اطبع هذه الصفحة


شرح أحاديث عمدة الأحكام
الحديث الـ 68 في الأذان

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

 
ح 68
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أُمِـرَ بلال أن يشفع الأذان ، ويوتر الإقامة .

في الحديث مسائل :

1 = عقد المصنف باب الأذان بعد باب المواقيت ؛ لأنه لا يُمكن أن يؤذّن للصلاة إلا بعد معرفة المواقيت ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن مشروعية الأذان متأخرة عن إقامة الصلاة ، ويدل عليه رواية البخاري لحديث الباب ، وفيها : قال أنس بن مالك : لما كثر الناس قال : ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه ، فذكروا أن يوروا نارا ، أو يضربوا ناقوسا ، فأُمِـر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة .

2 = تعريف الأذان :
الأذان يُطلق في اللغة على الإعلام ، والإعلام ليس خاصا بتعريف الأذان ، إذ يُطلق الإعلام على الإخبار ، ويُطلق على الصوت ، ولذلك عُرِّف الوحي بأنه الإعلام ، وقيل : الإعلام بخفاء .
قال ابن الملقِّن : واشتقاقه من الأَذَن ، بفتح الهمزة والدال ، وهو الاستماع .
ومما أُطلق الأذان عليه في غير الاصطلاح الشرعي ، رفع الصوت ، قال سبحانه وتعالى : ( ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ) .
ومنه قوله سبحانه وتعالى : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ )
وقوله جل جلاله : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) .
فهذا من إطلاق النداء والمقصود به رفع الصوت ، وليس الأذان بالمعنى الاصطلاحي .
كما يُطلق النداء أيضا على الأذان وعلى رفع الصوت أيضا ، ولذا جاء في الأحاديث ذِكر النداء بمعنى رفع الصوت بالقول :
ففي حديث البراء في ذِكر يوم خيبر : وأصبنا حمرا فطبخناها ، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر .. الحديث . رواه البخاري ومسلم .
وفي حديث عبد الله بن عمرو: فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويل للأعقاب من النار . رواه البخاري ومسلم . – وقد تقدّم – .
ويُطلق على الأذان المخصوص ، ومنه : نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة جامعة . رواه مسلم .
وأما تعريف الأذان في الشرع : فهو ذِكر مخصوص شُرِع في الأصل لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة المفروضة .

3 = الأذان مشتمل على التوحيد ، فهو إعلان للتوحيد والتعظيم في اليوم والليلة ، وقد قَرَن الله اسم رسوله باسمه ، فإذا شهِد المؤذِّن بالشهادة التوحيد لله رب العالمين ثنّى بالشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة .
قال أبو العباس القرطبي : الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة ، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام بدأ بالأكبرية ، وهي تتضمن وجود الله تعالى ووجوبه وكماله ، ثم ثنى بالتوحيد ، ثم ثلّث برسالة رسوله ثم ناداهم لِمَا أراد من طاعته ، ثم ضمِن ذلك بالفلاح وهو البقاء الدائم ، فأشعر بأن ثمّ جزاء ، ثم أعاد ما أعاد توكيداً .

4 = ما هي الحكمة من الأذان ؟
ذكر ابن الملقِّن أن العلماء ذكروا أربع حكم في الأذان :
الأولى : إظهار شعار الإسلام والتوحيد
الثانية : الإعلام بدخول وقت الصلاة
الثالثة : الإعلام بمكان الصلاة
الرابعة : الدعاء إلى الجماعة
ويُضاف إلى ما ذكره :
الخامسة : عصمة الدم ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغير إذا طلع الفجر ، وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار ، فسمع رجلا يقول : الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : علي الفطرة ، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خرجت من النار ، فنظروا فإذا هو راعي معزى . رواه البخاري ومسلم من حديث أنس .
وفي رواية للبخاري : كان إذا غزا بِنا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يُصبح وينظر ، فإن سمع أذانا كفّ عنهم ، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم . قال أنس : فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا ، فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب .. الحديث .
السادسة : طرد الشيطان
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع الأذان ، فإذا قُضي الأذان أقبل ، فإذا ثوّب بها أدبر ، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول : اذكُر كذا وكذا ما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى ، فإذا لم يدرِ أحدكم كم صلى ثلاثا أو أربعا فليسجد سجدتين وهو جالس .
وفي رواية للبخاري : فيقول اذكر كذا وكذا حتى لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا ؟ فإذا لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا سجد سجدتي السهو .
وفي رواية لمسلم : إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حَصاص .
واختلف العلماء في المقصود بقوله : " وله ضراط حتى لا يسمع الأذان " هل المقصود به الحقيقة أو أنه متأوّل بغير الظاهر ؟
وإيراد الإمام البخاري للحديث في باب صفة إبليس وجنوده ، يدلّ على الإيماء إلى أنه على الحقيقة .
وليس ثم مانع من حمله على ظاهره ، كما جاء في الحديث الآخر أنه ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقيل : ما زال نائما حتى أصبح ، ما قام إلى الصلاة ، فقال : ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ، أو قال : في أذنه رواه البخاري ومسلم .
قال القرطبي وغيره : لا مانع من ذلك إذ لا إحالة فيه ؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح ، فلا مانع من أن يبول . اهـ .
قال الإمام النووي :
وقد يستعملون صريح الاسم لمصلحة راجحة ، وهي إزالة اللبس أو الاشتراك أو نفى المجاز أو نحو ذلك ... وكقوله صلى الله عليه وسلم : أدبر الشيطان وله ضراط ، وكقول أبى هريرة رضى الله عنه : الحدث فساء أو ضراط ، ونظائر ذلك كثيرة . اهـ .
وقال أيضا في معنى الرواية الأخرى : وله حصاص ، أي ضراط كما في الرواية الأخرى . وقيل الحصاص : شدة العدو ، قالهما أبو عبيد والأئمة من بعده . اهـ .
وقال الحافظ ابن حجر :
قال عياض : يُمكن حمله على ظاهره ؛ لأنه جسم متغذٍّ يصحّ منه خروج الريح ، ويحتمل أنها عبارة عن شدة نفاره . اهـ .
وساق كلاما طويلا في معنى ذلك فلـيُراجع في فتح الباري ( 2 / 85 )
فالذي يظهر أنه على الحقيقة ، وذلك نتيجة لشدّة الخوف والرعب من الأذان .
والله تعالى أعلى وأعلم .
السادسة : السلامة من تسلّط الشيطان وغلبته
قال عليه الصلاة والسلام : ما من ثلاثة في قرية لا يُؤذّن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة ، فإن الذئب يأكل القاصية. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .

5 = قوله : " أُمِـرَ بلال " الآمر هو النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في قصة بدء الأذان .
ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس يُنادى لها ، فتكلموا يوما في ذلك ، فقال بعضهم : اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : بل بوقا مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال قم فنادِ بالصلاة . رواه البخاري ومسلم .
وفي حديث عبد الله بن زيد في رؤيا الأذان ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها لرؤيا حق إن شاء الله ، فقم مع بلال فألقّ عليه ما رأيت فليؤذن به ، فإنه أندى صوتا منك ، قال : فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذِّن به . قال : فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجرّ رداءه ، ويقول : والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلله الحمد . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه .

6 =
قوله " يشفع الأذان " أي يجعله شِفعاً لا وِتراً .
وحُمِل هذا على أن التثنية في أغلب الأذان ، وإلا فإن التهليل في آخر الأذان وتر ، بخلاف الإقامة ، فإنها تُوتَر أي تكون وِتراً ، وإن كان التكبير ولفظ الإقامة ، شِفعا .

7 = اختُلِف في عدد كلمات الأذان والإقامة ، وفي الأمر سَعة ، والأشهر أن كلمات الأذان خمس عشرة كلمة بإسقاط الترجيع ، وكلمات الإقامة إحدى عشرة كلمة .
فعن أبي محذورة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم علمه هذا الأذان :
الله أكبر الله أكبر . أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله . أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله . ثم يعود فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله . أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله . حي على الصلاة مرتين . حي على الفلاح مرتين - زاد إسحاق - الله أكبر الله أكبر . لا إله إلا الله . رواه مسلم .
وفي رواية لأبي داود : قال : قلت : يا رسول الله علمني سنة الأذان . قال : فمسح مقدّم رأسي ، وقال : تقول :
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر - ترفع بها صوتك - ثم تقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله - تخفض بها صوتك - ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح ، فإن كان صلاة الصبح قلت : الصلاة خير من النوم . الصلاة خير من النوم . الله أكبر الله أكبر . لا إله إلا الله .
وخفض الصوت هذا هو ما يُعرف بـ " الترجيع " في الأذان ، وهو ثابت في هذه الأحاديث ، وهو سنة على الصحيح .

