اطبع هذه الصفحة


هل هناك بِدعة حَسَنة ؟

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

 
 

في حديثِ جريرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه ذَكَر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حثَّ على الصدقَةِ قال : فجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ . قَالَ : ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ . رواه مسلم .

قال الإمامُ الشاطبيُّ في الأجوبةِ عمّا يَستَدِلُّ بِهِ الْمُبْتَدِعَة في هذا الحديثِ :

أَمَّا الْوَجْهُ الأَوَّلُ ; فَإِنّ قَوْلَه صلى الله عليه وسلم : " مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً " الْحَدِيثَ . فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الاخْتِرَاعَ أَلْبَتَّةَ ..

ولَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الاسْتِنَانَ بِمَعْنَى الاخْتِرَاعِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْعَمَلُ بِمَا ثَبَتَ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ ..

فتأمّلُوا أين قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : " مَن سُنّ سُنّةً حَسَنةً " وَ" مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً " ؟ تَجِدُوا ذلك فيمن عَمِلَ بِمُقْتَضَى المذكورِ على أبْلَغِ ما يَقْدِرُ عليه حتى بِتِلكَ الصُّرَّةِ ، فانْفَتحَ بسببِه بابُ الصَّدقَةِ على الوجهِ الأبْلَغِ ، فَسُرَّ بذلك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى قال : " مَن سَنَّ في الإسلامِ سنةً حسنةً .. " الحديثَ ، فَدَلّ على أنَّ السُّنَّةَ ها هنا مثلُ ما فعلَ ذلك الصحابيُّ ، وهو العملُ بما ثَبَتَ كَونُه سُنّةً ... ووجه ذلك في الحديثِ الأولِ ظاهرٌ لأنه صلى الله عليه وسلم لِمَا مَضَى على الصَّدَقةِ أوّلاً ثم جاء ذلك الأنصاريُّ بما جاء به ، فانْثَالَ بَعده العطاءُ إلى الكفايةِ ، فكأنها كانت سُنّةً أيْقَظَها رضي الله تعالى عنه بِفِعْلِه . فليس معناه مَن اخْتَرَعَ سُنّةً وابْتَدَعها ولم تكُنْ ثَابِتةً .

والوجهُ الثاني مِن وَجْهَي الجوابِ : أنَّ قولَه : " مَن سَنَّ سُنّةً حَسنةً ... ومَن سَنّ سُنّةً سيئةً " لا يُمْكِنُ حَمْلُه على الاختراعِ مِن أصلٍ ؛ لأنَّ كونَها حَسَنةً أو سيئةً لا يُعْرَفُ إلاّ مِن جِهةِ الشَّرْعِ ، لأنَّ التّحْسِينَ والتّقْبِيحَ مُخْتَصٌّ بِالشَّرْعِ ، لا مَدْخَلَ للعَقْلِ فيه ، وهو مذهبُ جماعةِ أهلِ السنة .

وإنما يقولُ به الْمُبْتَدِعَةُ ، أعْنِي : التحسينَ والتقبيحَ بالعَقْلِ ، فَلَزِم أنْ تكونَ السُّنَّةُ في الحديثِ إما حَسَنةً في الشَّرْع ، وإما قَبيحةً بِالشَّرْعِ . فلا يَصْدُقُ إلاّ على مثلِ الصّدَقةِ المذكورةِ وما أشبهها مِن السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ .

وتَبْقى السُّنَّةُ السيئةُ مُنَزّلةٌ على المعاصي التي ثَبَتُ بالشرعِ كَونُها مَعاصيَ ، كَالْقَتْلِ الْمُنَبَّه عليه في حديثِ ابنِ آدمَ ، حيث قال عليه السلام : " لأنه أوّلُ مَنَ سَنَّ القَتْلَ "، وعلى البِدَعِ لأنه قد ثَبَتَ ذَمُّها والنهيُ عنها بِالشَّرْعِ، كما تقدم


وأما قولُه : " مَن ابتدعَ بدعةَ ضَلالةٍ " فهو على ظاهرِه ، لأن سَببَ الحديثِ لم يُقَيِّدْه بِشيءٍ ، فلا بُدَّ مِن حَمْلِه على ظاهرِ اللفظِ .

ويَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ على نحو ذلك قولُه : " ومَن سَنَّ سُنةً سيئةً " ، أي : مَن اخْتَرَعَها  ، وشَمِلَ ما كان منها مُخْتَرَعًا ابتداءً مِن المعاصي ، كَالْقَتْلِ مِن أحَدِ ابْنَيّ آدَمَ ، وما كان مُخْتَرَعًا بِحُكْمِ الْحَالِ ، إذ كانتْ قَبْلُ مُهْمَلَةً مُتَنَاسَاةً ، فأثَارَها عَمَلُ هذا العَامِلِ .

فقد عاد الحديثُ - والحمدُ للهِ - حُجّةً على أهلِ البِدَعِ مِن جِهةِ لَفْظِه ، وشَرْحِ الأحاديثِ الأُخَرِ له . اهـ .

 

وممّا يدلُّ على أنَّ المقصودَ إحياءُ السُّنَنِ ، وليس اختِراعٌ وإحداثٌ في دِينِ الله : ما جاء في حديثِ حذيفةَ رضي الله عنه قَال : سَأَلَ رَجُلٌ ([1]) عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلا أَعْطَاهُ فَأَعْطَى الْقَوْمُ، فَقَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَنْ سَنَّ خَيْرًا فَاسْتُنَّ بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَمِنْ أُجُورِ مَنْ يَتَّبِعُهُ غَيْرَ مُنْتَقِصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ سَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِنْ أَوْزَارِ مَنْ يَتَّبِعُهُ غَيْرَ مُنْتَقِصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا . رواه الإمام أحمد ، وَصحّحه الألباني والأرنؤوط .

وما جاء في حديثِ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَال : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَحَثَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَجُل : عِنْدِي كَذَا وَكَذَا . قَال : فَمَا بَقِيَ فِي الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلاّ قَدْ تَصَدَّقَ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ سَنَّ خَيْرًا فَاسْتُنَّ بِهِ ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ كَامِلا ، وَمِنْ أُجُورِ مَنْ اسْتَنَّ بِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ كَامِلا ، وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِي اسْتَنَّ بِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا. رواه الإمام أحمد وابن ماجه ، وَصحّحه الألباني والأرنؤوط .

 

والله تعالى أعلم .


 

([1]) أي : أنه يسأل الناس ليُعطُوه . مِن المسألة .


 

عبدالرحمن السحيم
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • إنه الله
  • محمد رسول
  • المقالات العَقَدِيَّـة
  • قضايا الأمّـة
  • مقالات تربوية
  • مقالات وعظية
  • تصحيح مفاهيم
  • قصص هادفة
  • موضوعات أُسريّـة
  • تراجم وسير
  • دروس علمية
  • محاضرات مُفرّغة
  • صفحة النساء
  • فتاوى شرعية
  • الصفحة الرئيسية