراطه المستقيم من عباده المؤمنين الصادقين الذين رضوا بالله ربًا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا .
وهنا لا بُد من معرفة أن الانتماء لهذا الدين لا يكون بمجرد الزعم والإدعاء ، وإنما يكون بالافتخار الحق والاعتزاز الواعي قولاً وعملاً ، وان يكون انتماءً بالدليل والبرهان ، ولا شك أن أعظم دليل على الافتخار والاعتزاز بهذا الدين الحنيف يتمثل في الإيمان بأركانه ، والتمسُك بتعاليمه وأحكامه ، وأداء فرائضه وواجباته ، والالتزام بقيمه ومبادئه ، والتحلي بأخلاقه وآدابه .
وإذا كان هناك من أبناء المسلمين من يتردد في إظهار تدينه ، ويستحيي من التزامه بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف ، ويجد في ذلك حرجًا ؛ فإن سبب ذلك يعود في المقام الأول إلى أنه شخصٌ ضعيف الإيمان ، لأنه – في واقع الأمر – يُعاني من عدم استيعابه لحقيقة وجوهر هذا الدين العظيم ، إضافةً إلى عدم وضوح الرؤية عنده فيما يخص معنى الانتماء إليه والانضواء تحت رايته ، وهو إلى جانب ذلك ( خاطئٌ ) ومذنبٌ في حق نفسه وأُمته . وليس هذا فحسب ، بل إنه على خطرٍ عظيم إذ يُخشى عليه من الوقوع في ذنبٍ كبيرٍ هو النفاق مصداقًا لقوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ } ( سورة المنافقون : من الآية 8 ) .
وهنا أذكِّر نفسي وإخواني بقاعدةٍ ثابتةٍ خالدةٍ أعلنها أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه وأرضاه ) في سمع الزمان بقوله : " نحنُ قوم أعزنا الله بالإسلام ، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله " . والحمد لله رب العالمين .

=-=-=

ثالثًا / الشباب والأناشيد
س3 / هناك كثير من الشباب الذين جعلوا شغلهم الشاغل هذه الأناشيد ، فهم يتربون عليها ويقضون الساعات الطوال في سماعها ، وفي المقابل يُهملون سماع القرآن الكريم ، والأشرطة النافعة ؛ فما توجيهكم في ذلك حفظكم الله ؟

الحمد لله الذي منحنا الأفئدة وأكرمنا بالأسماع والإبصار ، والصلاة والسلام على من أرسله الله تعالى ليهدينا طريق الجنة ويُنقذنا من النار ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم من الكرام والأخيار ، أما بعد ؛
فالأناشيد الإسلامية مظهرٌ من مظاهر الترويح عن النفس بالحق ، وهي إحدى وسائل تنشيط الهمم لفعل الخير ، والتحفيز على القيام بالأنشطة والأعمال ولاسيما الجماعية منها ، لغرض المُساعدة في طرد الخمول والكسل ، وإضفاء جوٍ من النشاط والحيوية بين الأفراد و الجماعات ، وفي المناسبات والرحلات والأُمسيات ، ونحوها . وعلى وجه العموم فقد قال عددٌ من أهل العلم أن من الأناشيد ما هو مشروعٌ ومباح ، وهو ما كان قليلاً ولغرض الترويح المنضبط ، وتقوية النفس على الطاعة ، وحثها على فعل الخير وبخاصةٍ عند فتور الهمم . كما أن من الأناشيد ما هو محظورٌ ومكروه ، وهو ما اشتمل على منكرٍ ، أو زاد عن الحد المعقول ، أو صرف عن القيام بالطاعات ، أو ألهى عن أداء الواجبات .
وفي تصوري أننا في أمس الحاجة إلى تحقيق التوازن المطلوب بين الإقدام و الإحجام والرفض والقبول ، فما كان من الأناشيد مباحًا في نظمه وأدائه ودواعيه ؛ فهو مقبولٌ ولا بأس به - إن شاء الله تعالى - في وقته ، ودونما انشغالٍ به عن ما هو أهم منه وأولى ، وما كان فيه شُبهةٌ ، أو منكرٍ ، أو كثرةٍ ؛ فهو مرفوضٌ وغير مقبول . والله تعالى أعلى وأعلم .
وإجابةً على ما جاء في السؤال : أرى أن من أبرز ما يؤخذ على ما يُعرف اليوم بالأناشيد الإسلامية أنها قد تشتمل على ما لا يُباح من القول أو المعنى ، أو أنها تؤدى بكيفيةٍ ساذجةٍ وممجوجة لا تليق بالإنسان المسلم العاقل الواعي الرشيد ، أو أنها قد تُسهم بصورةٍ أو بأُخرى في إسقاط مروءة من يؤديها إذا كان في أدائها تشبهًا بالغناء والتلحين ونحو ذلك ، أو أنها قد تُشغل أصحابها ومُحبيها عما هو أولى منها وأهم ، وعند ذلك تخرج عن دائرة المباح ، ويجب في هذه الحالات الحذر منها ، والامتناع عن إضاعة الوقت في شأنها .
وخُلاصة القول تتمثل في أنني أرى أن قليل الأناشيد نافعٌ ( إن شاء الله تعالى ) ، و كثيرها ضارٌ ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ، والله تعالى أعلى وأعلّم .


