اطبع هذه الصفحة


شرح أحاديث عمدة الأحكام
الحديث الـ76 في التشديد في تسوية الصفوف

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

 
ح 76
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما , قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ .
وَلِمُسْلِمٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ , حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ , ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ , حَتَّى إذَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ , فَرَأَى رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ , فَقَالَ : عِبَادَ اللَّهِ , لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ .

في الحديث مسائل :

1 = حُكم تسوية الصفوف
قال الإمام البخاري : باب إثم من لم يتمّ الصفوف .
ثم روى بإسناده عن بشير بن يسار الأنصاري عن أنس بن مالك أنه قدم المدينة ، فقيل له : ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تُقِيمون الصفوف .
قال ابن رجب في حديث الباب : ومعناه : أنه كانَ يُقوِّم الصفوف ويُعَدِّلها قبل الصلاة كما يُقوِّم السهم .
وقد تُوعِّد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه ، وظاهره : يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات أو غيرها ، كما قالَ : أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار ، أو صورته صورة حمار . وظاهر هذا الوعيد : يدل على تحريم ما توعد عليهِ . اهـ .
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ " أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ " فَيُخَالِفُ بِصِفَتِهِمْ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْمُسُوخِ ، أَوْ يُخَالِفُ بِوَجْهِ مَنْ لَمْ يُقِمْ صَفَّهُ وَيُغَيِّرُ صُورَتَهُ عَنْ وَجْهِ مَنْ أَقَامَهُ ، أَوْ يُخَالِفُ بِاخْتِلافِ صُوَرِهَا بِالْمَسْخِ وَالتَّغْيِيرِ . اهـ .
وقال ابن دقيق العيد : وَقَوْلُهُ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " مَعْنَاهُ : إنْ لَمْ تُسَوُّوا ؛ لأَنَّهُ قَابَلَ بَيْنَ التَّسْوِيَةِ وَبَيْنَهُ ، أَيْ الْوَاقِعُ أَحَدُ الأَمْرَيْنِ : إمَّا التَّسْوِيَةُ ، أَوْ الْمُخَالَفَةُ . وَكَانَ يَظْهَرُ لِي فِي قَوْلِهِ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلافِ الْقُلُوبِ ، وَتَغَيُّرِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ تَقَدُّمَ إنْسَانٍ عَلَى الشَّخْصِ ، أَوْ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَتَخْلِيفَهُ إيَّاهُمْ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُقَامًا لِلإِمَامَةِ بِهِمْ : قَدْ يُوغِرُ صُدُورَهُمْ . وَهُوَ مُوجِبٌ لاخْتِلافِ قُلُوبِهِمْ . فَعَبَّرَ عَنْهُ بِمُخَالَفَةِ وُجُوهِهِمْ ؛ لأَنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي التَّبَاعُدِ وَالتَّقَارُبِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ وَجْهِ الآخَرِ . اهـ .
ومذهب جمهور العلماء على أن تسوية الصفوف مُستحبة .
ومثل هذا الوعيد في قوله عليه الصلاة والسلام " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " لا يُمكن أن يصدر في أمر مسنون ، وإنما هذا الوعيد مُتصوّر في ترك أمر واجب .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا الْوَعِيدُ - يَعْنِي الَّذِي فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ - لا يَكُونُ إلاّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ . ا هـ
ويُمكن أن يُحمل مذهب الجمهور على القَدْر الزائد في تسوية الصفوف ، وهو ما وُصِف بـ " الْحُسْن " و " التَّمام " و " الكمال " ، فقد نصّوا على أن هذه الألفاظ تدلّ على أنها من الكمال .
وأما ترك الخلل ، وتقطيع الصفوف ، والإخلال بها فهو الذي يُحمل عليه الوعيد والتشديد في الأحاديث جمعاً بين أحاديث الباب . والله تعالى أعلم .
وقد أطال ابن حزم في تقرير وجوب تسوية الصفوف .

2 = تقدّم في الحديث السابق أن التسوية تكون بالقول والفعل ، وحديث الباب – برواية مسلم – دالٌّ على تسوية الصفوف باليد ، ويدلّ عليه أيضا أحاديث أخرى
فَعَن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحيته إلى ناحيته يمسح مناكبنا وصدورنا ، ويقول : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ، وكان يقول : إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المقدمة . رواه النسائي .
وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ، ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . قال أبو مسعود : فأنتم اليوم أشد اختلافا . رواه مسلم .
وهذا يعني أن أهل الفضل وكبار السنّ أولى أن يَـلُوا الإمام ، وأنه إذا دَعَت الحاجة إلى تأخير الصبيان جاز ذلك .
فقد روى النسائي في المجتبى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن قيس بن عُباد قال : بينما أنا بالمدينة في المسجد في الصف المقدم قائم أصلي فجَبَذَني رجلٌ من خلفي جَبْذَة فنحّاني ، وقام مقامي . قال : فو الله ما عقلت صلاتي ، فلما انصرف فإذا هو أُبَيّ بن كعب . فقال : يا فتى لا يسؤك الله ، إن هذا عهد من النبي صلى الله عليه وسلم إلينا أن نَلِيَه . ثم استقبل القبلة فقال : هَلَك أهل العقدة ورب الكعبة ثلاثا . ثم قال : والله ما عليهم آسى ، ولكن آسى على من أضلوا . قال قلت : من تعني بـهذا ؟ قال : الأمراء .
وقال الذهبي - في التلخيص - : على شرط البخاري .
وصحح إسناده الألباني والأرناؤوط .
قال النووي ( 4/116 ) – في شرح حديث " ليليني منك أولو الأحلام والنهى " - : وأولو الأحلام هم العقلاء ، وقيل البالغون ، والنُّهى - بضم النون - العقول .
بل قال - رحمه الله - : في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الأمام ، لأنه أولى بالإكرام ، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى ، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن لـه غيره ، وليضبطوا صفة الصلاة ، ويحفظونـها ، وينقلوها ، ويعلموها الناس ، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم . ولا يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة أن يُقدّم أهل الفضل في كل مجمع إلى الأمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة ومواقف القتال وإمامة الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث ونحوها ، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسن والكفاءة في ذلك الباب ، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك . اهـ .

3 = من تسوية الصفوف إكمال الصفّ المقدَّم قبل غيره ، حتى إذا كان هناك نقص صار في الصف الأخير ، وقد تقدّم هذا في الحديث السابق .

4 = ومن تمام إقامة الصفوف أن لا تُقطع بالسواري ولا بالمنابر ، فإذا قُطِعتْ فإن الصلاة بينها تُكره ، إلا لحاجة.
قال الإمام البخاري : باب الصلاة بين السواري في غير جماعة .
ثم روى بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأطال ، ثم خرج فكنت أول الناس دخل على أثره فسألت بلالا : أين صلى ؟ قال بين العمودين المقدمين .
وهذا يعني أن الصفوف لا تكون بين السواري ، بل كانوا يَتّقون الصلاة بينها في الجماعة .
قال ابن حبان : هذا الفعل ينهى عنه بين السواري جماعة ، وأما استعمال المرء مثله منفردا فجائز .
وروى أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان عن عبد الحميد بن محمود قال : صليت إلى جنب أنس بن مالك بين السواري ، فقال : كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : كنا نُنهى عن الصلاة بين السواري ، ونُطرد عنها طرداً .

5 = جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة
قال ابن عبد البر : جواز الكلام بين الإقامة والإحرام خلاف ما ذهب إليه العراقيون .
وقال الإمام النووي : وفيه جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة ، وهذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء ، ومَنَعَه بعض العلماء ، والصواب الجواز ، وسواء كان الكلام لمصلحة الصلاة أو لغيرها أوْ لا لمصلحة .

6 = قال ابن الملقِّن :
ينبغي للإمام والراعي أمْر أتباعِه بالخير ، ومراقبته لهم في ذلك ظاهراً وباطناً ، والشّفقة عليهم في الدنيا والآخرة ، ولا يُهمل واحداً منهم ، ولا يخصّه بالمخاطَبَة ، بل يعمّ جميعهم بالخطاب ، وإن وقعتْ من واحد منهم . اهـ .

7 = وقال أيضا :
فيه أنه لا يُهمل مُخالفة ، حتى لو حصل الامتثال من الجميع ، وتخلّف واحد خُشي من شؤمه عليهم .

8 = الحرص على وِحدة الصفّ واجتماع الكلمة ، ونبذ أسباب العداوة ، وإن كانت يسيرة في البداية .

9 = ألفاظ الحديث :
القِدَاح :
قال الإمام النووي : القِداح بكسر القاف هي خشب السهام حين تُنحت وتُبرى واحدها قِدح بكسر القاف ، معناه يُبالِغ في تسويتها حتى تصير كأنما يُقوِّم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها . اهـ .
عَقَلْنا عَنْهُ : فَهِمْنا ما أَمَرَنا بِهِ منَ التَّسوِيَةِ .
بادياً صَدْرُهُ : ظاهراً صدرُهُ منَ الصفِّ .
 

عمدة الأحكام
  • كتاب الطهارة
  • كتاب الصلاة
  • كتاب الصيام
  • كتاب الحج
  • شرح العمدة
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • محاضرات
  • فتاوى
  • الصفحة الرئيسية