اطبع هذه الصفحة


شرح أحاديث عمدة الأحكام
شرح الحديث الـ 34 في صفة غُسل النبي صلى الله عليه وسلم

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

 
شرح الحديث الـ 34
عن ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : وضعتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وَضوء الجنابة ، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثا ، ثم غسل فرجه ، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط - مرتين أو ثلاثا - ثم تمضمض واستنشق ، وغسل وجهه وذراعيه ، ثم أفاض على رأسه الماء ، ثم غسل سائر جسده ، ثم تنحّى فغسل رجليه ، فأتيته بخرقة فلم يُردها ، فجعل ينفض بيده بيديه .

فيه مسائل :

1 = روايات الحديث :
في رواية للبخاري : قالت رضي الله عنها : وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا ، فسترته بثوب ، وصبّ على يديه فغسلهما ، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه ، فضرب بيده الأرض فمسحها ، ثم غسلها فمضمض واستنشق ، وغسل وجهه وذراعية ، ثم صب على رأسه وأفاض على جسده ، ثم تنحى فغسل قدميه ، فناولته ثوباً فلم يأخذه ، فانطلق وهو ينفض يديه .

وفي رواية له : قالت : وَضَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة .

وفي رواية له : قالت : توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه ، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى ، ثم أفاض عليه الماء ، ثم نحى رجليه فغسلهما ، هذه غُسْلُه من الجنابة .

وفي رواية للبخاري : قالت : وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماء للغسل ، فغسل يديه مرتين أو ثلاثا ، ثم أفرغ على شماله ، فغسل مذاكيره ، ثم مسح يده بالأرض ، ثم مضمض واستنشق ، وغسل وجهه ويديه ، ثم أفاض على جسده ، ثم تحوّل من مكانه فغسل قدميه .

2 = خدمة المرأة لزوجها ، وأن هذا من حُسن التّبعّل .
فميمونة رضي الله عنها وضعت الماء للنبي صلى الله عليه وسلم لكي يغتسل ، ثم أتته بخرقة ليتنشّف بها .

3 = ما المقصود بقولها رضي الله عنها : وَضوء الجنابة ؟
المقصود به الماء الذي يغتسل فيه من الجنابة .
وقد تقدّم الفرق بين الوَضوء والوُضوء .

4 = معنى " فأكفأ " أي أمَال الإناء .
وعند الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغتسل من جنابة ، يغسل يديه ثلاثا ، ثم يأخذ بيمينه ليصب على شماله ، فيغسل فرجه حتى ينقيه ، ثم يغسل يده غسلا حسنا ، ثم يمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا ، ويغسل وجهه ثلاثا ، وذراعيه ثلاثا ، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثا ، ثم يغتسل ، فإذا خرج غسل قدميه .

5 = ثم غسل فرجه ، يعني مما أصابه من المني ومِن فرج المرأة .
والمني سبق أنه طاهر ، ورطوبة فرج المرأة كذلك .
ولكنه يغسل فرجه ، ثم يغسل يده مما علق بها .
وضرب اليد بالأرض للتنقية ، ولإذهاب ما قد يعلق بها من روائح ، فلو وُجِد ما يُنقي كالصابون ونحوه فإنه يقوم مقام التراب هنا ، بخلاف لعاب الكلب ، وقد تقدّم الكلام عنه .

6 = حُـكم المضمضة والاستنشاق في غُسل الجنابة
قال الإمام البخاري : باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة .
ثم ساق بإسناده حديث ميمونة رضي الله عنها .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
أي في غسل الجنابة ، والمراد : هل هما واجبان فيه أم لا ؟ وأشار ابن بطال وغيره إلى أن البخاري استنبط عدم وجوبهما من هذا الحديث ؛ لأن في رواية الباب الذي بعده في هذا الحديث : ثم توضأ وضوءه للصلاة . فدلّ على أنهما للوضوء ، وقام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب ، والمضمضة والاستنشاق من توابع الوضوء ، فإذا سقط الوضوء سقطت توابعه ، ويُحمل ما روي من صفة غسله صلى الله عليه وسلم على الكمال والفضل .
وتقدّم في شرح الحديث التاسع أن جمهور العلماء على أن المضمضة والاستنشاق سُـنّـة .
قال الإمام النووي رحمه الله في المضمضة والاستنشاق : ومذهب الجمهور أنهما سنتان في الوضوء والغسل .

7 = لم يُذكر في صفة غسله عليه الصلاة والسلام هنا أنه مسح برأسه ، وإنما اكتفى بغسل رأسه ، والغسل فيه معنى المسح وزيادة .

8 = لماذا أخّـر غسل القدمين إلى ما بعد الغُسل ؟
قيل في سبب ذلك : إن أرض مُغتسله كانت من التراب أو الطين .
ولذا نص غير واحد من العلماء أن الأرض إذا كانت نظيفة فإنه لا يؤخّـر غسل قدميه ، بخلاف ما إذا لم تكن الأرض نظيفة .

9 = هل يُجزئ الغُسل عن الوضوء ؟
الحدث الأصغر يندرج تحت الحدث الأكبر ، فإذا ارتفع الحدث الأكبر ارتفع الحدث الأصغر ، إلا أن يُحدث أو يتبوّل بعد الانتهاء من الغُسل .
فقد سئل ابن عمر عن الوضوء بعد الغسل ؟ فقال : أي وضوء أفضل من الغسل ؟
وقال حذيفة رضي الله عنه : ما يكفي أحدكم أن يغسل من لدن قرنه إلى قدمه حتى يتوضأ ؟
أي أنه يغتسل من رأسه إلى قدمه ، فلا يحتاج إلى الوضوء .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :
البدن في الغسل كالعضو الواحد لا يجب فيه ترتيب ، فلا يجب فيه موالاة أيضا .
وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
أن من اغتسل من الجنابة ونوى رفع الحدث الأكبر ( الجنابة ) فإنه يجزئه عن الوضوء ، ولو لم ينوِ الوضوء ؛ لأن الحدث الأصغر يندرج تحت الحدث الأكبر ، وبهذا القول قال الشيخ العثيمين رحمه الله .

10 = حُـكم تنشيف البدن بعد الغُسل .
يجوز تنشيف البدن بعد الغُسل ، كما يجوز تنشيف أعضاء الوضوء .
وقد قالت عائشة رضي الله عنها : كان للنبي صلى الله عليه وسلم خرقة يُنشِّف بها بعد الوضوء . رواه الترمذي والحاكم ، وحسنه الألباني .
وردّ النبي صلى الله عليه وسلم للخرقة أو للثوب لا يدلّ على المنع ، إذ مجرّد الفعل لا يدلّ على الوجوب ولا على التحريم .

11 = هل يجوز للمغتسِل أن يبول في مستحمّه ؟
جاء النهي عن ذلك ، كما في قوله عليه الصلاة والسلام : لا يبولن أحدكم في مستحمه . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .
ولكن قال ابن ماجه بعد أن روى هذا الحديث : سمعت محمد بن يزيد يقول : سمعت علي بن محمد الطنافسي يقول : إنما هذا في الحفيرة ، فأما اليوم فلا ، فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير ، فإذا بال فأرسل عليه الماء ، لا بأس به .

 

عمدة الأحكام
  • كتاب الطهارة
  • كتاب الصلاة
  • كتاب الصيام
  • كتاب الحج
  • شرح العمدة
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • محاضرات
  • فتاوى
  • الصفحة الرئيسية