صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    فنُّ الحكم كما يراه ابن خلدون!

    أحمد بن عبد المحسن العساف
    @ahmalassaf


     كم أتمنى أن يأتي اليوم الذي تكون فيه مقدمة ابن خلدون جزءاً من الدروس العلمية في المساجد، والمحاضن الدعوية والتربوية، وضمن منهاج التاريخ أو القراءة الحرة في المدارس الثانوية؛ فما أحوج الأجيال إلى فهم هذه العلوم الإنسانية، خاصة ما انبثق من رحم حضارتهم وثقافتهم.

    ويعاني الإرث الحضاري للمسلمين من إهمال بنيه وجفائهم، فالمقدمة التي بهرت الأعاجم، والكفار، ظلت غريبة عند أهل العربية، وبعيدة عن كثير من المسلمين، ولم تنل بعض الاهتمام إلا في زمن متأخر. وقد يعرف بعضنا كتاب الأمير لميكافيللي، أو روح القوانين لمونتيسكيو؛ ويغيب عنه خير عظيم جاءت به المقدمة التي فتنت الغرب قبل الشرق ولا زالت.

    ومن خدمة المقدمة؛ إعادة إخراجها كاملة كما وضعها ابن خلدون، وقد صدرت ثلاث طبعات متقنة للمقدمة فيما أعلم، الأولى اعتنى بها الدكتور علي وافي، والثانية عمل عليها المؤرخ المغربي د. عبد السلام الشدادي، ونسيت الثالثة، ويبدو لي أنها من تونس إن لم أكن واهماً، وليس هذا الجهد الضخم بكثير عليها.

    ومما قرَّب المقدمة إلى الناس، مختصراتها الأمينة، والمختارات منها، وحصر أهم أفكارها، وتصنيفها، ومع وجود مطبوعات من هذا القبيل، إلا أن الباب مفتوح للمزيد، وكم ترك الأول للآخر، وفي العقول المبدعة قدرات خارقة، تحتاج لشيء من التركيز والاجتهاد لتثمر بما ينفع.

    وبين يدي كتاب لطيف من جنس ما سبق، عنوانه: نصوص مختارة من مقدمة ابن خلدون، اختارها وقدم لها د. محمد العبدة، وصدرت طبعته الأولى عام (1437=2016م) عن مؤسسة الأعمال الهادفة، ومكتبة الكوثر، ويقع في (288) صفحة من القطع المتوسط، على ورق نباتي جميل، بطباعة أنيقة مريحة للعين، علماً أن الشيخ د. العبدة قد منح المقدمة عناية خاصة منذ القدم.

    وفي مقدمته، قال د. العبدة، بأنه تشجع لهذه المختارات حين رأى إعراضاً من بعض المنتسبين للدعوة عن دراسة التاريخ وشؤون الاجتماع، مما جعل قدرتهم على التحليل والمقارنة ضعيفة، وأزيد فأقول بأن هذه الجفوة جعلتهم ألعوبة يمكر بهم المفسدون، فمن عرف السنن، وخُدع الملأ، وأكاذيب الطغاة، استطاع بعون الله التحرز من شباكهم وكيدهم.

    ونقل د. العبدة عن مفكر غربي قوله: " إذا أردت أن تفكر سياسياً بشكل جيد، فعليك أن تقرأ تاريخياً بشكل جيد"، ولذا فقراءة المقدمة، واستيعاب كتب مناهج كتابة التاريخ وفهمه وتحليله، فضلاً عن العيش مع كتب التاريخ والسير الذاتية، ليس من فضول العمل؛ بل هو أساسي لمن أراد أن يكون فاعلاً ومؤثراً، ومحتاطاً من الوقوع في الحفر.

    عنوان الفصل الأول: مدخل إلى المقدمة، وفيه نقل جميل عن الجاحظ ملخصه أن الخبر يُنكر إذا وقع على ضربين: أحدهما ما تناقض واستحال، والثاني ما امتنع في الطبيعة وخرج عن طاقة الخليقة. ومن الضروري لقارئ التاريخ أن يسأل عند كل حدث: هل كان بالإمكان وقوعه في ذلك الزمان؟ ومن بديهيات التأريخ لعصر ما الإلمام بروحه على نحو شامل، ومن أبجديات الكتابة عن أي شخصية معرفة طبيعة عصره.

    وينعى ابن خلدون على المؤرخين غفلتهم عن بداية الدول، وهجران بحث السبب الذي رفع من رايتها، ويؤكد على المؤرخ العناية بعلم قواعد السياسة، ومعرفة أحوال الأمم والأعصار وعوائدها، ومكونات كل مجتمع بشري، مع خصائصها، وطبائعها.

