اطبع هذه الصفحة


شرح أحاديث عمدة الأحكام
الحديث الحادي عشر و الحديث الثاني عشر : في فضل الوضوء ، وما يُكفّر مِن الخطايا

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

 
الحديث الحادي عشر :
عن نُعيم المُجْـمِـر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن أمتي يأتون يوم القيامة غُـرّاً مُحَجّـلِين من أثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يُطيل غُـرّته فليفعل .
وفي لفظ لمسلم :
رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين ، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أمتي يأتون يوم القيامة غُـراً محجلين من أثر الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل .

فيه مسائل :

في رواية لمسلم عن نعيم بن عبد الله المجمر قال :
رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ، فأسبغ الوضوء ، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد ، ثم مسح رأسه ، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ . وقال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم الغُـرّ المحجلون يوم القيامة مِن إسباغ الوضوء ، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله .

في رواية للبخاري – رحمه الله –
عن نعيم المجمر قال : رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد فتوضأ ، فقال :
إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل .

= المصنف – رحمه الله – لا يُورد مَن كان بعد الصحابي إلا لفائدة .
والفائدة هنا أن نعيم انفرد بذكر الإدراج في الحديث ، ولذا قال نعيم بعد روايته للحديث : لا أدرى قوله : " من استطاع أن يطيل غرته فليفعل " من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة ؟
ثم إن نعيم المجمر يروي ما شاهده من أبي هريرة رضي الله عنه .
فروى أنه رآه يتوضأ ، وفي رواية أنه رآه توضأ على ظهر المسجد .

= الصحيح أن قوله : " فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " مُدْرجٌ من قول أبي هريرة رضي الله عنه كما نصّ عليه أهل هذا الفن .
وأحياناً يقول الراوي قولا بعد روايته الحديث ثم يظن بعض من يرويه أنه من نَصّ الحديث .
كما تقدّم في رواية حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أسبغوا الوضوء . ويلٌ للأعقاب من النار .
فالجزء الأول من قول أبي هريرة رضي الله عنه .
ويتبيّن الإدراج بمقارنة الروايات بعضها ببعض .

= المُراد بـ " أمتي "
الأمة في العموم تنقسم إلى قسمين :
أمـة الإجابـة
وأمـة الدعوة

وأمة الإجابة هم من استجابوا للنبي صلى الله عليه وسلم .
وأمة الدعوة كل من عدا أمة الإجابة ممن توجّه إليهم الدعوة ، سواء من المشركين أو من الوثنيين أو من اليهود والنصارى .
قال صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار . رواه مسلم .
فقوله عليه الصلاة والسلام : أحد من هذه الأمة . يعني أمة الدعوة .

والمقصود بـ " الأمة " في هذا الحديث هي أمة الإجابة .
بدليل أنه صلى الله عليه وسلم أتى على أهل المقبرة فقال : سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون . ثم قال : وددت أنا قد رأينا إخواننا . فقالوا : يا رسول الله ألسنا بإخوانك ؟ قال : بل أنتم أصحابي وإخواني الذين لم يأتوا بعد ، وأنا فرطهم على الحوض . فقالوا : يا رسول الله ، كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك ؟ قال : أرأيت لو أن رجلا كان له خيل غر محجلة بين ظهراني خيل بهم دهم ، ألم يكن يعرفها ؟ قالوا : بلى . قال : فإنهم يأتون يوم القيامة غُـرّاً محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض . رواه مسلم .

= فضل الوضوء
قال عليه الصلاة والسلام : من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره . رواه مسلم .
وقال صلى الله عليه وسلم : إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ، حتى يخرج نقيا من الذنوب . رواه مسلم .
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ولا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن . رواه أحمد وغيره .

والأحاديث الواردة في فضل الوضوء أكثر من أن تُحصر في هذه العجالة .

= معنى غُـرّاً مُحجّـلين .
الغُـرّة ما يكون في وجه الفرس من البياض ، وهي تزيده جمالاً .
والتّحجيل ما يكون من بياض في ثلاث قوائم من قوائم الفرس .

والمُراد بالغرة ما يكون في وجوه الأمة من بياض وإشراق من أثار الوضوء .
وهذا مما تتميّز به هذه الأمة عن غيرها من الأمم ، وبه يعرفها نبيُّها صلى الله عليه وسلم .

= أثر الوضوء – آثار الوضوء . المعنى واحد .
والأثر هو ما يبقى بعد المسير أو الاستعمال .
والمقصود به هنا آثار الماء المستعمل يُبدلهم الله به نورا يوم القيامة ، ويُدعون بهذا الوصف لمحافظتهم على الوضوء .

= خطورة ترك الوضوء .
فمن لم يكن من أهل الوضوء فكيف يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم ؟
وكيف يعرف أن هذا من أمته ؟
وبالتالي تتبيّن خطورة الصلاة ، فإن من ترك الوضوء ترك الصلاة ، إذ الصلاة لا تصح إلا بوضوء .
وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : إنكم تأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، وهذه صفة المصلين . فَبِمَ يُعرف غيرهم من المكلفين التاركين والصبيان ؟
فأجاب – رحمه الله – :
الحمد لله رب العالمين هذا الحديث دليل على أنه إنما يعرف من كان أغرّ محجّـلا ، وهم الذين يتوضؤون للصلاة ، وأما الأطفال فهم تبع للرجال ، وأما من لم يتوضأ قط ، ولم يُصِلّ ، فإنه دليل على أنه لا يعرف يوم القيامة . انتهى .

= ما يتعلق بغسل المنكبين والرفع إلى الساقين له قصة كما عند مسلم في صحيحه .
فقد روى الإمام مسلم عن أبي حازم قال : كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة ، فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه ، فقلت له : يا أبا هريرة ما هذا الوضوء ؟ فقال : يا بني فروخ أنتم ههنا ! لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء . سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء .

المقصود ببني فرّوخ الموالي ، وقيل : العجم .

= هذا هو مذهب أبي هريرة رضي الله عنه بدليل انه قال لأبي حازم هذا القول .

= وقد جاء عن ابن عمر أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف .

نقل الإمام النووي عن القاضى عياض أنه قال ك وإنما أراد أبو هريرة بكلامه هذا أنه لا ينبغي لمن يقتدي به إذا ترخص في أمر لضرورة أو تشدد فيه لوسوسة أو لاعتقاده في ذلك مذهبا شذّ به عن الناس أن يفعله بحضرة العامة الجهلة لئلا يترخصوا برخصته لغير ضرورة أو يعتقدوا أن ما تشدد فيه هو الفرض اللازم . هذا كلام القاضى ، والله أعلم .

= المقصود بالمنكب هو مفصل الكتف من أعلى .

= قول الصحابي وفعله إنما يكون حجّـة إذا لم يُخالف النص الصحيح .

الحديث الثاني عشر :
وفي لفظ لمسلم : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : تبلغ الحِلية من المؤمن حيثُ يبلغ الوضوء .

فيه مسائل :

= الخُـلّـة أعلى درجات المحبة .
وهل هناك تعارض بين قول أبي هريرة هنا " خليلي " وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن أخي وصاحبي . متفق عليه .
ليس هناك تعارض فإن أبا هريرة لم يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذه خليلا ، وإنما هو اعتبره وجعله خليلا له .
قال ابن القيم – رحمه الله – :
أما ما يظنه بعض الظانين أن المحبة أكمل من الخُلّة ، وأن إبراهيم خليل الله ، ومحمد حبيب الله ! فمن جهله ، فإن المحبة عامة ، والخُلة خاصة ، والخلة نهاية المحبة ، وقد أخبر النبي أن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا ، ونفى أن يكون له خليل غير ربِّه ، مع إخباره بِحُبِّه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم ، وأيضا فان الله سبحانه يحب التوّابين ويُحب المتطهرين ، ويحب الصابرين ، ويحب المحسنين ، ويحب المتقين ، ويحب المقسطين ، وخُلّته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام . انتهى .

= المراد بـ " الحِـلْـيَـة " هنا هي حِلية أهل الجنة .
أي أن المؤمن يُحلّى في الجنة حيث يبلغ الوضوء .
وهذا مما يتميز به بعض أهل الجنة دون بعض .

= فيه دليل على فضل الوضوء ، وفضل إسباغ الوضوء .
قال صلى الله عليه وسلم : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخُطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ؛ فذلكم الرباط . رواه مسلم .
وإسباغ الوضوء على المكاره هو غسل الأعضاء غسلا كاملا عند برودة المياه في الشتاء ، وعند شِدّة الحرارة في الصيف .

= هذا من الأخبار الغيبية التي أطلع الله نبيّه صلى الله عليه وسلم عليها .
لأن هذا من الأمور الغيبية المتعلقة باليوم الآخر .
وهذا يدل على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم .
والله أعلم .

 

عمدة الأحكام
  • كتاب الطهارة
  • كتاب الصلاة
  • كتاب الصيام
  • كتاب الحج
  • شرح العمدة
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • محاضرات
  • فتاوى
  • الصفحة الرئيسية