اطبع هذه الصفحة


شرح أحاديث عمدة الأحكام
الحديث الـ 123 في التشهد

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

 
ح 123
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التَّشَهُّدَ - كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ , وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ , السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
وَفِي لَفْظٍ : إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ : التَّحِيَّاتُ للهِ - وَذَكَرَهُ –
وَفِيهِ : فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ - .
وَفِيهِ - فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ .

في الحديث مسائل :

1 = بابُ التَّشهدِ .
لما فرغ المصنف من بيان صفة الصلاة وأركانها ، بدأ بالتشهّد ، وهو من الواجبات .

2= عناية النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه على وجه العموم ، وعنايته بابن مسعود على وجه الخصوص ، حتى كان بعض الصحابة يَظن أن ابن مسعود رضي الله عنه من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة دخوله على النبي صلى الله عليه وسلم .
قال ابن مسعود رضي الله عنه : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذنك علي أن يُرفَع الحجاب ، وأن تستمع سوادي حتى أنهاك . رواه مسلم .
وقال أبو الدرداء لأهل الكوفة : أو ليس عندكم ابن أم عبد ، صاحب النعلين والوساد والمطهرة ؟ رواه البخاري .
أبو موسى الأشعري : لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما أرى إلا ابن مسعود من أهله .

3= هذا يدل على عناية المربّي بمن يُربيّه ، كالمعلم مع طلابه ، وأن يَعتني بمن له تميّز أو يَلمس فيه النجابة .

4= في هذا الحديث فضيلة لابن مسعود ، حيث علّمه النبي صلى الله عليه وسلم التشهّد وكفّـه بين كفّي النبي صلى الله عليه وسلم .

5= سبب وُرُود الحديث :
قال عبد الله كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا : السلام على جبريل وميكائيل ، السلام على فلان وفلان . فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله هو السلام ، فإذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية : لا تقولوا السلام على الله ، فإن الله هو السلام .
وفي رواية للبخاري : كنا نقول التحية في الصلاة ونُسَمِّي ، ويُسلِّم بعضنا على بعض ، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قولوا : التحيات لله والصلوات والطيبات .. إلخ .

6= قوله : " كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ " هذا يدلّ على أمور :
الأول : عناية الصحابة رضي الله عنهم بالقرآن ، فإذا أرادوا التأكيد على تعليم أمر قالوا : كَمَا يُعَلِّمُنِا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ .
ففي حديث بن عباس أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمنا التشهد كما يُعَلِّمنا السورة من القرآن ، فكان يقول : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله .
وفي حديث جابر في الاستخارة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلمنا الاستخارة في الأمور كما يُعلمنا السورة من القرآن ... رواه البخاري .
الثاني : كثرة تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم لهذه الأمور ، وتكرارها .
الثالث : التأكيد على هذا الأمر ، والاهتمام به .

7= معنى " التحيات " :
قال القرطبي :
التحية تفعله من حييت الأصل تحيِيَة ، مثل تَرْضِيَة وتَسْمِيَة ، فأدْغَمُوا الياء في الياء ، والتحية السلام ، وأصل التحية الدعاء بالحياة ، والتحيات لله ، أي السلام من الآفات ، وقيل : الملك . قال عبد الله بن صالح العجلي : سألت الكسائي عن قوله : " التحيات لله " ما معناه ؟ فقال : التحيات مثل البركات ، فقلت : ما معنى البركات؟ فقال : ما سمعت فيها شيئا ، وسألت عنها محمد بن الحسن ، فقال : هو شيء تعبد الله به عباده ، فقدِمْتُ الكوفة فلقيت عبد الله بن إدريس فقلت : إني سألت الكسائي ومحمدا عن قوله : " التحيات لله " فأجاباني بكذا وكذا ، فقال عبد الله بن إدريس : إنهما لا علم لهما بالشعر وبهذه الأشياء ، التحية : الملك ...
وقال القتبي إنما قال : " التحيات لله " على الجمع لأنه كان في الأرض ملوك يُحَيَّون بتحيات مختلفات ، فيقال لبعضهم : أبيت اللعن ، ولبعضهم : أسلم وأنعم ، ولبعضهم : عش ألف سنة ، فقيل لنا : قولوا التحيات لله أي الألفاظ التي تدل على الملك ويكنى بها عنه لله تعالى .

8= هل يَجوز أن يقول الإنسان لآخر : مع تحياتي ؟ أو مع التحية ؟
يجوز ، واللفظ الوارد هنا المختصّ به سبحانه وتعالى هو الجمع ، ولذا جاء اللفظ : التحيات لله ، أي أن الله مختصّ بها .
كما تقول : السلام عليك مِنِّي ، أو عليك مِنِّي السلام ، والله هو السلام .

9 = حُكم التشهّد :
قال النووي : واختلفوا في التشهد هل هو واجب أم سنة ؟ فقال الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة : التشهد الأول سنة ، والأخير واجب . وقال جمهور المحدثين : هما واجبان ، وقال أحمد رضي الله عنه : الأول واجب والثاني فرض . وقال أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما وجمهور الفقهاء : هما سنتان ، وعن مالك رحمه الله رواية بوجوب الأخير ، وقد وافق من لم يوجب التشهد على وجوب القعود بِقَدْرِه في آخر الصلاة . اهـ .
وقال أيضا : واحتج أحمد رحمه الله تعالى بهذا الحديث مع قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أُصَلِّي ، وبقوله : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا التشهد كما يُعلمنا السورة من القرآن ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : إذا صلى أحدكم فليقل : التحيات . والأمر للوجوب ، واحتج الأكثرون بأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك التشهد الأول وجَبَره بسجود السهو ، ولو وَجَبَ لم يصح جبره كالركوع وغيره من الأركان ، قالوا: وإذا ثبت هذا في الأول فالأخير بمعناه ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعَلِّمه الإعرابي حين علّمه فروض الصلاة ، والله أعلم .
ويُمكن أن يُناقَش هذا القول بأن الحجة في قوله وفَعله صلى الله عليه وسلم .
فأقواله على الأمر بالتشهّد .
وفِعله على جبر النقص بِترك التشهّد ، إذ لو كان مِن الأركان لم يَجبره السجود ، ولو كان من السنن لما لزِم له السجود .
كما أنه عليه الصلاة والسلام لم يَتركه مرّة مُتعمداً لبيان سُـنّـيّـته .

10= رأي ابن مسعود ومَرويّـه :
في رواية للبخاري – وذَكَر التحيات - ، وفيه : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وهو بين ظهرانينا ، فلما قُبِضَ قُلنا : السلام يعني على النبي صلى الله عليه وسلم .
قال ابن حجر : وأما هذه الزيادة فظاهرها أنهم كانوا يقولون السلام عليك أيها النبي بكاف الخطاب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم تركوا الخطاب وذَكَرُوه بِلَفْظِ الغَيْبَة ، فصاروا يقولون : السلام على النبي . اهـ .
وهذا قول صحابي خالَفه غيره ، فقد خالَفه ابن عباس رضي الله عنهما .
والحجة فيما روى لا فيما رأى .
وهذا يدلّ على حرص الصحابة على حماية جناب التوحيد .
وعموما .. هذا الخطاب ليس من خطاب الموتى ولا مِن دعائهم .
وهذا من باب " استحضار المنادَى في القلب فيُخاطَب لشهوده بالقلب ، كما يقول المصَلِّي : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه إن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب" كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

11= عند النسائي زيادة : وحده لا شريك له ، بعد قوله : أشهد أن لا إله إلا الله .

12= في رواية للبخاري : ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه ، فيدعو .
وعليه تُحمَل روايته : ثم يتخير بعد من الكلام ما شاء .
وفي رواية : فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ
وفي رواية لمسلم : ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء ، أو ما أحبّ .

للمُصلّي أن يَدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة قبل السلام ، ولا دليل لمن مَنَع سؤال شيء من الدنيا .
لأن هذا التخيير عام
" ثم ليتخيّر من الدعاء "
" فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ "
فالذي يَمنَع من سؤال أمر دنيوي يُحجِّر واسعاً ، ويُضيّق ما وسّعه النبي صلى الله عليه وسلم .

والله تعالى أعلم .
 

عمدة الأحكام
  • كتاب الطهارة
  • كتاب الصلاة
  • كتاب الصيام
  • كتاب الحج
  • شرح العمدة
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • محاضرات
  • فتاوى
  • الصفحة الرئيسية