    وفي الفصل الثاني بعنوان العمران البدوي وبعض ظواهره، يجعل ابن خلدون البداوة أصلاً سابقاً على المدنية والحضارة، والبدو عنده أقرب إلى الخير من أهل الحضر؛ لنقاء فطرتهم، وبعدهم عن العوائد المذمومة. وهم أهل شجاعة، وترتفع لديهم الأنفة والعزة لأنهم لم يعتادوا على الانقياد لأحد؛ خلافاً للحضر الذين أفسدت السلطات بأسهم، وزادهم الاضطهاد تكاسلاً، وفقد العز في الحضر كما قال المعري.

    وما يحدث من أثر للتنظيمات والأحكام على نفوس الناس، يكسر قوتهم، ويذيب عصبيتهم، فيصير انقيادهم خوفاً ومذلة، وهذا من عوائق الملك؛ حيث تضمحل العصبية التي قام عليها، فتحتاج إلى تجديد، وقيادة نشيطة حكيمة تخلص المجتمع من الاضمحلال. ومن البدهي أن الأوامر الشرعية خارجة عن هذا المعنى، لأن التزام الناس بها ذاتي.  

    وتحدث في الفصل الثالث عن الدولة والعصبية، والدولة عند أبي زيد-كنية ابن خلدون- من محاور العمران الأساسية. ويرى ابن خلدون أن الملك يحصل بالعصبية، ولذا قلما يسلمه أحد لغيره إلا إذا غُلب عليه، وصدق الفرس حين وصفوا الملك بالعقم؛ فلا يعرف والداً ولا ولداً. ويمكن توسيع مفهوم العصبية ليكون أشمل مما أراده ابن خلدون، ويتناسب مع متغيرات عصرنا الذي تكاثرت فيه مسوغات الاجتماع ودواعيه.

    ويجزم ابن خلدون بأن الدولة تعظم إذا استندت في نشوئها إلى الدين، مع أهمية وجود العصبية التي تحمي هذه الدولة، حتى لا يكون حمل الفكرة الصحيحة فقط سبباً للاندفاع العاطفي المؤدي إلى الإخفاق والفشل. ويحذر ابن خلدون من كثرة العصائب، لأنها تجعل كل فئة تركن إلى عصبيتها، فيزيد الشقاق، وينعدم الاتفاق، وهذا أمر نشاهده في الدول والمجتمعات.

    ثم يعرج الإمام الحضرمي- أصول ابن خلدون حضرمية- على خصائص الملك، وأولها الانفراد بالمجد، ولذلك يزيح الحاكم معاونيه الذين أوصلوه للملك بمجرد استقرار الأمر في يده. ومن طبيعة الملك أيضاً الترف طلباً للتفاخر والتلذذ، وهذا يقود للخصيصة الثالثة وهي الميل إلى الدعة والسكون، والركون إلى الراحة، وقد يكون هذا سبب عبث الوزراء، وقادة الجيوش، والمستشارين بالدول، وتسييرها؛ لأن صاحب الأمر في سكرة بغير خمر.

    وإذا استحكمت السمات الآنفة، أقبلت الدولة على الهرم، لأن انفراد الواحد بالمجد لا يكون إلا بقرع عصبيته وكبح جماحها، والترف يقتضي زيادة النفقات على الأعطيات، فيغضب الجند والعامة من ضيق الأرزاق، وعسر الحياة، وكساد الاقتصاد، وأما الدعة والسكون فتضييع للحكم برمته، وربما يتبعه توسيد الأمر إلى غير مستحقيه، وهذه من سمات الجيل الثالث للدول، الذين نعتهم ابن خلدون بأنهم أجبن من النسوان.

    وذكر ابن خلدون بأن حسن الرعاية هي أهم مصلحة ينتظرها الناس من السلطان، ومن حسنها الرفق، وأما التنقيب عن العورات وتتبعها، والقهر، وتعداد الذنوب وتكثيرها، فهو سبب لخوف الناس المؤدي إلى التخلق بالكذب، والخديعة، وفساد الأخلاق، ونتيجتها خذلان الحاكم في مواطن الحرب والمدافعة، أو التخلي عن نصته إعلامياً، وتكذيب أخباره، ونزع الثقة من وسائله.

    ويركز العالم التونسي-باعتبار مولده في تونس- على الجوانب الاقتصادية، فالضرائب والمكوس تهلك الناس، وتضعف الإنتاج، وبالتالي فقد تفسد الدولة بالاستبداد، والكساد، ما لم تنتشلها يد قوية عادلة أمينة على المصالح العامة، ومترفعة عن حقوق الناس، وبيت مالهم.

    ويؤكد أن متاجرة السلطان مضرة بالرعايا، ومفسدة للجباية، وسواء في ذلك الاشتغال بالتجارة فردياً أو من خلال الدولة. ويجزم بأن تسهيل التجارة، وفتح أبواب الرزق، يعود بالفائدة على الدولة والسلطان من غير ما وجه، خلافاً للتضييق، والاحتكار، والضرائب، والواقع مع علماء الاقتصاد يؤيدون قول إمامنا رحمه الله.

    ويقول ابن خلدون بأن الهرم إذا وقع بالدولة لا يرتفع، والهرم يأتي للدولة من بابين هما الجند والمال، ويمكن أن يتسلل الهرم للدولة من غير المجال العسكري أو الاقتصادي، فقد تنقض بعض الدول غزلها بعد قوة أنكاثاً. ومع صحة فرضيته إلا أنها ليست قطعية، فالتجديد بالأعوان والإجراءات، ورفع المظالم، وتطلب العدل، واعتماد الرفق، وتقوية العصبية وأصل الدولة، كفيل بإرجاع شبابها القوي الناهض، فتعود الدولة لسابق قوتها وتماسكها.

    ويحذر الفقيه المؤرخ من الظلم والتعدي على الأموال والمعاش، لأن الناس إذا قعدوا عن المكاسب والسعي في المصالح، وانقبضت أيديهم عن المكاسب، كسدت أسواق العمران، وانتقضت الأحوال، وتفرق الناس في البلاد طلباً للرزق، فتخلو الديار، وتخرب الأمصار.

    وخصص المؤلف د. العبدة رابع الفصول عن المدن والأمصار، وفيه كرر ابن خلدون الحديث عما يصيب الناس إذا ما وقعوا في ضائقة، حيث يزيد الإملاق، ويعم الغش، ويكثر اكتساب المال من غير حله، ويعم الفساد المؤذن بغضب الله، وقد يكون سبباً لنهايات أليمة، وعواقب وخيمة، وبالتالي فكبح جماح الفساد في أوله يحول دون تمادي الشر واستفحاله، وما أعظم شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا قامت الأمة بها كما شرع الله وأراد.

    والفصل الخامس في المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع، وهو مما يكرس علاقة العوامل الاقتصادية بالتاريخ، حيث يؤكد بأن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية، ويتحفظ على ابتغاء الرزق من الطرق السهلة، ومن الاكتفاء بكنوز الأرض، ويعده عجزاً عن طلب المعاش.

    وفي عصر ابن خلدون لم تعظم ثروة القائمين بأمر الدين من العلماء، والقضاة، والأئمة والخطباء؛ لشرف بضاعتهم، وانشغالهم بالعلم، وعدم بذل أنفسهم لأهل الدنيا، وهذا خلاف زماننا إلا ما رحم ربي، وقليل نادر كريم ما هم!

    ويرى ابن خلدون بأن الكتابة والحساب أكثر الصنائع التي تكسب أهلها عقلاً، وإذا كان الكاتب من أهل العلم بالحساب والرياضيات فهنيئاً له على مذهب شيخنا، والجامع بينهما تحريك العقل، وإعمال الذهن، والويل للقارئ من كاتب لا يحسن التفكير، والويل الأعظم لكاتب لا يفكر من قارئ فطن!

    وأما الفصل السادس والأخير فهو بعنوان العلوم وأصنافها والعلم وطرقه، وفيه يعلي الإمام من قدر العلوم والتأليف، وسلوك طرق العلم تعلماً وتعليماً. وله موقف سلبي من كثرة التآليف والاختصارات، ويراها مضرة لطالب العلم، ويدعو إلى التركيز، وبناء الملكات، والعناية باللسان المضري.

    ومما لا يعاب تكراره، التأكيد على خطر علم التاريخ، وأهمية حسن عرضه، وأولى منه عمق فهمه، واستخراج عبره وغرره، فليس التاريخ مجرد حادثة تروى وتستعذب، بل وقائع يستلهم منها ما مضى من عبر ودرر، ثم تلهم فعل الصواب في الحال والمآل، وكم نجى أقوام وعوا التاريخ وأبصروا من خلاله دون الاكتفاء به، وكم خسر آخرون وأضاعوا مجدهم حين تناسوا تاريخهم وماضيهم.


    أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-حفر الباطن
    @ahmalassaf

    الأربعاء 12 من شهرِ رمضان المبارك عام 1438
    07 من شهر يونيو عام 2017م

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية