اطبع هذه الصفحة


المخاصمون عن ابن الراوندي وأشياء أخرى
(3-3)

عبدالرحمن بن عبدالله الصبيح


مخاصم
ة المؤمنين والمخاصمة عن الخائنين المجادلين لها أضرب، منها:

أن يخاصم
عنهم صراحة، وهذه "الوقاحة" قليلة ونادرة، ومنها -وهي الأكثر- أن ينتقد أسلوب الناصحين الغاضبين لدينهم، فيزعم أنهم أخطئوا، ومن غِضب لدينه ليس مَلكاً أو نبياً مرسلاً لا يقول إلا حقاً؛ فقد يقع منه الخطأ، و الخطأ قد يكون خطأ واضح جلي، وقد يكون –وهو الأغلب- من اختلاف الوسائل ومما يسوغ فيه الخلاف و الاجتهاد، وخطأه الواضح الجلي –قطعاً!- ليس بأشد من خطأ ذلك القادح في دين الله سبحانه! فهو رأى بعينه الباصرة خطأ المخطئين ولم تبصر بصيرته زندقة المزندقين.. ما لكم يا هؤلاء كيف تحكمون؟!!

ثم إن هذا الذي نبه على خطأ المخطيء – قلت خطأ تجوزاً، و إلا فهو كما بينته سابقاً- لم يرد على تلك الزندقة، وإن ادعى أنه أعلن معارضته لها، وما تلك المعارضة أو الاختلاف –فهو مجرد خلاف!- إلا توطئة للنيل من الصالحين.
وهذا ضرب من أضرب المخاصمة.


ومنها
تطبيع العلاقات، وتمييع الخلافات، وتعجب حين ترى أن بعض الخلافات خلافات عقدية اختلف أهل العلم فيها: أهي كفر أم لا؟ أو أنهم فرقوا بين كفر العين و الفعل، ثم ترى هذا يذيب كل ذلك ويلقيه وراء ظهره ظهريا! ولأن النفوس قد لا تبصر أَثر زندقة مرت من هنا لوَهنٍ فيها، ولأنها –بالتأكيد- تَشم رائحة الدماء؛ قل لي بربك وأنت ترى جثث الموحدين طافية على دمائها..

 وأنتَ تراها وكأنك لا تراها..
 وكأنك تعجز أن تحلم بها..
 أي شيء هو ذلك الواقع الذي تجاوز الحلم..
 وأي شيء ذلك الحلم الذي عجز أن يساير الواقع..
 وأنتَ ترى عينيك تُكذب ما ترى..
 ونفس تستوحش مما تظن أنها رأت نصفه.. بل ولا ثلثه والثلث كثير...!
وأنتَ ترى هذا.. أخبرني عن ابتسامات عريضة رأيتها، وأقلام قرأت لها.. وهي.. وهي تتحدث عن القَتلة؟!

وليس من دعوة المخاصمين التلطف معهم ومع فكرهم أمام وسائل الإعلام، والتقاط الصور الضاحكة و اللقطات الحميمة، حتى إن الناظر إلى الاثنين ليظنهما شيئاً واحداً، وفي التلطف و إذابة الفروقات في العلن غِش وتدليس للمتابع المقتدي, و الدعوة والنصيحة الصادقة –إن حصلت- فيجب أن تكون بمنأى عن الإعلان، ففي الإعلان والإعلام مباهاة وسعي لاكتساب المصالح، و هذا يتنافى مع سموِّ النصيحة. و "العاقل من نظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر" [العبودية –شيخ الإسلام بن تيمية]، وزمن الصورة لا يرحم البواطن المستورة!

ومن الجهل وعدم الفقه في الدعوة عدم التفريق بين مَحل الدعوة و النصح، ومَحل الرد و الإبطال.

ومن الناس –وهذا ليس من المخاصمة- من ينظر لمصلحة صاحب القول المُضلل الشخصية ولا ينتبه للضحايا الذين تلقفوا قوله.

ومن المخاصمة إتاحة الفرصة –والإتاحة ليست التعامل مع أمرٍ مفروض..فتنبه!- لأهل الباطل أن يقولوا باطلاً لا يمكن لنفس فُطِرت على الإيمان والتوحيد أن تسمعه، وقد قال الله فيما هو دون ذلك بكثير:
{
فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} ، وفي الأنعام { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، فكيف بمن يتيح لهم الفرصة، ويفسح لهم في القنوات والندوات باسم "حرية الرأي!".

ومن المخاصمة
الثناء عليهم، وبإمكانك أن تُجَزِئَ ما يستحق به الثناء؛ حتى إنك لتثني على الإنسان أنه إنسان فَضله الله على سائر الحيوان! والسِير ناطقة؛ فأغلب أهل الباطل قديماً من أهل الذكاء و العلم و الأدب و المناظرة، وفيهم ما يستحقون به الثناء، فهل حَفل أهل العلم بهذا؟. [سبق كتبتُ خاطرة بعنوان: حتى الداهية أبو هذيل العلاف يَضِل]

ومن أسباب الثناء أو الإعجاب: أن هذا المُعجَب وَرَد عليه واردان، وارد انتهاك حرمات الله و الخوض في آياته فلم يتمعر لها وجهه ولم يَفزع لها قبله، أو يبلغ ذلك منه المبلغ المطلوب، و وَرَدَ عليها فصاحة ذلك الفصيح وبلاغته وفكره فغلب هذا ذاك، ولو غَلب الأول لما رأيت منه ذلك الرِضا والإعجاب و الذكر الحسن، وكيف يطمئن ويثني ويدل على من يُشاقِّ الله ورسوله ويخوض في آياته؟ وليس أن جمعاً من العلماء و الفضلاء يقرءون لمن لا تُرضى سيرته لفائدة عنده، ولكنه لا يثني عليه فضلاً عن أن يدل عليه، لأن في ذلك غش لمن دُلَّ عليه، ومما يثير السخرية أنك ترى بعض المنتكسين يُعير نفسه فيقول: كنت أقرأ كذا خُفية!

ومنها
الاحتفاء بهم، وتقديمهم على أهل الفضل و الدين و العلم أو مساواتهم بهم، وليس هذا بصنيع أهل العبودية والإيمان، يقول شيخ الإسلام في رسالته العبودية  " وقال تعالى : {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} وقال : {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى : {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير}، {ولا الظلمات ولا النور}،{ولا الظل ولا الحرور}،{وما يستوي الأحياء ولا الأموات}... وقال تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون}. ونظائر ذلك مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل وأهل الطاعة وأهل المعصية وأهل البر وأهل الفجور وأهل الهدى والضلال وأهل الغي والرشاد وأهل الصدق والكذب. فمن شهد " الحقيقة الكونية " دون " الدينية " سوى بين هذه الأجناس المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق حتى يئول به الأمر إلى أن يسوي الله بالأصنام كما قال تعالى عنهم : {تالله إن كنا لفي ضلال مبين}، {إذ نسويكم برب العالمين} بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقا لكل موجود إذ جعلوه هو وجود المخلوقات وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد." [العبودية 39-41]

ومن المخاصمة
التهوين من مقالاتهم، ومنها الاعتذار أو التبرير لهم، ومن الناس من لا تراه إلا في خندق قريب من المخاصمين، يزعم أن هناك خلافاً فقهياً في المسألة، وكأن المُخاصم عنه أحد أئمة المذاهب المتبوعة؟! وكم من مشاريع وأفكار مُررت بحجة أن هناك خلافاً ما! بل سمعنا عمن يعد "بحوثا شرعية" وضع تحت شرعية عشرة خطوط! لأولئك المخاصم عنهم إذا وقع الفأس برأسهم، فهم –كما سيظهر للناس فيما بعد- لم يختاروا ما اختاروه إلا بعد بحث ونظر.. واجتهاد!

ومن أبرز مظاهر المخاصمة وأكثرها شيوعا الصمت
عن الزندقات و الشبهات المُثارة وتمرير سياسات مرفوضة، ولن يعجزوا عن حجة تبدوا مقنعة، وإن كانت عند التمحيص والنظر لا تعدوا أن تكون سراب، وإن اُستدِلَّ له لا يعدوا أن زَبداً من زبدِ بحر العلم الذي لا يكدره ما يُنسب إليه.

وجِماع القول: أن كلَّ تصرف يُفهم منه التهوين من بِدعةٍ أو من قائلها إذا كان من أهلها، أو التسويق لصاحب بدعة مُشَاقٍّ للنصوص، أو قَبوله، أو ما يفهم منه عدم التحذير منه أو الحِياد عن أهل الباطل و المِيل عن أهل الحق هو منها كذلك.


 
ولا عبرة بتسلل المخاصم للمؤمنين المخاصم عن الخائنين من الأبواب الخلفية، وانسلاله انسلال الشعرة من العجين، أو مجادلته ومغالبته، فالعبرة ليست بانقطاع الحجة وحسن التبرير، وإنما بالأدلة و الغايات و الحال شاهدة، ومن جعل هَمه تتبع الغالبين فمآله أن يكون من المتقلبين، عن مالك "من اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى منه في الرأي فاتبعه، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته!" [إعلام الموقعين 71]، والتأويل على ضربين: تأويل يَطمس شيئا من السنة أو يبدلها، فهذا لا يعذر صاحبه –وإن استدل!-؛ لأنهم كما يقول ابن حزم "لا يعذرون بالتأويل الفاسد لأنها جهالة تامة"، كمن عطل نصوصاً وشرائع، ومن ذلك –كما يقول ابن حزم "إبطال الرجم... البراءة من بعض الصحابة" [المحلى11/98 بتصرف] فأصحاب هذه المقولات أصحاب جهالة تامة، وتأويل –وهو الثاني- لا يحل به سنة فهذا معذور، لأنه "ليس فيه إحالة شيء من الدين وإنما هو خطأ في قصة بعينه لا تتعدى" [المحلى11/98 بتصرف]، وضرب ابن حزم مثلاً لهذا القسم بتأويل معاوية رضي الله عنه.

والمُخَاصَمُ عنهم قد يكونون من أصحاب المقالات الداعين الباثِّين للشبهات، وقد يكونون ولاة يُغيرون دين الله سبحانه وشرعه، وإذا غُيرت السُنن ولم تُنكر فإنها تُصبح شرعا مُبدلاً، وقد مَرَّ بالأمة زمن في عصورها الأُوَل ولاة لا يجهرون بالتكبير في الصلاة سِوى تكبيرة الإحرام، فنشأ جيل من الفقهاء على هذه البِدعة، فظنها أمراً سائغاً فنقل الخلاف في حكم "الجهر بالتكبير" وهو خلاف لا أصل له في الشرع، ذكر ذلك ابن تيمية في كذا موضع من الفتاوى وغيرها.

كنا نشتكي من "الخذلان" .. وهو ضَرب لطيف من أضرب المخاصمة، فإذا بنا نُبتلى "بالمخاصمين" وإنا لله وإنا إليه راجعون، فاتقوا الله سبحانه أيها الفضلاء، وتجردوا للحق، واعلموا أنكم متَابَعون، اتقوا الله في جيلٍ تَحيَّر فما يدري ما يصير، صونوا العلم الذي تحملونه و الميراث الذي ورثتموه.

إن لم تأمر بالمعروف فلا تَنه من يأمر به،  وإن لم تنكر المنكر فلا تَقف في وجه من ينهى عنه.

قال ابن حزم رحمه الله " وأما من دعا إلى أمر بمعروف أو نهي عن منكر وإظهار القرآن والسنن والحكم بالعدل فليس باغيا بل الباغي من خالفه" [المحلى11/98]
.

فاحذر عصمني الله وإياك أن يطلع الله على قلبك فيرى فيه ميلاً عن أهل الحق لأهل الباطل، واحذر أن يطلع على عملك فيرى فيه مخاصمة للمؤمنين لحساب الخائنين المخاصمين، واحذر أن تحمل وِزر غيرك بدلالته على من أضله بلينك معه ودلالتك إياهُ إِياه.

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


الأحد 16/ رجب/ 1434هـ

------------

المخاصمون عن ابن الراوندي وأشياء أخرى (1-3)
المخاصمون عن ابن الراوندي وأشياء أخرى (2-3)
 المخاصمون عن ابن الراوندي وأشياء أخرى (3-3)


 

عبدالرحمن  الصبيح
  • الخطب المنبرية
  • رسائل ومقالات
  • الصفحة الرئيسية