8 =
الحكمة في شفع الأذان وإفراد الإقامة .
قال ابن الملقِّن : الأذان للغائبِين ، فيُكرر ليكون أبلغ في إعلامهم ، والإقامة للحاضِرِين فلا حاجة إلى تكرارها ولهذا يكون صوته في الإقامة دونه في الأذان ، وإنما كُرر لفظ الإقامة خاصة ؛ لأنه مقصود الإقامة . اهـ .

9 =
حُـكم الأذان والإقامة .
قال الإمام النووي : الأذان والإقامة سنة ، وقيل فرض كفاية ، وإنما يشرعان لمكتوبة ، ويقال في العيد ونحوه : الصلاة جامعة . اهـ .
والذي يظهر القول بفرضية الكفاية ، إذ لا يُمكن أن يَرِد الوعيد على أمر مسنون ، فقد تقدّم قوله صلى الله عليه وسلم : ما من ثلاثة في قرية لا يُؤذّن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة فإن الذئب يأكل القاصية .
وأما النساء فيُستحب لهن الأذان والإقامة
سئل ابن عمر هل على النساء أذان ؟ فغضب ، وقال : أنا أنهى عن ذكر الله ؟!
قال الإمام النووي : يستحب لهن الإقامة دون الأذان . اهـ . ونسب القول إلى الجمهور .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الأذان :
هل هو فرض أم سنة ؟ وهل يستحب الترجيحع أم لا ؟ وهل التكبير أربع أو اثنتان كـ مالك ؟ وهل الإقامة شفع أو فرد ؟ وهل يقول : قد قامت الصلاة مرة أو مرتين ؟
فأجاب رحمه الله :
الصحيح أن الأذان فرض على الكفاية ، فليس لأهل مدينة ولا قرية أن يدعوا الأذان والإقامة ، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد وغيره ، وقد أطلق طوائف من العلماء أنه سنة ، ثم من هؤلاء من يقول : إنه إذا اتفق أهل بلد على تركه قُوتِلوا ، والنـزاع مع هؤلاء قريب من النـزاع اللفظي ، فإن كثيرا من العلماء يُطلق القول بالسنة على ما يُذمّ تاركه شرعا ، ويُعاقَب تاركه شرعا ، فالنـزاع بين هذا وبين من يقول أنه واجب نزاع لفظي ... وأما من زعم أنه سنة لا إثم على تاركيه ولا عقوبة فهذا القول خطأ ، فإن الأذان هو شعار دار الإسلام الذي ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلق استحلال أهل الدار بتركه . اهـ .

10 = من أخطاء المؤذّنِين :
1 – مد الهمزة من ( أشهد ) فيخرج إلى الاستفهام .
2 – مد الباء من ( أكبر ) فينقلب المعنى إلى جمع كَبَرٍ ، وهو الطبل .
3 – الوقف على ( إله ) ويبتدئ ( إلا الله ) فهو كفر .
4 – إدغام الدال من ( محمد ) صلى الله عليه وسلم في الراء من ( رسول الله ) وهو لحن خفيّ عند القراء .
5 – ترك النطق بالهاء في ( الصلاة ) فإنّ تركَها يبقى دعاء إلى النار ، ذكرها صاحب الذخيرة ، ونقلها عنه ابن الملقِّن ، ثم زاد ابن الملقِّن :
6 – أن يُبدِل هاء ( الصلاة ) حاء .
7 – إخفاء الشهادتين حتى لا تُسمع .
ويُمكن أن يُضاف :
8 – إبدال حاء ( الفلاح ) عيناً عند بعض المؤذنين .
9 – التغنِّي في الأذان والتمطيط بحيث يُخرج به عن المقصود من الإعلام إلى التلحين والتطريب .
روى عبد الرزاق ومن طريقه ابن حزن في المحلى من طريق يحيى البكاء قال : رأيت ابن عمر يسعى بين الصفا والمروة ، ومعه ناس ، فجاءه رجل طويل اللحية فقال : يا أبا عبد الرحمن إني لأحبك في الله ، فقال ابن عمر : لكني أبغضك في الله ! فكأن أصحاب ابن عمر لامُوه وكلّموه ، فقال : إنه يتغنّي في أذانه ، ويأخذ عنه أجرا .
وقال الضحاك بن قيس لمؤذن : إني لأبغضك في الله لأنك تتغنى في أذانك .
10 – قول ( الصلاة خير من النوم ) في أذاني الفجر ( الأول والثاني ) ، وإنما تُقال في الأول دون الثاني .
 

عمدة الأحكام
  • كتاب الطهارة
  • كتاب الصلاة
  • كتاب الصيام
  • كتاب الحج
  • شرح العمدة
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • محاضرات
  • فتاوى
  • الصفحة الرئيسية