=-=-=


رابعًا / التقصير في حق القرآن الكريم

س4/ نجد إهمال من الشباب في جانب القرآن الكريم بحجة أنهم مشغولون بأعمال أخرى فلا تجده يحفظ القرآن الكريم ولا يتدبره بل عنده تقصير كبير في تلاوته فما رأيكم حفظكم الله ؟

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد ؛
فمن الملاحظ أن هناك شيئًا من التقصير في العناية اللازمة بكتاب الله العظيم وتلاوته وتدبر معانيه وآياته على الوجه الذي يُفترض أن يكون عليه حال الأُمة بعامة ؛ إلاّ أن هذا التقصير يظهر بوضوحٍ عند بعض الشباب الذين توجد لديهم الكثير من الاهتمامات الأخرى في حياتهم ، فهم لكثرة هذه الاهتمامات ( وإن كانت إيجابيةً ومُباحة ) في شُغلٍ شاغلٍ عن كتاب الله تعالى ، وعن تلاوته وتدارسه والعناية به ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى .
وعلى الرغم من ذلك فإن الواجب علينا جميعًا أن نكون على وعيٍ وإدراكٍ بأن الناس لا يُمكن أن يكونوا على وتيرةٍ واحدةٍ ومقدرةٍ متساويةٍ على حفظ كتاب الله العظيم أو العناية الكاملة به ، ولاسيما أن هناك فروقًا فرديةً بين الناس في الطاقات والقدرات والاستعدادات ونحو ذلك ، وهو ما يؤكده معنى قوله تعالى : { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } ( سورة البقرة : من الآية 286 ) .
أما الأمور التي يُمكن أن تُعين الشباب على الاهتمام اللازم بكتاب الله العظيم ، فيأتي من أبرزها ما يلي :
= إخلاص النية لله تعالى في هذا الشأن .
= الإكثار من الدعاء وسؤال الله تعالى العون والتوفيق لحفظ ما يُمكن حفظه من سور القرآن الكريم .
= مجاهدة النفس ومغالبة الظروف بتخصيص وقت مُحدد لتلاوة القرآن الكريم ، ومحاولة تدبره وتدارسه .
= الالتحاق بحلقات تحفيظ القرآن الكريم لمن كانت لديه الإمكانية .
= كثرة الاستماع لأشرطة التلاوات القرآنية ، ولاسيما لبعض القراء من أصحاب الأصوات الجميلة والتلاوات الجيدة التي تميل إليها النفس وترتاح لها الأُذن .
= الحرص على الاستماع لإذاعة القرآن الكريم ، ولاسيما أثناء قيادة السيارة ذهابًا وإيابًا ، أو أثناء أداء بعض الأعمال المنزلية التي يمكن معها الإنصات للتلاوة والترديد معها ، والله تعالى أسأل لأبناء المسلمين التوفيق والسداد ، والهداية والرشاد ، والحمد لله رب العباد .


=-=-=


خامسًا / الترف

س5/ أنا شاب مستقيم ولله الحمد ، ولكني أهتم كثيرا بنفسي ، وأهتم بتتبع كل جديد مثلا في الجوالات ، وفي العطور ، وفي الأشمغة ، وغير ذلك ؛ فهل يعد ذلك خللاً .. أفيدونا ؟

الحمد لله الذي يُحب الجمال ويتصف بصفات الجلال و الكمال ، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ الذي اتسم في كل شأنه بالوسطية والاعتدال ، أما بعد ؛
فمن فضل الله تعالى وكرمه أنه ليس هناك ما يمنع الإنسان المسلم صغيرًا كان أم كبيرًا من الاهتمام بنفسه ، والعناية بجمال شكله والحرص على حُسن مظهره ، ولاسيما في المواضع التي يُشرع فيها التجمل كحضور الصلوات في المساجد ، ويوم الجمعة والأعياد ونحو ذلك فقد جاء الحث على ذلك في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي الشريف ، فيقول سبحانه : { {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } ( سورة الأعراف : من الآية31 ) .
وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر . قال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ، ونعله حسنة . قال : إن الله جميل يحب الجمال " ( رواه مسلم ) .
وعلى الرغم من ذلك كله ، فإن الإفراط في التزين والتجمل ، والعناية الزائدة في هذا الشأن قد تُخرج الإنسان من دائرة المباح إلى دائرة المكروه وغير المباح ، ولاسيما عندما يُصبح هم الإنسان ( محصورًا ) في هذا الجانب الذي على الرغم من أهميته ، إلاّ أنه ينبغي أن يُقدّر بقدره دونما إفراطٍ أو تفريط .
ولعل لنا في الحديث الشريف الذي جاء في صحيح البخاري خير دليل وخير منهجٍ تربويٍ يجب علينا أن نتمسك به وأن نتربى عليه في كل شأنٍ من شؤون حياتنا ، وأن نسير على هديه ونهجه في كل جزئيةٍ من جزئياتها ، ويتمثل هذا النهج في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة " ( رواه البخاري ) . وقال ابن عباس ( رضي الله عنهما ) : " كل ما شئت ، والبس ، واشرب ما شئت ، ما أخطأتك اثنتان : سرفٌ أو مخيلة " .
وقد جاء في شرح المقصود بالسرف أنه تجاوز الحد في كل فعلٍ أو قولٍ . كما جاء في معنى ( مخيلة ) : أنها من الخيلاء وهو التكبر .
والخلاصة ، أن للإنسان أن يتطيب ويتجمل ويتزين دونما إسرافٍ في هذا الشأن ودونما خُيلاء أو تكبُر ، وإن كان الواجب يفرض على الشباب المسلم أن يهتموا بعظائم الأمور ، وألاّ يجعلوا هذه الأمور الثانوية أكبر همهم ومنتهى غايتهم ، وما أجمل قول الشاعر في هذا المعنى :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم .................... وتأتي على قدر الكرام المكارم .
والحمد لله رب العالمين .


 

صالح أبوعرَّاد
  • كتب وبحوث
  • رسائل دعوية
  • مقالات تربوية
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية